جريدة الجرائد

جابر عصفور: شروط الإعلام الناجح

قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

كنت أقرأ في تاريخ الإذاعة البريطانية‏B.B.C‏ علي موقع الإنترنت الخاص بها‏,‏ حيث كل شيء متاح عن هذه الهيئة الضخمة التي يمتد تأثيرها إلي كل ركن في كوكبنا الأرضي‏,‏ فانتهيت‏-‏ بعد طواف ممتع‏-‏ إلي أن نجاح هذه الهيئة التي تعددت مؤسساتها‏-‏ عبر مراحل تطورها‏-‏ ارتبط‏-‏ ولا يزال‏-‏ بثلاثة شروط لا ينفصل أي واحد منها عن غيره‏.‏

أولا‏:‏ وضوح الرسالة الإعلامية التي تعني وضوح الأهداف المرجوة‏,‏ وذلك بما لا يخلو من مرونة الاستجابة إلي المتغيرات والتفاعل معها‏,‏ تطويرا لهذه الأهداف أو توسيعا لأفقها والإضافة إليها بما يناسب الإيقاع المتسارع لزمن التقدم في كل مجالاته‏.‏ وثانيا‏:‏ القيادات المتجددة التي تتميز بالكفاءة والقدرة علي التطوير الدائم والتجديد المستمر‏,‏ سواء علي مستوي الإدارة‏,‏ أو في مجالات الخطاب الإعلامي بتعدد أشكاله ومضامينه‏.‏ وثالثا‏:‏ الحرية المقترنة باستقلال هذه الهيئة عن الحكومة البريطانية في كل ما يتصل بشئونها المالية والإدارية‏,‏ وأوضاعها الفنية‏,‏ وسياساتها التنفيذية المقترنة بالأهداف المحددة والواضحة‏.‏

وقد نشأت شركة الإذاعة البريطانية‏B.B.C‏ سنة‏1922‏ بواسطة مجموعة من رواد الصناعات اللاسلكية‏,‏ تتضمن رائد صناعة الراديو جوجليلمو ماركوني‏.‏ وبدأت الشركة البث من استوديو ماركوني بمدينة لندن في الرابع عشر من نوفمبر‏.‏ وظلت تسعي إلي توسيع دائرة البث إلي أن نجحت في تغطية أغلب المملكة المتحدة سنة‏1925.‏ ويرجع أكبر تأثير حدث في فترة النشأة إلي جهد المهندس الأسكتلندي جون ريث الذي عمل علي تكوين هيئة إذاعة مستقلة‏,‏ قادرة علي التعليم والإعلام والترفيه‏,‏ متحررة من التأثير السياسي والضغط التجاري‏.‏ وتوالي نمو الهيئة عبر العقود اللاحقة‏,‏ ابتداء من الثلاثينيات التي شهدت إسهام كبار الكتاب والممثلين والموسيقيين‏,‏ وبداية البث عبر مستعمرات الإمبراطورية البريطانية علي امتداد الكرة الأرضية‏.‏ وكان استهلال ذلك الكلمة التي ألقاها الملك جورج الخامس في كريسماس‏1932,‏ والتي أعدها رديارد كبلنج أديب الإمبراطورية المتعصب لأفكاره الإمبريالية‏,‏ وكان قد حصل علي جائزة نوبل سنة‏1907.‏ واستمرت الهيئة في التطور الذي لم ينقطع بعمليات تحديثه‏,‏ فضمت إليها التليفزيون الاختراع الجديد الذي أكد حضوره المؤثر في الثاني من يونيو سنة‏1953‏ بين وقائع تتويج الملكة إليزابيث الثانية‏.‏ ولم تتوقف عمليات التطوير والتحديث والإضافة والتوسع إلي أن اقتحمت الهيئة بمؤسساتها التي تعددت الزمن الواعد لتكنولوجيا الديجتال والإنترنت‏,‏ ولا تزال تعمل علي تطوير ما لديها‏,‏ في ظل منافسة عالمية غير مسبوقة في إيقاع تقدمها المتسارع‏.‏

ومنذ أن أرسي جون ريث مبدأ استقلال شركة الإذاعة البريطانية في العشرينيات‏,‏ متباعدا عن التأثير الضار للسياسة أو للتجارة‏,‏ فإن مبدأ الاستقلال ظل قائما‏,‏ وخرج قويا من أزمة حرب السويس التي هددت هذا الاستقلال في الخمسينيات‏.‏ ولم تكن برامج الهيئة البريطانية متوافقة مع اتجاه الحكومة البريطانية في ذلك الوقت إلي الحرب‏,‏ الأمر الذي دفع بعض الأصوات إلي مهاجمة هيئة الإذاعة البريطانية بسبب موقفها غير الوطني‏.‏ ولكن حافظت الهيئة علي شجاعتها‏,‏ وخرجت من الأزمة من غير أن يتأثر استقلالها الذي عرفت به‏,‏ والذي لا تزال تعرف به‏,‏ خصوصا بعد أن أصبحت تقاليده راسخة عبر الأجيال المختلفة التي لم تفرط في هذا الاستقلال قط‏,‏ بل أضافت إليه ما ظل يؤسس لمبدأ حيوي لا يمكن لأي إعلام أن ينجح دونه‏.‏ ولا يتصور أحد أن موقف الإذاعة البريطانية كان موقفا غير وطني خلال حرب السويس‏,‏ بل كان الموقف الوطني الحقيقي الذي انطلق من وعي المستقبل ولم ينطلق من النظرة الاستعمارية الآفلة لحكومة إيدن في الخمسينيات‏.‏ وقد ذهبت حكومة إيدن‏,‏ وذهب معها الاستعمار القديم‏,‏ وبقيت هيئة الإذاعة البريطانية مقترنة بمبدأ الاستقلال الحقيقي الذي زادته الأزمات اللاحقة رسوخا‏.‏

ولا يعني هذا المبدأ‏-‏ كما قلت في مقال سابق‏-‏ التطابق بين الجهاز الإعلامي والحكومة‏,‏ بل الموازاة التي تحتمل المعارضة والنقد‏,‏ وتتطلب المكاشفة والمصارحة‏,‏ وذلك من منطلق المصالح العليا للدولة‏,‏ أو الأزمة‏,‏ وليس المصالح المتغيرة للحكومات التي لا تري إلا ما هو تحت أقدامها في حالات كثيرة‏.‏ ولا يعني هذا الاستقلال‏-‏ بالقطع‏-‏ الانفصال المطلق عن الدولة‏,‏ أو معاداتها‏,‏ وإنما المدي الرحب الذي يتيح للعاملين في الإعلام حرية الفعل‏,‏ ومرونة الحركة‏,‏ وشجاعة المبادرة‏,‏ وقدرة المساءلة‏,‏ جنبا إلي جنب إمكان اتخاذ القرار السريع في التوقيت المناسب‏,‏ بعيدا عن أي قيود مفروضة من أعلي‏,‏ أو قوائم الممنوعات التي تزداد اتساعا بتزايد طبائع الاستبداد الفكري أو الاجتماعي أو السياسي‏.‏ والاستقلال عن الدولة بهذا المعني هو الوجه الآخر من الاستقلال عن غير الدولة‏,‏ خصوصا في العالم الثالث‏,‏ حيث تتكاثر مجموعات الضغط الموازية للدولة المدنية والمعادية لها‏.‏ ومثال ذلك مجموعات التطرف الديني التي تمارس إرهابها المباشر وغير المباشر علي الرموز الثقافية ووسائل الإعلام في الوقت نفسه‏.‏ ولا ننسي أن هذه المجموعات‏-‏ نتيجة عوامل معروفة‏-‏ قد أصبح لها ما يمكن أن نطلق عليه الإعلام الموازي المتمثل في منشورات ومطبوعات‏,‏ وندوات وأحاديث‏,‏ وملتقيات في نواد أو منازل‏,‏ وأشرطة وقنوات فضائية‏,‏ تعمل علي نشر أفكار التطرف وإشاعة مناخه المعادي للدولة المدنية‏.‏

وأحسبني في حاجة إلي القول إن هيئة الإذاعة البريطانية تأسست ببراءة ملكية‏,‏ تشبه المبادئ الموجهة‏,‏ مصحوبة باتفاق يؤكد استقلالها‏,‏ وتتجدد هذه البراءة مع متغيرات الزمن‏.‏ وقد صدرت البراءة الأخيرة واتفاقها سنة‏1996‏ وستظل فاعلة إلي سنة‏2006,‏ حيث يعاد النظر فيها حسب المتغيرات‏.‏ والبراءة‏(‏ أو الشرطة بلغة رفاعة الطهطاوي‏)‏ موجودة علي موقع الـ‏B.B.C‏ في الإنترنت‏,‏ ومعها مجلس الأمناء أو الحكام الذي يتكون من اثني عشر عضوا تعينهم الملكة بناء علي نصيحة وزراء الحكومة‏,‏ ومهمتهم الأولي هي مراعاة مصالح المشاهدين والمستمعين‏,‏ ومن ثم التصديق علي الاستراتيجية المقترحة‏,‏ والمراقبة والمتابعة بما يؤدي إلي التطوير المستمر للخدمات‏.‏ ويتولي هذا المجلس تعيين المدير العام‏,‏ ومعه‏(‏ أو معها‏)‏ الإدارة العليا‏.‏ وينشر تقريرا سنويا يتوجه به إلي دافعي رخصة التليفزيون‏(‏ حيث يدفع كل مالك تليفزيون مبلغا سنويا مقداره‏121‏ جنيها استرليني‏,‏ وهذا أول أركان دخل الهيئة مع المعونة المقدمة من وزارة الخارجية ودخل الإعلانات والخدمات‏)‏ وإلي البرلمان الذي يقيم أداء الـ‏B.B.C‏ فيما يتصل بتحقيق أهدافها‏.‏ ويتاح هذا التقرير السنوي‏,‏ ومعه كل التقارير والوثائق التي تتناول كل شيء‏,‏ للمشاهدين علي شاشة الإنترنت‏,‏ مصحوبة بتقارير الخبراء واللجان الإشارية‏,‏ فضلا عن نتائج عمل وحدات قياس الرأي‏,‏ التي لا تكف عن العمل‏,‏ وذلك بوصفها بوصلة يستهدي بها واضعو الاستراتيجية وممثلو الإدارة وصانعو البرامج في البحث عن أكثر الطرق والأساليب فاعلية ونجاحا‏.‏

ويعني ذلك كله أن الإدارة بالأهداف‏,‏ وأنها لا تخضع لاعتبارات سياسية ضيقة‏,‏ ولا تتدخل فيها المحسوبية أو الشللية أو العصبيات العائلية‏.‏ والترقي علي كل مستوي وفي كل مجال علي أساس من الكفاءة المقترنة بعمليات التدريب المستمر‏,‏ وليس علي أساس من الأقدمية التي نراها في جهاز التليفزيون المصري علي سبيل المثال‏,‏ فلا يوجد ما يسمي الدور في الترقية علي فلان أو فلانة‏,‏ وإنما علي أساس الكفاءة والقدرة التي يمكن قياسها‏,‏ ووضعها في الاعتبار الأول‏,‏ بعيدا عن السن أو الرضا السياسي أو الاجتماعي‏.‏ باختصار‏,‏ يوضع الإنسان المناسب‏-‏ رجلا أو امرأة‏-‏ في المكان المناسب‏.‏ ويبقي المسئول بمقدار النتائج والأهداف التي ينجح في تحقيقها‏,‏ أو يترك مكانه لمن هو أكثر كفاءة وقدرة علي تحقيق هذه الأهداف‏.‏ وأعضاء مجلس الأمناء أعضاء فاعلون بكل معني الكلمة‏.‏ مهمتهم وضع كل شيء موضع المساءلة‏,‏ والتأكد من سلامة الاستراتيجية وفاعلية تطبيقها‏,‏ ومن ثم الإسهام في تطوير القدرة التنافسية العالية في عالم التقدم المتصاعد الذي لا يرحم‏,‏ والذي لا مكان فيه للجامد أو المتخاذل أو الخائف أو الغارق في أوهام ماض انتهي‏.‏

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف