خليل علي حيدر: بن لادن والزرقاوي وأبوقتادة
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك
في الذكرى السنوية الثالثة لكارثة 11/9 الإرهابية، وتدمير مباني المركز التجاري في نيويورك وموت آلاف الناس في "غزوة منهاتن" تلك، لا يزال معظم العرب والمسلمين من عوام وخواص، في نفس الموقع الذي عهدناهم فيه قبل ثلاثة أعوام، يستخدمون نفس الحجج المعاكسة ويرددون نفس الكلام.. بينما تغير العالم كله من حولنا أشد التغير، ودفع كل منا أفدح الأثمان. لا تزال البطولة في أذهان الكثير منا هي أن تختطف الطائرات وأن تصفق بها ناطحات السحاب الأميركية، لا أن تصنع مثل هذه الطائرات أو أن ترتقي ببلدان العالم العربي والإسلامي كي تكون مراكز تجارية للبشر كما كانت ذات يوم!
لا يزال مغفوراً لمجاهدي تنظيم القاعدة وغزاتها أن ينفذوا تلك الجريمة الشنعاء، وأن يتواروا في جبال وكهوف أفغانستان وباكستان، وأن يخاطبوا الدنيا باسم فلسطين والعراق من خلال الفضائيات العربية، بينما يدفع كل عربي وكل مسلم وكل طالب وسائح ورجل أعمال وكل مقيم في أوروبا وأميركا من أبناء وبنات العالم العربي والإسلامي، بل وحتى السيخ(!!) ثمن تلك الفعلة النكراء التي قلبت حياتنا ودمرت مصالحنا.
نفس العربي أو المسلم الفخور بمنجزات "القاعدة" وبن لادن، قد لا يثبت على رأيه! يقول: لا يمكن لشخص بسيط مثل الشيخ بن لادن، وبعض الطلبة الخليجيين والعرب أن يقوموا بعمل كهذا، يحتاج إلى مستوى رفيع من الاتصال والتخطيط.. والتنفيذ. هناك حتماً مؤامرة خلفها الموساد أو الاستخبارات الأميركية أو اليمين المسيحي أو جهة مجهولة. فالعقل العربي"غير مؤهل" لأن ينجز عملية بهذه الدقة.
هنا أيضاً لا يجيب أحد على بعض الأسئلة البسيطة، كالتساؤل مثلاً عن مصلحة الاستخبارات الأميركية أو اليمين الأميركي في تحطيم هيبة أميركا، وحتى إن كانت لها مصلحة، فماذا نفعل بحقيقة اشتراك كل هذا العدد من الطلبة السعوديين في "الغزوة"، وبكل أشرطة الخطب الوداعية النارية لبعض هؤلاء الطلبة، وبكل الندوات والتصريحات التلفزيونية لممثلي وقاعدة التنظيم الذين لم ينفوا "الاتهامات"، بل حذروا الناس من ركوب الطائرات والسكن في المباني العالية، وتوعدوا حلفاء أميركا وأصدقاءها بالمزيد من القصف والتفجير والخراب؟
مقالات التبرير والتفسير حول الكارثة منذ وقوعها لا تحصى، الكثير من الكتاب ناقشوا تأثير السياسات الأميركية في المنطقة وموقف الولايات المتحدة من إسرائيل كدافع. آخرون تحدثوا عن الفقر والجوع والإحباط وعداء أوروبا وأميركا للعرب والمسلمين. فئة ثالثة تنبهت بكل فطنة وذكاء إلى "المخطط الأميركي الرهيب" للسيطرة على نفط العالم كله، بعد أن أصبح الصراع الأميركي- الأوروبي، والصراع الأميركي- الصيني والهندي والياباني والبرازيلي.. على الأبواب!
ومن هنا، فمن الجائز أن تقوم وزارة الدفاع الأميركية، بالتنسيق مع الاستخبارات والطيران المدني، بضرب مباني نيويورك، وهدمها على رؤوس ثلاثة آلاف رجل وامرأة، تمهيداً لحرب أفغانستان واحتلال العراق، و"وضع اليد" على نفط الخليج وكل الشرايين التجارية.. في آسيا.
لا يجد أي من المتعاطفين مع بن لادن تناقضاً في الانتقال من التباهي بغزواته إلى تبني الموقف النافي لاشتراك أي عربي أو مسلم في العملية. ولا يكترث أحد من هؤلاء بحقيقة أن العالم الثالث غير الإسلامي يعج بالفقراء والعاطلين والجوعى وضحايا السياسات الأوروبية والأميركية الخاطئة، كما في الأرجنتين وتشيلي. بل لا ينتبه أحد منهم إلى أن ضحايا الحروب الأميركية في آسيا البوذية كاليابان وكوريا وفيتنام، كانت بمئات الآلاف، دون أن تهيمن العقلية الانتقامية الإرهابية على نفوس شباب اليابان وفيتنام، كما نراها اليوم مهيمنة على نفوس شرائح واسعة من شعوب العالمين العربي والإسلامي، رغم أن أميركا لم تخض حرباً واحدة في مناطق العالم الإسلامي بمستوى حروبها الآسيوية!
ولست خبيراً بأسواق النفط وأسعاره، ولكن كذلك الكثير، بل كل الكتاب العرب، الذين يروجون لأساطير "الهيمنة الأميركية" على نفط العالم! فما من عاقل يفهم في أمور الحياة السياسية والاقتصادية المعاصرة إلا ويرى استحالة ذلك. وإذا كانت حرب 1990-1991 لتحرير الكويت، وحرب تحرير العراق، أسفرتا عن تضاعف سعر النفط أربع أو خمس مرات، ليتعدى الخمسين دولاراً للبرميل الواحد، ولتغرق دول العالم النفطية بالمليارات، فكيف يمكن لأميركا أن تضع كل حقول نفط الدنيا أو حتى العربية في جيبها؟ وهل باستطاعة القوة العسكرية وحدها أن تديم هذه الهيمنة الأميركية على الحياة الاقتصادية والسياسية التي تتحكم بها عشرات العوامل؟
إنها للأسف نفس قصص السعالي والغيلان التي يتناقلها العرب، ويدمرون بها حياتهم الفكرية والسياسية والإعلامية! الشارع العربي لا يريد أن يفكر، المثقف العربي لا يريد أن يقول الحقيقة للناس وأن يتحمل المسؤولية. ولهذا نغوص عاماً بعد عام في المخاوف والأوهام، وتضيع علينا كل الفرص الذهبية للحاق بالبلدان المتقدمة.
وقعت أحداث سبتمبر في نفس الفترة التي تحمست فيها الولايات المتحدة لحل مشكلة الشرق الأوسط والقضية الفلسطينية. وعلى كل من يزعم بأن جريمة نيويورك هذه قد جاءت انتقاماً من الموقف الأميركي في فلسطين أن يقنعنا، وكلنا إصغاء، إلى أنها زادت من حماس أميركا لحلها! أو أنها أضعفت الحجج الإسرائيلية ضد العرب، أو أنها ساهمت في تقوية وتوحيد الموقف الفلسطيني!
ثم هل يمكن لدولة عظمى كالولايات المتحدة التي هزمت ألمانيا النازية، وهشمت الاتحاد السوفييتي والكتلة الاشتراكية، أن تجبرها عملية إرهابية لا إنسانية، ضحاياها من المدنيين المسالمين، على الاستسلام لسكنة الكهوف في "تورا بورا" وعلى الحدود الباكستانية، أو تغير سياستها في الشرق الأوسط تحت تهديد المتفجرات؟
وإذا كان انخراط الشباب العربي في الأعمال الإرهابية انتقاماً من مواقف سياسية متصلة في الشرق الأوسط كما يقولون، فلماذا التعامل مع فرنسا وأسبانيا بلغة الدمار والموت؟
ما يثير الاستغراب حقاً في موقف الكتاب والإعلاميين ونجوم الصحافة والتلفاز، فوق كل ما ذكرنا، أنهم يقدمون التبريرات لأعمال الإرهاب وأبطاله دون أدنى التفات إلى حال العالم العربي ومستقبله. الكل مثلاً يصغي جيداً إلى هيكل وهويدي والقرضاوي ولا أحد يكترث بتقارير التنمية والأحوال الحقيقية للعرب والمسلمين والمستقبل المظلم الذي ينتظرهم، وهم يغوصون جيلاً بعد جيل في المزيد والمزيد من العداء للبلدان المتقدمة. فقد كنا مع هتلر والنازية، ثم ركبنا مع هيكل مركب الناصرية، وأدخلتنا المخاوف القومية عربة صدام حسين، ليتسلم الراية منه بن لادن وأبوقتادة وأبوحمزة وأبوالقعقاع وأبومصعب الزرقاوي.. وحشد كامل من الإرهابيين!
لا أحد من الكتاب والإعلاميين يحاول أن يرسم للقراء والمشاهدين صورة عن أحوالنا، أو بالأصح أهوالنا، في ظل أمثال هؤلاء إن أمسكوا بمصير بلداننا.
أم أن هناك (مؤامرة حقيقية وكبرى) خلف هذا الصمت؟.