جريدة الجرائد

وحيد عبدالمجيد: بوش وبن لادن.. اعتماد متبادل!

قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

من الطبيعي أن تحتل قضية "الإرهاب" مكاناً متميزاً في حملة الانتخابات الأميركية. لم تعد هذه قضية خارجية بعد أن ضرب "الإرهاب" قلب الولايات المتحدة في سبتمبر 2001. وبالرغم من أن أداء إدارة بوش بشأنها ينطوي على قصور يصعب إخفاؤه، فهو يسعى إلى توظيفها لمصلحته في السباق الانتخابي الذي يدخل مرحلته النهائية بإجراء المناظرة الأولى بين المرشحين الرئيسيين اليوم في فلوريدا.
فالرسالة السياسية التي يطرحها بوش في حملته بسيطة وواضحة انتخابياً، لأنها موجهة إلى ناخبين يقف سوادهم الأعظم عند سطح القضايا الكبرى ولا ينفذون إلى عمقها. ومؤدى هذه الرسالة هو أن على أميركا أن تحارب "الإرهاب" في الخارج بدلاً من أن تنتظره ليضربها مرة أخرى في الداخل. وهي تبرر الخسائر البشرية المتزايدة في العراق بأنها تضحية ضرورية أقل بكثير من الثمن الذي سيدفعه الأميركيون إذا عزفوا عن الذهاب إلى "الإرهاب" في معاقله وتركوه يأتي إليهم مجدداً. وهذا طرح مقنع للمواطن العادي الذي لا يخضعه للتفكير والتحليل والنقد. ولذلك تبين أن رهان كيري على ازدياد الخسائر البشرية الأميركية في العراق لم ينفعه، بخلاف ما قد يبدو للوهلة الأولى، وعلى غير ما صدر عن بعض أركان الإدارة الأميركية في منتصف الشهر الجاري. فعندما حدث تصعيد في العمليات المسلحة في العراق في ذلك الوقت، فسره بعض المسؤولين في واشنطن بأنه يستهدف إضعاف موقف بوش الانتخابي. وربما يكون هذا هو ما أراده، ويريده، أنصار ووكلاء "بن لادن" في العراق وعلى رأسهم "أبو مصعب الزرقاوي". ولكن الواقع هو أنهم يدعمون فرص بوش في الفوز، ولا يضعفونها لأن فريقه نجح في خلق اعتقاد لدى قطاع يعتد به من الناخبين مؤداه أن بوش هو رمز أميركا في "الحرب على الإرهاب"، وأن هزيمته تعني خسارة هذه الحرب، خصوصاً أن المرشح المنافس يؤيد مواصلتها ولا يطرح بديلاً عنها. ولم يكن إعلان مسؤولين في إدارة بوش أن تصعيد العنف في العراق يستهدف إضعافه انتخابياً إلا محاولة لاستدرار عطف مزيد من الناخبين الأميركيين ليقفوا مع المرشح الذي يواجه أعداءهم. فالأجواء السائدة في الحملة الانتخابية الرئاسية الأميركية تجعل تصعيد العنف ورقة في مصلحة بوش بشرطين: أولهما إذا ظل معدل الخسائر البشرية في العراق على حاله، وهو نحو قتيلين في اليوم (حوالي ألف في عام ونصف العام، وتحديداً في 520 يوماً). وثانيهما إذا لم تتمكن أي من الخلايا النائمة ذات الصلة بزعيم "القاعدة" أو المنظمات المرتبطة بها من تنفيذ عمل "إرهابي" كبير آخر في داخل الولايات المتحدة في أي وقت من الآن وحتى الثاني من نوفمبر المقبل. وإذا صح هذا الاستنتاج فهو يقود إلى أن "الإرهاب" يعمل في مصلحة بوش، وأن "بن لادن" و"الظواهري" و"الزرقاوي" هم أبرز أركان حملته الانتخابية.

وفي المقابل، ما زال هؤلاء وزملاؤهم وأتباعهم يشغلون العالم ويؤرقونه بعد أكثر من ثلاث سنوات على الهجمات التي استهدفت واشنطن ونيويورك. أسماؤهم معروفة لكل أميركي ربما على سبيل الحصر، ولغالبية ساحقة من الناس في العالم الغربي ولكثير منهم في باقي أنحاء العالم. ويمكن أن نجد أميركيين وأوروبيين يعرفون اسم "بن لادن" أو "الظواهري" وصورتهما جيداً، فيما لا يعرف بعضهم من هو رئيس مصر أو سوريا أو عاهل السعودية أو الأردن.

فقد نجح أمراء "الإرهاب" ليس فقط في خطف الإسلام والإساءة إليه، ولكن أيضاً في انتزاع الحديث باسم العالم الإسلامي. فالجهود التي تبذلها دول ومنظمات وشخصيات عربية ومسلمة لفك ارتباط هؤلاء بالإسلام وبلاده وشعوبه لم تحقق نتائج حاسمة حتى الآن لأسباب من بينها أن السياسة التي أصر عليها بوش، وما زال، تتيح لهم مواصلة أعمال "الإرهاب" وتصعيدها.

صحيح أن السياسة الأميركية ليست مسؤولة وحدها عن هذا "الإرهاب"، ولكنها تتحمل قدراً معتبراً من المسؤولية في هذه المرحلة تحديداً. فـ"الإرهاب" في أصله نبت داخلي في بلاد عربية وإسلامية لأسباب تتحمل الحكومات ونظم التعليم والحركات الإسلامية والثقافة السائدة المسؤولية الأولى عنها. ولكن السياسة الأميركية ساهمت في دعم هذا "الإرهاب" عندما استخدمته ضد الاحتلال السوفييتي لأفغانستان. وهي تتحمل في المرحلة الراهنة مسؤولية أساسية عن استمراره وتوفير ملاذات آمنة جديدة له في العراق نتيجة الأخطاء التي ارتكبتها عقب انهيار النظام السابق عندما قررت تسريح الجيش النظامي بكامله وبعتاده وتفكيك أجهزة الدولة برمتها.

وقد وفرت هذه الأخطاء لجماعات "الإرهاب" المرتبطة بشبكة "القاعدة" والمنظمات ذات الصلة بها فرصة تاريخية لبناء قواعد ارتكاز بديلة عن تلك التي فقدتها في أفغانستان. والأهم من ذلك أن العمليات المسلحة التي تشنها هذه الجماعات تحظى بتأييد يعتد به في أوساط الرأي العام العربي والمسلم الذي يرزح تحت وطأة شعور قاس بالفشل والإحباط واليأس يدفعه إلى قبول أعمال يتسم بعضها بهمجية بشعة. فقد باتت السياسة الأميركية مكروهة إلى حد قبول أي عمل ضدها أياً كان طابعه ومنفذه. وكلما انتشرت هذه الكراهية، ووجد "بن لادن" وأنصاره فرصاً إضافية، لمواصلة وتصعيد ممارساتهم، مثلما يستند بوش إلى هذه الممارسات في حملته الانتخابية سعياً للفوز بفترة رئاسة ثانية. وستظل هذه المعادلة مستمرة حتى في حالة خسارة بوش إذا واصل كيري سياسته التي لم يطرح بديلاً حقيقياً عنها حتى الآن، وإذا وقع "بن لادن" في قبضة القوات الأميركية. فما بوش وبن لادن هنا، إلا رمزين لمنهجين حدث اعتماد متبادل بينهما. إنها الفائدة المتبادلة التي يجنيها كل من قادة "الإرهاب" وعلى رأسهم أسامة بن لادن صاحب "نظرية الفسطاطين" وقادة المحافظين الجدد الأميركيين ورئيسهم صاحب فكرة "الحرب على الإرهاب". ومثلما يبدو "بن لادن" كمدير كفؤ في فريق حملة بوش الانتخابية وأكثرهم نشاطاً في جلب الأصوات لمصلحته، يظهر بوش كما لو أنه عنصر مؤثر ضمن أبرز رجال "بن لادن" المكلفين بتجنيد أعضاء جدد في "القاعدة" والمنظمات المرتبطة بها. وهكذا فممارسات "بن لادن" وأنصاره تخلق ظروفاً تساعد على وضع بطاقات الانتخاب في صناديق الاقتراع الأميركية لمصلحة المرشح الجمهوري، وسياسة بوش توجد الأجواء الملائمة لاستمرار وتصعيد هذه الممارسات.

فلا تصعيد "الإرهاب" هو الذي يمكن أن يضعف بوش وفريقه، ولا توجيه مزيد من الضربات ضده يضعف "بن لادن" وزمرته. ولذلك يصر كل منهما على أنه "ينتصر". فقبل يوم واحد على الذكرى الثالثة لأحداث 11 سبتمبر، أطل "الظواهري" نائب "بن لادن" على الأمة والعالم عبر شريط مصور جديد ليؤكد أن هزيمة أميركا ليست إلا مسألة وقت، وأن المجاهدين قلبوا خططها رأساً على عقب، وأن النصر على "فسطاط الكفر" بوجه عام و"هبل العصر" بشكل خاص أصبح وشيكاً. بدا نائب بن لادن كما لو أنه يحتفل بـ"عيد النصر" الوهمي، ووجد من يصدقه في العالم العربي والإسلامي بالمخالفة للحقائق التي تقول إن هذا العالم لم يواجه في تاريخه محنة في مستوى تلك التي يمر بها الآن بسبب "غزوتي" واشنطن ونيويورك وتداعياتهما. فقد بات كل عربي ومسلم، في نظر معظم العالم، مشكوكاً في أنه إرهابي إلى أن يثبت عكس ذلك. وأصبح في إمكان المتعصبين، في الغرب وغيره من مناطق العالم، أن يجدوا ما يتذرعون به ويصدقهم آخرون للطعن في الإسلام وتاريخه وحضارته. ودخلت قضية فلسطين، منذ هاتين "الغزوتين"، في أصعب مرحلة في تاريخها بعد أن قدم "بن لادن" إلى أرييل شارون أخطر سلاح ضدها، وهو الخلط بين المقاومة الوطنية والإرهاب.

وفي المقابل، أعاد بوش في الذكرى نفسها تأكيد أن الخيار الوحيد أمام واشنطن هو الاستمرار في "حمل السلاح وشق طريق الحرية" متوعداً بمطاردة "الإرهابيين" في جميع أنحاء العالم دون هوادة، ومذكراً بأن الحرب عليهم تمتد من جبال أفغانستان وجزر الفيليبين إلى قلب الشرق الأوسط والقرن الأفريقي، ومؤكداً ن النصر على "الإرهاب" حتمي. ولكن كان وزير خارجيته "كولن باول" أكثر استعجالاً لإعلان هذا النصر، إذ زف إلى العالم عبر إحدى وكالات الأنباء نبأ تشرذم قيادة "القاعدة"، وإن لم يستطع إنكار قدرتها على توليد قيادة جديدة قال إن خبرتها ومهارتها أقل. ولكنه لم يقر بأن سياسة بوش هي خير معاون على توليد هذه القيادة وتجنيد مزيد من الأعضاء لاعتمادها على القوة العسكرية بمنأى عن القوة الأخلاقية والمعنوية التي يمكن أن تكتسبها حرب على "الإرهاب" تنتصر للشرعية الدولية كاملة غير منقوصة وفق معيار واحد وليس أكثر من معيار. فإذا كان "الإرهاب" خروجاً على هذه الشرعية، فالاحتلال الإسرائيلي هو بدوره انتهاك لها. ولو كانت الحرب على "الإرهاب" اقترنت بحل عادل أو حتى شبه عادل لقضية فلسطين لاختلف الوضع الآن كثيراً، ولما صار "الإرهابي" ومحارب "الإرهاب" يتبادلان الدعم في شكل غير مباشر ويزعم كل منهما أن النصر حليفه.

والمثير للانتباه أن بوش تطرق في حديثه إلى هذا المعنى دون أن يقصد محتواه الحقيقي، عندما تحدث عن أن منح شعوب الشرق الأوسط أملاً جديداً وحياة فيها كرامة سيؤدي إلى تخليهم عن الكراهية ومشاعر الاستياء القوية ولن يجد "الإرهابيون" من يجندونهم. ولكنه لم يعْن بذلك إلا تسويق شعارات الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان المتضمنة في مشروع الشرق الأوسط الموسع.

لقد حرص بوش على التذكير بأن هجمات 11 سبتمبر كانت نقطة تحول بالنسبة إلى الولايات المتحدة. ولكنه لم يتطرق إلى تداعيات هذا التحول كما تبدو اليوم، بعد ثلاث سنوات، إذ تخسر أميركا في كل يوم بعضاً من روحها وقيمها التاريخية ولا تجني إلا المزيد من الكراهية.

وإذا كان حديث "الظواهري" عن النصر الوشيك على "فسطاط الكفر" يبدو أقرب إلى كوميديا سوداء معتادة في قسم كبير من الخطاب السياسي العربي والإسلامي، فحديث بوش عن النصر الحتمي ليس أكثر من خطاب انتخابي. فالانتخابات هي التي تقع في بؤرة اهتمامه وتركيزه الآن. وهو يستطيع أن يحقق الفوز فيها عبر استغلال ممارسات "الإرهاب لمصلحته"، ولكنه لا يبدو قادراً بسياسته الراهنة على إنجاز النصر الذي يعد به على "الإرهاب".

فإذا كان انتصار "الإرهاب مستحيلاً"، فالانتصار على "الإرهاب" ليس ممكناً بسبب سياسة بوش التي تدعمه بما توفره له من فرص لتجنيد المزيد من الشباب الذين يعجزهم ضعف وعيهم ومعرفتهم عن اختيار الطريق الأمثل للتعبير عن بغضهم لتلك السياسة، وهو طريق العلم والتقدم والحرية.

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف