نبيل حداد: دور النقاد الأردنيين محدود
قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
ورغم انشغالاته العلمية والاكاديمية اولى حداد الرواية والقصة القصيرة في الاردن عناية خاصة، فكان النقد مساحته الضاربة في الجذور بحثا عن البئر العميقة التي تتباطن فيها اسرار وعوالم السرد الروائي.
حول تجربته النقدية ومعالجته للنص السردي ورؤيته للمشهد النقدي في الاردن كان هذا الحوار:
؟ أنت واحد من ابرز النقاد الذين اهتموا بالرواية الاردنية الى جانب الرواية العربية، رغم انشغالاتك الاكاديمية، بالاضافة الى هذا الجانب ما هي اتجاهات الكتابة الاخرى لديك؟
- الكتابة بالنسبة لي هي الفعل الاجدى، ولعلها بالاضافة الى التدريس، العمل الوحيد الذي ربما اتقنه، اثناء الكتابة اواجه الشخص الوحيد الذي استطيع ان اكون معه صريحا وامينا بنسبة مئة في المئة، انه نفسي، وما اروع ان يعايش المرء نفسه، وان تكون المعايشة قائمة على الصدق والفهم.
تسألني عما اكتب خارج اطار النقد، اقول اكتب عن اي شيء احس به، لا يهمني الموضوع بقدر ما يهمني الاحساس به، صدق الاحساس.
اكتب المقالة الصحفية ولا يهمني الموضوع، فقد اكتب عن جريمة الغزو الاميركي للعراق، وقد اكتب عن فريد الاطرش، وقديما كتبت عن تحية كاريوكا، او عن اي هم ثقافي او اجتماعي او سياسي، المهم ان اكتب شيئا ذا قيمة فكرية (كما ارتئيها بطبيعة الحال) وهذه القيمة لا احوز عليها ولا استطيع ان اعبر عنها بجلاء، الا اذا «ملكت عليّ اقطار نفسي» كما كانوا يقولون لنا في حقبة الانشاء ونحن تلامذة.
ان هذا يعني بكل بساطة توافر عنصري الصدق الفني والصدق الواقعي، واحمد الله ان تجربتي في كتابة المقالة تلاقي من الصدى الايجابي ما يعوضني عناء المكابدة في الكتابة، انه صدى يأتيني من مختلف الناس ومستوياتهم، ذلك انني ازعم انني اكتب «مقالة صحفية» بما يعنيه التعبير من مفاهيم وشروط، وهي قضية ادعو القائمين على الصحافة الادبية الى الالتفات نحوها، ليهتموا بالجانب الصحفي بمثل ما يهتمون بالجانب الادبي وهم يقدمون موادهم الى قارئهم المحلي والعربي، ولا اعني الجانب الاخراجي فحسب، بل الجانب التحريري بشروطه التي لا مجال للخوض فيها الآن.
؟ يرى كثيرون ان العلاقة القائمة بين الناقد والابداع المحلي تكاد تكون علاقة متوترة، فكيف تقيم هذه العلاقة؟
- لا افهم تعبير «علاقة متوترة» ولكني الاحظ شكوى مريرة من بعض المبدعين الجدد حول ما يرونه تجاهلا لتجاربهم، وقد اكون معهم في هذا، وتجربة رمضان الرواشدة في «الحمراوي» تشهد على صحة الشكوى، ولكن الأمر لا يبلغ حسب اعتقادي مستوى الظاهرة.
بيد ان لهذه المسألة وجها آخر ربما تجلى في مواقف بعض الكتاب المخضرمين مما يرونه تجاهلا لاصداراتهم وهنا لا اعمم بل اؤكد ان «بعض» المبدعين باتوا ينظرون الى المسألة وكأن على النقاد فرضا ما بتتبع جهودهم عملا عملا، وربما كان هذا مشروعا او حتى مفهوما، ولكن هذا «البعض» بات ينتظر من النقاد ما هو اكثر: ان يكتبوا بما يرضى عنه القاص او الروائي او الشاعر، والا تحولت المسألة الى موقف شخصي، ومع ان خصومي من المبدعين من القلة بحيث لا تنغص هذه المسألة حياتي، فانني اعيشها والاحظها من خلال بعض المظاهر السلوكية للاسف.. على ان الذي يدعو للاطمئنان ان هذه الظاهرة لا تتصل بمبدعينا الكبار، من قريب او من بعيد.
؟ الالتفات الى النص الغائب والنص الشبيه في السرد الروائي يكاد يؤشر بوضوح على المعالجة النقدية التوفيقية بين الاحداث للوصول الى هذه النصوص، الى اي مدى استطاع د. نبيل حداد الكشف عنها؟
- من الضروري ان يكشف الناقد عن علاقة العمل الادبي بمتلقيه، لا من خلال تحليل عناصره او كشف برامجه السردية فحسب، بل من خلال جعل النص معينا لنا على فهم الواقع الذي نعيش. لا اتحدث عن ليّ اعناق النصوص او اذرعها للوصول الى المفاهيم التي لا يحملها العمل، بل اشير الى ادوات تكشف بطواعية ومنطق نقدي عن آفاق العمل ومستوياته الفكرية ورسائله الجمالية، ليس شرطا مثلا ان يتحدث القاص او الروائي عن السياسة لنقول انها موجودة بشكل مباشر في هذا العمل او ذاك، بل هناك - كما تقول - معالجة نقدية توفيقية بين الاحداث للوصول الى جوهر النص، واحيانا تكون هذه المعالجة التوفيقية لا بين احداث العمل فحسب، بل بين العمل وواقعه.
هل نحتاج الى جهد كبير لندرك ان رواية «ثرثرة فوق النيل» مثلا عمل سياسي من اوله لآخره؟ هل نحتاج الى جهد كبير لنكتشف العلاقة بين العوامة التي تهتز لادنى حركة تدب فوقها وبين الوطن الذي كان مهددا في «الخارج» قبل انزلاق العوامة على غير هدى في «الداخل»، ذلك ان الرواية سبقت هزيمة حزيران ببضعة اشهر؟
العمل الادبي يمثل افضل المقاربات الاجتماعية او السياسية او غير ذلك للواقع، او لنقل لروح العصر التي تشمل اللحظة وما تمثله الآن، وما تقوم عليه من موروث، والاهم ما تؤشر اليه من مستقبل، اريد ان احيل فقط الى قصيدة الاديب العربي العظيم عبدالرحمن الشرقاوي التي كتبها قبل اكثر من 54 عاما بعنوان «رسالة الى الرئيس الاميركي» آنذاك لنلاحظ اليوم انه يوجه كلامه بالحرف للرئيس الاميركي الحالي. ليست مهمة العمل اذن ان يفسر الواقع او يسجله او حتى يصوره فحسب، بل مهمته الخالدة ان يعيننا على فهمه وتحمله والتعامل معه.
؟ المحمول اللغوي في السرد هو انفتاح ثانوي على جملة المعطيات التي تشكل البناء الروائي، كيف تنظر الى لغة الرواية الحديثة في الاردن؟
- الحداثة سلاح ذو حدين، صحيح انها تنطوي على الاستجابة لمعطيات العصر واستحقاقاته، ولكن هذه الاستجابة اذا تمت دون احتراف فني ودون غايات استاطيقية (وأنا لا اتحدث عن نظرية القصد التي عفا عليها الزمن) فانها ستقود فنون الدراما الى ما قادت الشعر اليه من حيث تعقيد العلاقة مع المتلقي، او الى الارستقراطية الفنية التي ما نزال في غنى عنها، هذا مع الفارق بين الارستقراطية الاجتماعية بتجلي ملامحها مهما كانت بغيضة، والارستقراطية الفنية بضبابية ابعادها وتعسر سبلها مهما كانت حميمة.
بداية دعني اعترض (وعذرا على فجاجة الكلمة) على تعبير «رواية حديثة» فالرواية الحديثة في ادبنا العربي هي الرواية التي بدأت بـ «زينب» وما تزال مسيرتها ممتدة الى يومنا هذا لعلك تقصد الرواية الحداثية او الجديدة، دعني اقول ان الانجاز الاكبر للرواية الاردنية الحداثية كان في اللغة سواء في قدرتها على تصور الاحاسيس (وليس الحواس فحسب) ام في غناها الشعري، وما يعنيني هو «الشعرية» بمفهومها البلاغي الحديث وليس «الشاعرية» بمفهومها البلاغي التقليدي، ام في القدرة على استحضار دقائق الحياة او التعبير عن روح المرحلة.
لقد ادرك العديد من الروائيين الاردنيين الدور الحقيقي للغة لا على انها وسيلة او اداة سرد فحسب، بل على انها غاية في ذاتها، فكما نستعمل اللغة لتصوير المواقف والمشاعر والاحداث، فان اللغة بدورها تستعمل الاديب او المبدع من خلال طاقاتها المختزنة عبر موروثات تمتد - بالنسبة للغة العربية تحديدا - لالاف السنين.
اجل، موروثات حضارية وثقافية وفنية وفكرية ودلالاتية وما على الاديب الا ان يسعى الى تفجير هذه الطاقات واستخراجها من منبتها الانساني الشعوري، ويترك لموهبته حرية التفاعل لنرى ان اللغة تعطي بقدر ما تأخذ، على الاديب ان يتخلص اولا من ذلك التصور المقيت الذي يحصر دور اللغة بوصفها اداة تعبير، اللغة في الدراما ليست اداة، بل هي خلق في ذاته، وفي هذا الصدد اشير الى الانجاز الكبير الذي حققته لغة غالب هلسا ببساطتها، ولغة مؤنس الرزاز بتلقائيتها، ولغة سميحة خريس في «القرمية» تحديدا لغناها الشعري والاسطوري الذي يتسق وطبيعة المضمون.. لا ضرورة للاستطراد فلدينا شواهد عديدة عن روائيين اردنيين كبار تشي بانجازات مرموقة في مستوى اللغة.
؟ ما هي الاسباب وراء قلة الدراسات الاكاديمية في الادب الاردني؟
- دعني اعرب عن دهشتي حول هذا السؤال، فثمة سيل لا ينقطع من الجهود الاكاديمية حول الحركة الادبية في الاردن، بل ان بعض هذه الجهود قد بالغ في توجهه هذا، فعقد دراسة في مستوى رسالة ماجستير حول اديب او اديبة اردنية لم يكتب سوى عملين او ثلاثة، وكان من الممكن قول الكلمة النهائية في صاحب هذه التجربة بجهد لا يجاوز مقالة او دراسة ينبغي ان تحدد حجم الدراسة او مستواها، ولكنني اقصد المستوى الفني للجهود التي ألمحت اليها سابقا.
اذا ذكرنا الجهود الاكاديمية حول الادب في الاردن، فمن الضروري ان نستحضر جهود شيخنا واستاذنا في هذا المجال الدكتور ناصر الدين الاسد، انه الرائد حول هذا الموضوع دون منازع، لقد كتب الاسد اربعة كتب اكاديمية حول الادب في الاردن، او الادب في فلسطين والاردن حسب التسمية التي كانت متداولة ثم توقفت لاسباب عديدة ومفهومة.. اقول ان الاسد انجز اربعة كتب في هذا الموضوع قبل حوالي 40 عاما.. تصور وناهيك من ثم عن جهود الدكتور هاشم ياغي الذي قدم قبل اكثر من 35 عاما سفرا ضخما حول القصة القصيرة في بلادنا، ثم جاءت جهود بعض الاكاديميين الكبار عندنا (واكتفي هنا باستحضار الدكتور عبدالرحمن ياغي) لتفي الموضوع حقه، ولننصف الحركة الادبية المحلية وتقدمها الى العالم، ولا يمكن ان ننسى جهود الزملاء الآخرين في السبعينيات والثمانينيات والتسعينينات وجهودهم في مطلع القرن الحالي، فهي جهود حثيثة وجادة ورصينة ولم تكد تترك ظاهرة او عملا ذا بال الا اولته عنايتها. ولا اريد ان اتورط بالاشارة الى الاسماء، فان جهود هؤلاء الزملاء تتحدث عن نفسها وعنهم، ولا اظن انهم بحاجة الى اشارة عابرة من هذا القبيل.
ذلك من جهة، ومن جهة اخرى هناك المئات من رسائل الماجستير واطروحات الدكتوراة التي تم انجازها في الجامعات الاردنية والعربية والاجنبية حول الادب في الاردن، والكثير من هذه الرسائل والاطروحات وجد طريقه للنشر، في حين ظل جزء كبير منها حبيس ارفف المكتبات والارشيفات، ذلك ان ما يصلح للاجازة لنيل الدرجة، الماجستير او الدكتوراة مثلا، قد لا يستوفي شروط النشر. بيد ان الجهود غير المنشورة، التي لا يعلم عنها سوى بعض المعنيين من لا يجاوز عددهم في الحالة الواحدة عدد اصابع اليدين، تظل مراجع غنية يمكن للباحث العودة اليها والافادة منها في مزيد من الجهود في هذا الاتجاه.
؟ متى تصل الرواية الى العالمية ضمن معطيات عصر التكنولوجيا والسرعة والتقلبات السياسية في هذا العصر؟
- اذا كان سؤالك يعني الرواية العربية بعامة، فانني اقول لك شيئا تعرفه انت ويعرفه كل القراء، ان الرواية العربية بلغت مستوى العالمية، لا مع نوبل نجيب محفوظ او نتيجة لها فحسب، بل بدءا من «الاجنحة المتكسرة» لجبران و«زينب» لحسين هيكل، انهما روايتان ظهرتا كما تعلم قبل نحو من تسعين عاما وكانتا تستكملان شروط الرواية العالمية كما كانت سائدة في القرن التاسع عشر، مع فارق في الدرجة بطبيعة الحال، ومع بعض العيوب التي لا بد ان تصاحب الاعمال الريادية.
بالنسبة لنا في الاردن اقول دون تحفظ ان روائيينا حققوا مكانة مرموقة على المستوى القومي (العربي) على الاقل، بل ان هناك بعض الأعمال التي تلامس بل تستجيب للمستوى العالمي، مرة اخرى ارجو اعفائي من لعبة الاسماء، فهؤلاء معروفون، وتكفي الاشارة الى اعمال غالب هلسا.
اما بالنسبة للعلاقة بين فن الرواية ومعطيات عصر التكنولوجيا فانني ارى ان الامور حتى بالنسبة للرواية العالمية، ما تزال في بدايتها، ويصعب عليّ بصراحة تكوين حكم ما، الجهود التي ظهرت حتى الآن حول «الرواية الرقمية» ما تزال بدورها في بدايتها، ويصعب اصدار حكم حاسم حولها.. لننتظر، ولا بأس من ان نشجع كل مجهود يتساوق وروح العصر ويستجيب لاستحقاقاته. اما اشارتك الى معطيات عصر السرعة، فانها تستحق وقفة سريعة.
لقد بدأ الحديث في الساحة النقدية العربية حول هذا الموضوع بعدما انتشرت قصة المعاناة التي عاشها نجيب محفوظ بسبب نشر «الثلاثية» ذلك ان ناشر نجيب وصديقه الروائي عبدالحميد جودة السحار، واجه صديقه في اوائل الخمسينيات بما دعاه بحقيقة عصر السرعة ومقتضيات هذا العصر التي تفرض عملا ذا ايقاع سريع وحجم صغير او متوسط على الاكثر وفرض على نجيب من ثم «فرط» الرواية واعادة تركيبها من جديد (لا اقول اعاد كتابتها) لتكون في ثلاثة كتب يحمل كل منها عنوانا مستقلا، ولا يشير غلاف الواحد من الاجزاء الى تسلسل ما، وتوقع النقاد ان هذه هي الموجة الكاسحة: الرواية القصيرة وعزز نجيب هذا التوجه بعدد من رواياته متوسطة الحجم او حتى قصيرة الحجم، وساد الاعتقاد ان عصر المطولات الروائية قد ولى، ولكن لم تلبث نهاية الستينيات ومطلع السبعينيات ان حمل تهافت هذا الاعتقاد، فظهر العديد من المطولات الروائية بدءا من ثلاثية محمد ديب، ثم حرافيش نجيب محفوظ نفسه (مع اتساقها بسرعة الايقاع).
ثم جاءت مطولات عبدالرحمن منيف في الثمانينيات والتسعينيات وكذلك مطولة نبيل سليمان «مدارات الشرق» واعمال زياد قاسم، وغير ذلك من اعمال التي بها وبغيرها بطبيعة الحال بدأ الناس يتحدثون عن ديوان العرب الجديد: الرواية، وعن زمن الرواية.
نخلص مما سبق ان للفن قواعده واملاءاته التي لا تنفصل عن الواقع بطبيعة الحال، ولكنها تعلو على العصر وتجاوزه نحو آفاق لا يمكن ان نستوعبها الا من خلال قوانين الاعمال نفسها.
لا اظن ان لعصر السرعة او عصر «البطء» اثرا مباشرا على حجم الاعمال، ولا اظن لما تدعوه بالتقلبات السياسية مثل هذا التأثير، ان التقلبات السياسية والاجتماعية وعصر السرعة او غيره تؤثر اول ما توثر على ايقاع العمل، وربما على بعض القيم التي يحملها، ولا شك ان تجدد الايقاع والقيم يفتح آفاقا سردية جديدة وهذا هو لب «التطور».
؟ اهتمام الناقد د. نبيل حداد يبدو واضحا ومؤثرا في تقصي الرواية الاردنية، هل طاولت قامتها القامة الروائية العربية في المسعى الحداثي، وأين تضعها على خارطة الرواية العربية؟
- اجل اوليت الرواية والقصة في الاردن اهتماما خاصا، بحيث انجزت اربعة كتب في هذا الحقل (حتى الآن)، وكما المحت لك آنفا فان للرواية الاردنية موقعها المحدد الملامح في خريطة الرواية العربية، ولا شك ان المسعى الحداثي الذي بدأه الراحلان غالب هلسا في «الضحك» وتيسير سبول في «انت منذ اليوم» له الفضل الاول في تحقيق المكانة المرموقة التي تحتلها روايتنا المحلية اليوم، اسجل للعديد من الاعمال الروائية عدم تهيبها من المغامرة والاقتحام بحيث يمكن القول ان اهم ما يميز مسيرتنا هنا هو تنوع الاطياف وتعدد الاتجاهات، كما ان روائيينا استخدموا تقنيات متقدمة في السرديات، والتفت العديد منهم الى موقع الراوي واحترموا اطر هذا الموقع على الرغم من انهم كانوا «يلعبون» لعبة في غاية التعقيد من خلال تقنية تعدد الاصوات، وهي التقنية التي سادت بكثافة في الاعمال التي شهدناها في السنوات الخمس الاخيرة.
بايجاز ليس هناك ما يحول دون القول ان الرواية في الاردن تقف على الصف الاول من الانجاز الروائي مع شقيقاتها في الاقطار العربية الاخرى، لكن الملاحظ ان الجهد الروائي عندنا يكاد يتحمله الروائيون فحسب، فعدد الروائيات المبدعات لدينا يكاد يقل عن عدد اصابع اليد الواحدة، وهي ظاهرة ليست موجودة بهذه الحدة في معظم الاقطار الشقيقة، على ان هذا النقص في الروائيات تعوضه لدينا حركة متوهجة في القصة القصيرة التي تكتبها المرأة.
؟ هناك ظاهرة تكاد تكون على قدر كبير من الاهمية، تتمثل في لجوء كثير من الشعراء الى كتابة الرواية، برأيك هل الرواية اكثر قدرة من الشعر على التعامل مع المسكوت عنه في بنية العلاقات المتشابكة في الزمن الحاضر؟
- انها ظاهرة لافتة حقا، فالمعروف ان اقرب الاشكال الى القصيدة هو القصة القصيرة التي تشترك مع الشعر في العديد من العناصر والسمات لعل ابرزها التكثيف والارتهان للحظة شعورية ما ووحدة الانطباع.. الخ.
لا استطيع ان اغامر كثيرا في هذا الموضوع فاقترح التفسيرات والتأويلات التي تثير من الاختلاف باكثر مما تحقق الاتفاق، ومع هذا استطيع ان اقول على استحياء ان الاسباب التي تدفع بعض الشعراء الى كتابة الرواية هي نفسها الاسباب التي تدفع الروائيين من غير الشعراء للكتابة ذلك ان الرواية اقدر الفنون على الاطلاق على استيعاب الهواجس الانسانية وتصويرها بصحة واحاطة، ليس في قولي هذا اي قصد من قريب او بعيد لتفضيل جنس ادبي «او نوع» على آخر، فلا اظن ان احدا يعمل بالنقد يصل الى مثل هذه الدرجة من السذاجة، اقول ادراكا من الشعراء، او معظمهم، ان لم يكونوا كلهم، على وعي بالدور الكبير الذي باتت تحتله الرواية في زمننا الحاضر، او زمنها، وادراكا منهم بقدرة هذا الفن على حمل رسائلهم وتصوراتهم وهواجسهم كان اللوذ بهذا الجنس الادبي مسألة طبيعية.
على ان المسألة لا تخلو من مخاطرة، ان بعض الاعمال الروائية التي كتبها روائيون اشتهروا شعراء في مراحلهم الاولى يغلب عليها الطابع الشعري، ولا بأس في الشعرية، ولكن شعرية الرواية واسسها الدرامية وليس شعرية الشعر وعطاء الصورة المحدودة عادة بابعادها الموضعية.
ان المخاطرة هنا تنجم عن مزلقين: الاول شحن الوصف والحوار بطاقات شعرية كثيفة تعوق السرد وتشتت تماسك اللحظة الدرامية لحساب البلاغة الشعرية، والثاني ان الشخصيات قد تتحدث بطريقة واحدة، بمعنى ان يتحول الجميع الى شعراء مما يعفي الفوارق بين الشخصيات، لانها في الحقيقة تتحدث بصوت واحد، هو صوت المؤلف، لا تأتي ملاحظتي هذه من افتراض نظري او تصور مسبق، بل من اعمال روائية اردنية كتبها شعراء.
ومع هذا فان امتلاك الشاعر لادوات الروائي من شأنه في حالة الوعي الفني المتقدم انجاز اعمال درامية حقيقية، وهو ما نجح فيه عدد من روائيينا الشعراء.
ولكن تبقى الحقيقة ماثلة: ليس شرطا حتى تكون روائيا ان تكون شاعرا من قبل، وليس شرطا ان تتقن الشعر لتتقن فن الرواية، وليس شرطا ان تطغى الادوات الشعرية على المعالجة الدرامية في حالة تصدي الشاعر لكتابة الرواية انها مسألة معقدة كما ترى، والافضل ان ندرس كل حالة على حدة.
؟ دعنا نخرج من دائرة الابداع الى دائرة النقد، كيف ترى المشهد النقدي الان في الاردن؟
- المشهد النقدي جزء من الواقع الثقافي في الاردن، فيه الكثير من القضايا الشائكة المتشعبة وحوله العديد من الاسئلة.
بداية نلاحظ ان النقد في الاردن انشغل الى حد كبير بالساحة الادبية المحلية، ومن ثم لاحظت ان دور النقاد الاردنيين فيما يجري في الساحة النقدية العربية «ناهيك عن الميدان العالمي» دور محدود الى حد يثير القلق، وحتى نكون منصفين اكثر لا بد ان ننوه عن بعض الجهود الاردنية في المؤتمرات العربية الكبرى التي تنعقد خارج الاردن والكلام ليس عن الجمهور فحسب، بل عن مستوى ما يقدّم، وعن الحوار كذلك، اظن ان احوج ما نكون اليه في هذه الايام هو الحوار بين النقاد والادباء والمفكرين، لا اطمح بان تكون لدينا معاركنا الثقافية او الادبية، بل بحوار جاد حول القضايا التي تهمنا جميعا، ولا بأس في حوار المناكفات فهو افضل من حالة اللاتواصل، من المؤسف مثلا ان الحراك الحواري حول الشأن الثقافي في الاردن قد همد فجأة دون اي نتيجة.. لماذا؟
هذا احد الاسئلة الكبرى التي تنتظر اجابة مقنعة، ولكن قبل هذا السؤال كان ثمة سؤال آخر، لماذا اغرقنا «وفجأة كذلك» بهذا الحوار قبل عام؟ هل هي مسؤولية المثقفين ام مسؤولية بعض الجهات الرسمية؟ يعلم الله انني لا اعرف الاجابة القاطعة.
ولئن كان ثمة ما يدعو للقلق في المشهد النقدي والثقافي بعامة، فان هناك ما يدعو للاعتزاز حقا، لا بالجهود النقدية في الاردن بذاتها، بل بالمرجعيات التي تجمع بين اتجاهاتها بكافة، انها ودون مجاملة مرجعيات تؤمن بالانسان، وتنحاز للجمال، وتنفلت من عقم الايديولوجيا، وتصدر عن وعي نقدي متقدم وتقدمي، ومعرفة معمقة بمتطلبات العملية النقدية، واحاطة وافية بما يستجد من رؤى وتصورات ومعالجات.
هل نختتم حديثنا بالتورط في لعبة ذكر الاعلام؟
- قد لا يكون هذا ضروريا.
التعليقات
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف