عبدالوهاب بدرخان: السودان نحو العقوبات
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك
هناك مشكلتان بالغتا الأهمية. الأولى، ان الحكومة السودانية لم تعط أي انطباع بأنها تتعامل بجدية مع قضية دارفور. والثانية، ان الولايات المتحدة هي وراء التحرك الدولي ضد السودان، وليست للولايات المتحدة صدقية وانما لها أجندة خفية... وبين هذين الطرفين، وفي ظل وضع انساني وأمني مقلق جداً في دارفور، وعلى خلفية عقدة ذنب رواندية لم تغب عن الأذهان، أمكن تفعيل مجلس الأمن الدولي للتحرك خطوة أولى نحو فرض عقوبات على السودان.
مضت بضعة شهور ولم تتمكن الخرطوم من إحداث أي اختراق جوهري في الصورة التي ارتسمت. رفضت التدخلات ووافقها الاتحاد الافريقي، قدمت تعهدات فوضعت على المحك، طلبت مزيداً من الوقت، ولا تزال تحتاج الى الوقت، لكن في غضون ذلك استمرت أخبار الميليشيات هي المسيطرة، وظلت أنباء التنكيل والتشريد سيدة الموقف. فإما ان دارفور خطت سريعاً نحو أن تكون «دولة» داخل الدولة، أو أن صراعات داخلية تفقد أي تحرك حكومي زخمه وفاعليته. الاعتقالات المتزايدة للترابيين تريد ان توحي بذلك، حتى انهم اتهموا بتنفيذ مخطط للموساد الاسرائيلي، اذا للترابي وأنصاره كل هذا النفوذ فمن الأفضل اتباع اسلوب آخر معهم لاقحامهم في معالجة الوضع بدل استفزازهم لمفاقمته.
يفترض ان تكون حكومة الخرطوم طرفاً على الحياد بين طرفي الصراع الدموي في دارفور. لكن تصرفاتها منذ تسليط الأضواء الدولية على المأساة دلت الى أنها عاجزة عن إظهار شفافية موقفها. هل يعني ذلك انها ارتكبت أخطاء في إدارة الأزمة، وكم سيستغرق اصلاح هذه الأخطاء؟ هل العلة في الأشخاص الذين كلفوا ملف دارفور، وكم من الوقت يلزم لتغيير هؤلاء في بلد ذي خبرة في الانقلابات؟ هل المشكلة في وجود «مؤامرة» دولية، أميركية تحديداً؟ وهل تعرف الخرطوم عناصر هذه المؤامرة وأهدافها، وما الذي يمنعها من التصريح بما تعرف، أم المؤامرات يحكى عنها فقط عندما تكون وهمية وبالأحرى «داخلية»؟
الأسئلة كثيرة، ولعل أهمها ما الذي يجري الآن حقاً في دارفور؟ ولماذا تنحصر معلومات العالم عن الوضع هناك في تقارير بعثات وموفدين من الخارج. غريب جداً ان لا تهتم الخرطوم بأن تكون هي بالذات مصدر الأخبار الدقيقة عن منطقة لا تزال سودانية. لا فرق بين أن تكون هذه الأخبار سلبية أو ايجابية، طالما ان الحكومة السودانية هي المطالبة بأن تتعامل مع الوقائع. في غياب مثل هذا الهاجس لدى الخرطوم، لم يبق لمجلس الأمن سوى ان يستند الى ما في التقارير ليصدر حكمه. وقد يكون المندوب السوداني محقاً في القول ان القرار ظالم وغير منصف طالما انه يمهد لعقوبات، لكن حكومته لم تسلحه بما يبدد قلق المجتمع الدولي، ولو بما ينفي تهمة انها لم تف بتعهداتها، ولا بما يؤكد أنها جدية الى حد يحرج الكونغرس الأميركي ومجلس الأمن الدولي.
لا شك في أن الأميركيين يعبثون بالملف في غمرة الحملة الانتخابية. ولا شك في أن الاشارة الى «اجراءات تؤثر في القطاع النفطي» تلبي أهداف المؤامرة الاميركية المزمنة على السودان، كما على العراق. لكن مقاومة هذه المؤامرة لا تكون بـ«فتح أبواب الجحيم» امام الأميركيين، كما توعد رئيس الجمعية الوطنية السودانية وانما باحترام مصلحة السودان، وهذه المصلحة تقتضي البدء فوراً بإظهار الفارق بمعزل عما إذا كان هناك قرار أو لا قرار لمجلس الأمن.
في أي حال، من شأن مجلس الأمن ان لا ينظر فقط في التقارير، وان لا ينشغل فقط في الصياغات والمساومات. فهذه أنشطة تقنية لا تعالج دوافع القرارات ولا تعطي أي طرف الضمانات التي يحتاجها. فلا أحد، مثلاً، يستطيع أن يحدد بدقة أين أصبح «المتمردون»، وهل لا يزالون يعتبرون أنفسهم في السودان، ومن يحركهم وبماذا وعدهم، فهؤلاء لهم دور أساسي أيضاً في ما يفترض ان يكون إعادة الأمور الى طبيعتها في دارفور. حتى الآن، استطاعت قضية دارفور ان توفر كل الشكوك التي تجعل منها مشروع «حرب جنوب» أخرى مفتوحة في السودان.