إدوارد سعيد في ذكرى رحيله
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
عمان ـ موسى برهومة: سنة تمر على غياب المفكر إدوارد سعيد، تاركاً خلفه صورة المثقف في أرض الميدان، المنفتح والمتأهب والشبابي الناشط بامتياز، الذي يقارع المرض وحصار المنافي، والمتوهج عطاءات في الفكر والسياسة والفلسفة والثقافة والمتذوق بحدس هائل للفنون.
نختبر حواسنا ونظراتنا المتحولة الى الأشياء التي مرت في غضون سنة من خلال قراءة صور المثقف إدوارد سعيد إذ تختزل الواقع السياسي العالمي الراهن وصراع الثقافات أو "صدام الحضارات" في الحيّز المتسع الذي شغله سعيد في مجال التفكير السياسي والثقافي والحالة الفلسطينية، وهوامش أخرى تحتلها قضايا كبرى.
قامة طويلة انطلاقاً من تجربة الحياة "المعنى" في قول الأشياء "النظيفة" والتجربة والثقافة، والاختبار فيصير معها الوصف اهو لشخصية شمولية وموسوعية. دارسة وناقدة الخطابات الثقافية والسياسية السائدة لاسيما الاميركية منها.
إدوارد سعيد عاشر كونية الإنسان وكونية الثقافة في الفائدة الإبداعية المباشرة التي تتكئ على هوية وطنية وانسانية، ربما صارت حيناً بديلاً لوطن وسط الحصار، أو ربما طريقاً لرؤية وطن أكبر وبشكل أفضل. يبقى إدوارد سعيد حاضراً في كتبه ومؤلفاته ـ وما أغناها ـ والمتعددة نوعياً وبموقعه الأكاديمي المتقدم وبشواغله ونزعاته الثقافية الإنسانية التي يطل منها الحاضر والمستقبل. هو واحد من الحياة نفسها وأبعد وأعمق. بهذا المعنى إدوارد سعيد يتوّج رحلة إنسانية طويلة متشعبة، ويطل علينا مفتتحاً لمقدمات ولقراءة متجددة تحضر فيها وقائع وأحداث وعلامات وأسماء وموسيقى وأشعار، وبأس وبؤس ومنفى وذاكرات الأمكنة.
كتاباته الإنسانوية المتعددة، تتمظهر مع قامة شبه ملحمية عالية، تجسد النص العربي المثقف المتحالف مع خطاب الآخر المعادي للصهيونية. وما علينا إلا قراءة إدوارد سعيد وما كتبه و"ما حكى" مرة أخرى ومرات تلمساً لحيوات الرجل الجديدة. هنا محور حول الذكرى الأول لرحيله وكتابات لأصدقاء المساحة الفكرية:
عمان ـ موسى برهومة
"لك، مثلي، جنوب على أرض هذا الكلام ولا أرضَ لكْ
غير ماضيك بين طريقين يقتسمان الغبار الذي كلّلكْ
فابتعد عن نوافذ أمك أكثر مما ابتعدتَ
لتهتف أمك: ما أجملك!
يا شمالَ القصيدة
وهي البلاد الوحيدة بعد رحيل الأساطير،
خذها لك اسماً وجسماً... لكي تكملكْ
وأطع أمك الآن، واقرأ شكسبير عن ظهر قلب لها!
لا زمان لهاملت، أو غيره، بعد ليل الكتابة...
لا ظل للحب في ليله المتدفق كالنهر،
فاصعد على سقف نفسك كي تحملكْ
مثلما كنت تحملها بين بابونج الحقل...
واهبط الى بئر نفسك كي تسألك
مثلما كنتَ تسألها في المرايا القديمة:
هل أنتَ... أنت؟
وهل أنتَ لكْ؟
وتطلع أمامكَ، خلفكَ، حولكَ
لا دربَ لكْ
غير هذا الفلكْ"
بهذه القصيدة التي كتبها الشاعر محمود درويش في الأول من من تشرين الثاني، 1995 دشّن إدوارد سعيد عامه الستين، وفيها ظل درويش يراود فكرة الحنين والمنفى والماضي التي شغلت إدوارد طويلا، وأرخى جدائل روحه لاستقصاء مداراتها والنقش في متونها، ولكن الزمن لم يسعفه طويلا للبقاء في دائرة الحفر والتنقيب عن أحوال الضحية، وتجربة المنفى التي لا يمكن، بحسب سعيد، التغلب على ما تولده من شجن أساسي "وسرعان ما استسلم مهزوما لنداء الموت الذي ظل يتربص به سنوات، منذ إصابته بسرطان الدم (اللوكيميا) في العام 1992.
في مثل هذا الوقت من العام الماضي دخل المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد المرحلة الأشد وطأة مع المرض، حينما أمضى ليلته الأخيرة في غرفة العناية الفائقة في أحد مستشفيات نيويورك، لكنه ما لبث،بعد أقل من يومين، أن استسلم لحتفه فعانقت روحه فضاء الأبدية يوم الخميس في الخامس والعشرين من أيلول 2003.
وأجمع العالم بأسره على اعتبار رحيل صاحب كتاب (الاستشراق) بمثابة خسارة كبيرة للجميع، إذ إن غيابه "جعل العالم العربي وأميركا أكثر فقراً" على حد تعبير الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان.
ولد إدوارد سعيد في الأول من تشرين الثاني 1935 في القدس من والدة بروتستانتية تنتمي الى عائلة ميسورة وتاجر فلسطيني مسيحي ثري حصل على الجنسية الأميركية.
تخرج سعيد في جامعة برنستون الأميركية، حيث حصل على درجة الماجستير، ومن ثم حصل على شهادة الدكتوراة من جامعة هارفرد بأطروحة عن أدب جوزيف كونراد. ليصبح بعدها أستاذا للأدب المقارن في جامعة كولومبيا الأميركية.
كان إدوارد متخصصاً أيضاً في الموسيقى، وقد أسس مع قائد الأوركسترا اليهودي ـ الأرجنتيني دانيال بارينباوم فرقة "ديوان الشرق والغرب" التي تضم موسيقيين من كل أنحاء الشرق الأوسط.
ولسعيد كتاب عن الموسيقى بعنوان "متتاليات موسيقية" صدر العام 1991 وترجم الى لغات عدة، يظهر فيه تفوقه النظري في هذا الحقل الصعب بعد أن برع في الحقل التطبيقي كعازف بيانو من طراز محترف. وفي مقالة معنونة بـ"من الصمت الى الصوت" أوردها الناقد الأردني د. محمد شاهين في كتاب صدر أخيراً عن المؤسسة العربية في بيروت "إدوارد سعيد: مقالات وحوارات" يتنقل سعيد بين أقاليم الموسيقى والأدب والتاريخ، ويتوقف عند الموسيقيين العالميين فاغنر وبيتهوفن، حيث يصف فاغنر السمفونية التاسعة لبيتهوفن بأنها "خلاص الموسيقى" ويمضي سعيد في تصوراته حول الموسيقييْن، إذ يشير الى أن فاغنر "بيّن أن الموسيقى، رغم كل ما تتصف به من طلاقة وقدرة على التعبير، فإنها تخضع للزمن والإقفال، أي للصمت. وللتغلب على الصمت وجعل العبارة الموسيقية تمتد الى ما بعد المحط الأخير أو النغمة الختامية، فتح بيتهوفن دنيا اللغة التي تمكنها طاقتها على استيعاب النطق الإنساني الصريح من أن تقول بنفسها أكثر مما تستطيع الموسيقى قوله. ومن هنا وجد فاغنر الدلالة الهائلة لثوران الصوت والكلام في النسيج الآلي للسمفونية التاسعة، فما رآه هناك كان تجسيداً إنسانياً للغة تتحدى صمت النهاية والموسيقى نفسها".
وضع إدوارد سعيد 18 كتاباً من بينها "البدايات"، "الاستشراق" 1978، "لوم الضحية" 1978، و"مسألة فلسطين" 1979، "الأدب والمجتمع" 1980، "اكتشاف الإسلام" 1981، "العالم النص الناقد" 1983، "بعد السماء الأخيرة" عام 1986، "الثقافة والإمبريالية" 1993، "القلم السيف" 1994، "غزة أريحا" 1994 و"أوسلو 2 سلام بلا أرض" 1995. وله أيضاً "تغطية الإسلام" و"السلام والسخط" و"سياسة التجريد" و"خارج المكان" الذي روى خلاله فصولا من سيرته الذاتية. وقد ترجمت كتبه الى لغات عديدة، بيْد أن كتابه "الاستشراق" كان أبعدها صدى حيث ترجم الى 26 لغة.
وكان إدوارد سعيد كما يصفه هشام شرابي "في طليعة جيله من الأكاديميين العاملين في هذه الحقول. ولا شك في أن كتابيه (الاستشراق) و(المسألة الفلسطينية) يشكلان المساهمة الرائدة التي حققها إدوارد سعيد في النقد الأدبي وفي الدراسات الفلسطينية المعاصرة، وفي نظري أن كتاب "المسألة الفلسطينية" من حيث الدقة والعمق والأثر لا يضاهيه عمل آخر في الحقل الفلسطيني، إلا كتاب جورج أنطونيوس "يقظة العرب"".
ويعلل إلياس خوري كتابة إدوارد سعيد الكثيرة عن المنفى بأنه "كان يسعى الى تحرير المنفيين ومقاومة الظلم. لذا ولدت فلسطين في العالم تحت قلمه وصارت وطناً لكل اللاجئين والمنفيين والفقراء والشرفاء. كأنما جسّد في سيرته وأعماله الوجه الآخر للوطن. هناك داخل السجن الإسرائيلي كان محمود درويش وإميل حبيبي يصوغان لغة الوطن، وهنا في المنفى كان غسّان كنفاني يتلمّس حكايته. وهناك في أميركا كان يبنيه في وصفه ذاكرة الجريمة وحلم العدالة".
وما فتئ إدوارد سعيد يؤكد على أن "المنفى يجبر المرء على التفكير فيه، ويا لها من تجربة فظيعة. إنه الشرخ المفروض الذي لا التئام له بين كائن بشري ومكانه الأصلي، بين الذات وموطنها الحقيقي، فلا يمكن البتة التغلب على ما يولده من شجن أساسي. وإذا ما كان صحيحاً أن الأدب والتاريخ يحفلان بحوادث بطولية ورومانسية ومجيدة، بل وظافرة حدثت في حياة النفي، إلا أن هذه الحوادث لا تعدو أن تكون جهوداً يقصد منها التغلب على أسى الغربة الشّالّ، فمآثر المنفى لا يني يقوّضها فقدانُ شيء ما خلّفه المرء وراءه الى الأبد".
يروي سعيد في مذكراته التي ضمها كتابه "خارج المكان" سيرة عائلته:
ولد أبي في القدس في العام 1895 في حين ترجح أمي انه قد ولد في العام 1893 ولم يخبرني حرفياً بأكثر من عشرة أمور أو أحد عشر أمراً عن ماضيه، وكلها لم تتغير روايته لها أبداً، ولم تكن سوى سلسلة من الكلمات القابلة للتحريض من حالة الى أخرى.
كان أبي في الأربعين حين ولدت، ومع أنني ولدت في القدس وقضينا فيها أوقاتاً متباعدة، إلا أنه لم يقل لي عنها شيئاً سوى أنها تذكره بالموت. وقد أخبرني أن والده كان في مرحلة من مراحل حياته ترجماناً، وقيل إنه بسبب معرفته باللغة الألمانية قد جال بالقيصر ويليام في ربوع فلسطين، هذا الرجل الذي مات منذ زمن طويل لم يشر أحد الى اسمه قط، فقد كانت أمي تشير إليه باسم (أبي أسعد)، ولم تكن تعرفه أبداً، فقد كان من آل إبراهيم، ولذلك عرف والدي باسم (وديع إبراهيم). أما انا فحتى هذه اللحظة لا أعرف من أين جاءت كلمة (سعيد) ولا يبدو أنني قادر على تفسير الأمر، بل إن الكتابة عن جدي تبدو لي الآن أشبه بالتعامل مع أشياء مجردة، والشيء الوحيد الذي كان والدي يفضل أن يذكره لي عن هذا الجد، أن ضربات أبيه بالسوط، كانت أشدَ قسوة من ضربات أبي لي، وقد سألته ذات مرة، كيف تحملت الضرب؟ فأجابني ضاحكاً: كنت أهرب معظم الأحيان. أما أنا فلم أكن قادراً على الهروب بل لم أفكر بذلك على الإطلاق.
أما جدتي لأبي فكانت صورتها مبهمة أيضاً، كانت من آل شماس بالولادة، وكان اسمها (حنة) وكما قال لي أبي، فإنها هي التي أقنعته بالعودة من الولايات المتحدة العام 1920 وكان أبي قد غادر فلسطين العام 1911 أقنعته بالعودة لأنها كانت تريده بالقرب منها، لذلك كانت عودة أبي الى المنزل ـ الوطن أمراً، وكان أبي يقول إنه نادم عليه، لكنه كان يقول في الوقت ذاته إن سر نجاحاته في أعماله يعود الى أنه (دار باله) على أمه، وأنها في المقابل كانت تصلي باستمرار كي تتحول الشوارع تحت قدميه الى ذهب، وكانت أمي هي مصدر هذه التفاصيل الجزئية من هذه المعلومات المتعلقة بالسيرة الذاتية، والدرس الأخلاقي، وأعتقد أن والدي هو الذي أخبرها بها من دون أن يذكرها أمامي قط. ومع أنني لم أر شكل جدتي قط، ولم أر صورة واحدة لها.
أنا أعلم بالتأكيد أن أبي ذهب الى مدرسة القديس جورج في القدس، وبرع في كرة القدم والكريكيت وكان من بين لاعبي المدرسة الأحد عشر طوال أعوام متتالية كقلب هجوم وكحارس في اللعبتين على التوالي، وهو لم يصف لنا شيئاً عن تعليمه في مدرسة القديس جورج، سوى أنه اشتهر بمحاورته بالكرة من أول الملعب الى آخره قبل تسجيل الأهداف، ويبدو أن أباه حثه على مغادرة فلسطين هرباً من التجنيد الإلزامي في الجيش العثماني.
محمود درويش: سعيد أحد الآباء
الرمزيين لفلسطين الجديدة
الشاعر الفلسطيني محمود درويش اعتبر أن إدوارد سعيد بمثابة "ضميرنا وسفيرنا الى الوعي الإنساني سئم من الصراع العبثي الطويل مع الموت. لكنه لم يسأم من مقاومة النظام العالمي الجديد، دفاعاً عن العدالة، وعن النزعة الإنسانية، وعن المشترك بين الثقافات والحضارات. كان بطلاً في مراوغة الموت طيلة اثني عشر عاماً بتجديد حياته الإبداعية الخصبة، بالكتابة والموسيقى وتوثيق الإرادة الإنسانية، والبحث الحيوي عن المعنى والجوهر، ووضع المثقف في حيّزه الصارم. لو سُئل الفلسطيني عمّا يتباهى به أمام العالم، لأجاب على الفور: إدوارد سعيد، فلم ينجب التاريخ الثقافي الفلسطيني عبقرية تضاهي إدوارد المتعدّد المتفرّد. ومن الآن، وحتى إشعار آخر بعيد، سيكون له الدور الرياديّ الأول في نقل اسم بلاده الأصلية" من المستوى السياسي الدارج الى: الوعي الثقافي العالمي. لقد أنجَبتهُ فلسطين. ولكنه ـ بوفائه لقيم العدالة المهدورة على أرضها، وبدفاعه عن حق أبنائها في الحياة والحرية ـ أصبح أحد الآباء الرمزيين لفلسطين الجديدة. إن منظوره الى الصراع الدائر فيها هو منظور ثقافي وأخلاقي لا يبرر فقط حق الفلسطينيين في مقاومة الاحتلال، بل يرى إليه باعتباره واجباً وطنياً وإنسانياً أيضاً. كان إدوارد كُلاً لا ينفصل".
ولفت درويش الى توحّد الإنسان والناقد والمفكر والموسيقي والسياسي في ذات إدوارد "من دون أن تشوّش طبيعة كل نشاط من هذه الأنشطة على طبيعة النشاط الآخر. وامتازت شخصيته ذات السطوة العالية بكاريزما حوّلته ظاهرة عالمية فريدة. فنادراً ما يجتمع المثقف والنجم في صورة واحدة، كما اجتمعت في إدوارد سعيد، الأنيق، البليغ، العميق، الشرس، السلس، المفتون بجماليات الحياة واللغة. وفي وداعه الصعب، في وداعه المستعصي على الغياب" يلتقي العالم مع فلسطين عند لحظة نادرة، فلا نعرف الآن من هم أهل الفقيد، لأن عائلته هي العالم. خسارتنا مشتركة، ودموعنا واحدة، لأن إدوارد بضميره الحيّ وموسوعيته الثقافية، قد وضع فلسطين في قلب العالم، ووضع العالم في قلب فلسطين".
وقد أهدى درويش قصيدته الأخيرة "طباق" الى روح المفكر إدوارد سعيد وكانت "المستقبل" انفردت بنشرها عشية إلقائها في مهرجان جرش، وفيها يقول صاحب "لا تعتذر عما فعلت":
"إدوارد يصحو على جرس الفجر
يعزف لحنا لموتسارت
يركض في ملعب التنس الجامعي
يفكر في رحلة الفكر عبر الحدود وفوق الحواجز
يقرأ نيويورك تايمز
يكتب تعليقه المتوتر
يلعن مستشرقا يرسل الجنرال الى نقطة الضعف
في قلب شرقية
يستحمّ
ويختار بذلته بأناقة ديك
ويشرب قهوته بالحليب
ويصرخ في الفجر: لا تتكئ
على الريح يمشي
وفي الريح يعرف من هو
لا سقف للريح
لا بيت للريح
والريح بوصلة لشمال الغريب
يقول:
أنا من هناك
أنا من هنا
ولست هناك ولست هنا
ليَ اسمان يلتقيان ويفترقان
ولي لغتان نسيت بأيهما كنت أحلم
لي لغة إنجليزية للكتابة طيّعة المفردات
ولي لغة من حوار السماء مع القدس
فضية النبر
لكنها لا تطيع مخيلتي
والهوية قلت
قال دفاع عن الذات
إن الهوية بنت الولادة
لكنها في النهاية إبداع صاحبها
لا وراثة ماض
أنا المتعدد
في داخلي خارجي المتجدد
لكنني أنتمي لسؤال الضحية
لو لم أكن من هناك
لدربت قلبي على أن يربي غزال الكناية
فاحمل بلادك أنّى ذهبت
وكن نرجسيَ السلوك
لكي يعرفوك إذا لزم الأمر"
ويرى الناقد البريطاني بول بوفيه في كتابه "إدوارد سعيد ومهمة الناقد" أن تميز سعيد يأتي من جمعه لخصال ثلاث في آن معا تمثل حال وجودها في أي شخص الكينونة الحقيقية للمثقف المسؤول والكوني. هذه الخصال هي الاتساع والعمق في المعرفة، والرصانة التاريخية والأكاديمية، والبعد الأخلاقي والقيمي في الموقف السياسي الذي من دونه لا تقوم الحضارات. وغياب أي من هذه الخصال يحول المثقف الى مجرد موظف عادي أو أكاديمي جاف ينضاف الى جحافل الأكاديميين في طول العالم وعرضه. ويترتب على البعد القيمي في الموقف السياسي رفض منطق القوة والغلبة والتفسير الهوبزوي للعلاقات البشرية، والنضال من أجل "العدالة" كمبدأ إنساني رفيع لا يخضع لمنطق القوة ولا ينحاز لصالحها. وعلى قاعدة "قيمة العدل الإنساني" بين بشر متساويين أطلق إدوارد سعيد مشاريعه الفكرية الكبرى، بدءاً بالكتابات الأولى عن فلسطين "السماء الأخيرة"، ثم العمل المفصلي "الاستشراق" في سبعينات القرن الماضي الذي قلب فيه التصورات الغربية عن الشرق رأسا على عقب، وصولا الى سفره القيم "الثقافة والإمبريالية" العام 1994، ثم انخراطه في كتابات ناقدة للعملية السلمية بين إسرائيل والفلسطينيين باعتبارها تدوس على منطق "العدل" وتغلب سرديات المنتصر، وليس انتهاء بتسطير سيرته الذاتيه الغنية بالتصوير ذي الأبعاد المختلفة لحياة فردية تنعكس فيها تحولات منطقة بأسرها، وخروجها من زمن ودخولها في آخر.
وبعد 25 سنة على صدوره كتابه "الاستشراق" كتب إدوارد سعيد تمهيدا جديدا للكتاب نشره قبل نحو شهر من رحيله، قال فيه:
أما "الاستشراق" فقد كان وثيق الارتباط بتاريخنا العاصف في العقود الأخيرة، الذي يبدو أنه يمتد الى ما لا نهاية. وتبدأ الصفحة الأولى من الكتاب بوصف للحرب الأهلية اللبنانية في 1975 التي تواصلت الى 1990، لكن العنف وسفك الدماء يستمران الى هذه اللحظة. ثم شهدنا فشل عملية أوسلو وانطلاق الانتفاضة الثانية، وعذاب الفلسطينيين في الضفة الغربية وغزة وإعادة احتلالهما من قبل إسرائيل. ثم ظاهرة التفجيرات الانتحارية والخراب الرهيب الذي أحدثته، وصولا الى أحداث 11 أيلول (سبتمبر) 2001 البشعة، والحرب على أفغانستان والعراق بنتيجتها. وها أنا أكتب هذه السطور مع استمرار الاحتلال الإمبريالي اللاشرعي للعراق من قبل الولايات المتحدة وبريطانيا، الذي قد يتناهى الى كوارث تصعب على التصور.
إن هناك من يرى في كل هذا مظاهر صدام دائم لا حلّ له بين الحضارات. لكنني لا أعتقد ذلك. كان بودي القول أن في الولايات المتحدة الآن فهماً أفضل للشرق الأوسط والعرب والمسلمين، لكن المؤسف أن الأمر ليس كذلك. الوضع في أوروبا يبدو أفضل، ولأسباب عديدة، إلا أن الموقف في أميركا يستمر على التحجر وتزايد انتشار التعميمات المهينة والكليشيهات الانتصارية ضد "الآخر"، سواء كان الأجنبي عموماً أو المعارض الداخلي. ولعل السماح بنهب وإحراق المتاحف والمكتبات في بغداد كان "المعادل الموضوعي" الأوضح لهذه الروحية. إن ما لا يستطيع قادتنا فهمه، كما يبدو، هو استحالة إزالة التاريخ أو مسحه مثل مسح السبورة لكي نستطيع بعد ذلك تسطير المستقبل الذي نريد عليها وفرض أنماط حياتنا على بشر نعتبرهم أقل قيمة. ونسمع دوما من كبار المسؤولين في واشنطن وغيرها عن تغيير خريطة الشرق الأوسط، وكأن المجتمعات القديمة هناك وكل ما فيها من البشر مجرد قطع من الحجارة يمكن رصفها بهذا الشكل أو ذاك حسب ما نريد. لقد حصل هذا أحياناً كثيرة لما يسمونه "الشرق"، ذلك الكيان المصطنع فكرياً في شكل شبه أسطوري، الذي أعاد الغرب تشكيله مراراً كما يحلو له منذ غزو نابليون لمصر أواخر القرن الثامن عشر. وتم كل مرة في تلك العملية إغفال أو جرف ذلك التنوع اللامتناهي في تواريخ المنطقة وثقافاتها ولغاتها، لكي يغدو كل منها شظايا متناثرة لا معنى لها، مثل بقايا من كنوز تاريخ العراق التي هُرّبت من بغداد.
بعد 25 سنة على صدور "الاستشراق" يعود السؤال عما اذا كان عصرنا الحديث قد شهد نهاية الإمبريالية، أم انها مستمرة في الشرق منذ غزو نابليون لمصر قبل قرنين. وقد قيل للعرب والمسلمين دوما إن نفسية الضحية والتركيز على مساوئ الإمبريالية يشكل نوعا من التهرب من المسؤولية عن أوضاعهم الحالية. انها مقولة المستشرقين الدائمة: "لقد فشلتم. لقد أضعتم طريقكم!". وهذه بالطبع هي مساهمة في. إس. نايبول في مجال الأدب: ضحايا الإمبريالية يكتفون بالبكاء والعويل فيما تصل الأوضاع في بلادهم الى الحضيض. لكن يا لسطحية هذا الموقف، الذي لا يريد مواجهة تواصل تأثيرات الإمبريالية عبر السنين على حياة أناس مثل الفلسطينيين أو الكونغوليين أو الجزائريين أو العراقيين. لننظر الى الخط الذي بدأ باحتلال نابليون لمصر واستمر بظهور علم الاستشراق، ثم الاستحواذ على شمال أفريقيا، وتواصل مع المشاريع الاستعمارية في فيتنام ومصر وفلسطين، ثم مع الصراع على النفط والسيطرة الاستراتيجية في الخليج والعراق وسورية وفلسطين وأفغانستان. لننظر أيضا الى تصاعد الحركات القومية المناهضة للإمبريالية، وبعدها مرحلة التحرر القصيرة ثم مرحلة الانقلابات العسكرية والثورات والحروب الأهلية والتعصب الديني والردود اللا عقلانية على تحديات العصر، وفي المقابل الهجمات التي لا تعرف الرحمة على أجيال جديدة من "السكان المحليين". وكل من هذه المراحل ينتج معرفته المشوهة بالآخر، والتنميط التبسيطي المهين له، والحجج السياسية المتحذلقة ضده.
فكرتي في "الاستشراق" كانت استعمال النقد المستمد من التوجه الانساني لفتح مجالات جديدة للصراع وتقديم سياق متواصل من التفكير والتحليل، بدلاً من ردود الفعل الآنية الغاضية التي تقيّد تفكيرنا. وقد أطلقت صفة "الانسانية" على هذا التوجه، وأواصل استعمالها بعناد على الرغم من استهجانها من قبل الناقدين الما بعد حداثيين.
أقصد بـ"الانسانية" في الدرجة الأولى كل محاولات فك ما وصفه الشاعر الانكليزي وليام بليك بـ"الأغلال التي يصنعها الذهن" للتمكن من استعمال العقل في شكل تاريخي عقلاني، وصولاً الى فهم تأملي. إضافة الى ذلك فإن النظرة الإنسانية هذه تتغذى من حسّها الجمعي المتمثل في ارتباطها بالباحثين الآخرين والمجتمعات والمراحل التاريخية الأخرى ـ بحيث لا يمكن القول أن هناك باحثاً إنسانياً منعزلاً.
أخيراً، وهو الأهم، التوجه الإنساني هو خط المقاومة الوحيد، بل الأخير، لنا ضد الممارسات اللاإنسانية والمظالم الذي تشوه التاريخ. ولا شك أن ما يدعمنا اليوم هو عالم الإنترنت الديموقراطي المفتوح لكل المستعملين، في شكل لم تحلم به من قبل أجيال الطغاة أو المتزمتين. ولولا هذا العالم لم تكن هناك الموجة الكبرى من الاحتجاج على الحرب على العراق من قبل تلك المجاميع البديلة في كل مكان، التي تركز على حقوق الإنسان والبيئة وقضايا التحرر عموماً، واعتمدت من أجل المعلومات والاتصال على هذه الوسيلة الحديثة.
وفي غمرة توجهه الإنساني ذي المعاني الرمزية راح إدوارد يوصي أسرته وأصدقاءه أن يحرقوا رفاته وينثروه من على جبل في لبنان مطل على فلسطين على وقع موسيقى عزفها أحد أبنائه. وكان سعيد قبل ذلك عزّز الطاقة الرمزية في كفاحه ضد الاحتلال والظلم والهمجية حين راح يرمي حجراً نحو جيش الاحتلال الإسرائيلي من خلال بوابة فاطمة في جنوب لبنان الذي حررته المقاومة اللبنانية. وقد جلب ذلك الحادث هجوماً مستعراً ضد سعيد الذي ظل يوصف بأنه "بروفيسور الإرهاب".
وإذا كانت السيمفونية التاسعة، كما أورد سعيد على لسان فاغنر، تتحدى صمت النهاية، فإن منجزات المفكر الفلسطيني تتحدى غيابه الفيزيائي وتطل شاهقة بروحها الإنسانية ولسانها الكوني، وقدرتها على إثارة جدل لا ينتهي.