رضوان السيد: كيف ولماذا؟
قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
صارح الثوار الاسلاميون الاميركيون انهم انما يهاجمونهم لأسباب دينية لجهة العلل والدوافع، ولجهة الغايات. ولذلك فقد كانت الاجابات من جانب الانجيليين الجدد، وهم يعدون الآن عشرات الملايين، معالنة الاسلام العداء بعد ان كانوا يغضون الطرف عن ذلك لاضطرارهم للتسليم بالحريات الدينية التي يكفلها الدستور الاميركي، ولانهم اعتادوا على الصراع والتنافس الخفي الذي يخنق فيه الخصم دون ان يطلق عليه النار. هنا تواجه خصما انشأ جبهة لمقاتلة اليهود والصليبيين; وقال ان العالم فسطاطان، وباعتباره زعيم فسطاط الايمان، فهو مكلف بمهاجمة فسطاط الكفر. فبادله الانجيليون الجدد هؤلاء التحية بمثلها. وصدرت نشرات بملايين النسخ عن سوء الاسلام وشروره، وعن اقتراب نهايته بمجيء المسيح او عودته، التي ستتحول ضد المسلمين بدلا من ان تكون ضد اليهود. اما الجانب الآخر من فعل الانجيليين وردة فعلهم فتتعلق بالاقبال على التبشير القوي في اوساط المسلمين بالولايات المتحدة، وبلدان افريقيا وآسيا. والتبشير الثري هذا لا يقتصر على المسلمين على اي حال، فقد انتزع الانجيليون من الكنيسة الكاثوليكية عشرات ملايين الاعضاء في اميركا اللاتينية والوسطى، وفي شرق اوروبا ووسطها، وفي افريقيا. اما الامر الثالث الذي تغير لهذه الجهة فهو الموقف العالمي للدولة الاميركية وللنظام الاميركي من الاسلام والمسلمين.
صحيح ان ادارة بوش بذلت جهودا لا بأس بها لاظهار ان الحرب انما هي ضد المتطرفين وليس ضد الدين الاسلامي او المسلمين العاديين في الولايات المتحدة وخارجها. لكن قوة الانجيليين الجدد لا تقتصر على الاوساط الشعبية بل تصل الى الادارة والى سياساتها الخارجية. وهكذا رافق الانجيليون الولايات المتحدة في ذهابها للوساطة لصالح جون قرنق في جنوب السودان، كما رافقوا جيوشها في غزو العراق.
في السودان دعموا ويدعمون اقامة دولة مسيحية مستقلة، وفي العراق اقبلوا على تبشير المسلمين رجاء اجتذاب الكثيرين في الظروف الصعبة التي يعانون منها. وفي ظل قانون «الحريات الدينية» الصادر ايام كلينتون، تصدر وزارة الخارجية الاميركية تقريرا سنويا عن «الحريات الدينية» في العالم، تنصب ملاحظاته في اكثر الاحيان على ما تعتبره انتهاكا لتلك الحريات في البلدان العربية والاسلامية، ومن ضمن تلك «الانتهاكات» التعرض للبعثات الانجيلية. والتعرض لحريات المرأة باسم الدين.
على ان ابرز التحديات التي واجهت الاسلام وتواجهه بعد احداث سبتمبر، تتصل بالاجواء الاكاديمية، وتبلور تيار «علمي» مناهض للدين الاسلامي، والثقافة الاسلامية، وانسانية المسلمين، في الاوساط اليمينية شبه الاكاديمية. وأول اتجاهات هذا التيار هو اتجاه «المستشرقين الجدد» الذين يسمون انفسهم: المراجعين، وهم يعنون بذلك اعادة النظر في الموروث الاستشراقي على مدى المائتي عام الماضية، وبخاصة التيار التاريخي او المدرسة الفيلولوجية، التي سادت في الاستشراق لقرابة المائة عام. ويذهب هؤلاء الى ان الاسلام والقرآن غامضا النشأة، وهما بمثابة انشقاق عن اليهودية والنصرانية، وان القرآن لم يدون ويقونن قبل منتصف القرن الثامن الميلادي، وان الذي حول الاسلام الى دين، انما كانت الفتوحات. ولهذا يتأصل العنف في الاسلام بسبب قيامه على الحرب، كما يظهر في القرآن. وقد تبنى نتائج هذه النظرة دون مقدماتها المستشرق المعروف برنارد لويس، الذي يقول بتركز العنف في الاسلام العربي على الخصوص، بسبب تكرر ظهور تيارات الطهورية والاحياء فيه على مدى العصور. وبحسب تقارير صحافية من مصادر متعددة، فان المحافظين الجدد بوزارة الدفاع (ولفويتز وفايث) مكنا لويس من مقابلة الرئيس بوش بعد ان قرأ الاخير كتابه: كيف حدث الخلل؟ الصادر قبل احداث سبتمبر مباشرة. وفي المقابلة حث لويس الرئيس على غزو العراق، بحجة ان العرب لا يفهمون غير لغة القوة! وقد قام تلامذة لويس المتطرفون بنشر عدة كتب بعد احداث سبتمبر حول التطرف الاسلامي، اتخذت ثلاثة مناح; التأكيد على ضرورة التحالف مع اسرائيل لصد الخطر الاصولي العربي والاسلامي، والتشكيك في ولاء العرب والمسلمين في الولايات المتحدة للدولة الاميركية وللقوانين الاميركية، لتغلغل الاصولية في اوساطهم من جهة، ولغربتهم عن قيم وممارسات الحضارة اليهودية ـ المسيحية التي تسود في الولايات المتحدة بالذات. ومهاجمة الدراسات الاسلامية ودراسات الشرق الاوسط في الجامعات الاميركية، بحجة ان راديكاليين معادين للمصالح الاميركية لوقوعهم تحت تأثير ادوارد سعيد (الخصم الرئيس لبرنارد لويس) سيطروا عليها; فأدى ذلك بهم الى الانهماك في الثناء على الاسلام والعروبة، وادانة تصرفات اسرائيل، بحيث ما انتبهوا الى تجمع العاصفة الاصولية لمهاجمة الولايات المتحدة. ونتيجة لذلك قام احد هؤلاء (دانييل بايبس، الذي عينه الرئيس بوش مديرا لمعهد السلام!) بانشاء موقع على الانترنت سماه «كامبوس ووتش» لمراقبة اساتذة دراسات الشرق الاوسط والاسلام في الجامعات الاميركية، وتقييم كتاباتهم ومحاضراتهم بحيث تجري ادانتهم بسرعة ان ارتكبوا ما قد يسيء الى الولايات المتحدة واسرائيل! وقد كان بايبس وراء الغاء التأشيرة لطارق رمضان، السويسري من اصل مصري، والذي دعي للتدريس باحدى الجامعات الاميركية، بحجة انه متطرف مستتر، ومن انصار «القاعدة» واسامة بن لادن!
أما الخط الآخر الاكاديمي والذي استخدم بعد 11 سبتمبر في تشويه الاسلام باسم العلم; فهو خط التخصص المسمى: انثروبولوجيا الاسلام. ويتخذ احد تفسيرين للاصولية الاسلامية الراهنة; التفسير التأصيلي لإرنست غلنر، والذي يرى ان الاسلام دين نصي، خففت من نصوصيته الحضارة الكبرى التي تأسست عليه; لكنه في الازمات يعود لطابعه الاصلي. والى برنارد لويس وتأصيلية غلنر رجع هنتنغتون في اطروحته: صدام الحضارات (1993 ـ 1996). والتفسير او التأويل الآخر، هو التأويل الانقسامي الذي قال به كليفورد غيرتز. وهو يرى انه ليس للاسلام (شأنه في ذلك شأن سائر الاديان الكبرى) جوهر ثابت، ولذلك فعناصره الرئيسية القديمة التي توهم بوحدة مستمرة انما تستخدم بطرائق رمزية; في حين يختلف الاسلام اختلافا شاسعا من بلد لآخر في ما بين المغرب واندونيسيا. وقد ضربت الحداثة والعولمة سائر الاديان. ولأن الاسلام السني لا يملك آليات داخلية قوية للانضباط; فانه بسبب تشرذمه وتحطم جماعاته في الحقبة المعاصرة يمكن ان يشكل خطرا على الاستقرار في العالم. ويسود هذان التأويلان (الانثروبولوجيان) للاسلام في اوساط الاكاديميين الشبان، وهما لا يستخدمان بطرائق سلبية في كل حين. لكن باحثي اليمين من الاوروبيين والاميركيين، يستخدمون بكثافة، احد التفسيرين الانثروبولوجيين في فهم ظواهر الاسلام المعاصر. وتحير الجميع اخيرا، وبينهم معادون للاسلام غير معادين، مسألتان: الهجمات الانتحارية، حيث يبدو الشبان غير مهتمين اطلاقا بالحفاظ على حياتهم واحتجاز رهائن وقتلهم علنا وبطرائق فاضحة، في حين كان معروفا عن «الثوريين الآخرين الحرص على الظهور بمظهر من لا يريد المساس بالمدنيين».
كانت احداث 11 سبتمبر عام 2001 سببا في انعطاف حاد في رؤية الاسلام والمسلمين على المستويين: الشعبي العام، والاكاديمي. وقد تتفاقم التداعيات مع استمرار الصدام بين الاصوليتين: الإسلامية والغربية، ولله الامر من قبل ومن بعد.
* مفكر لبناني
التعليقات
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف