محمد السمّاك: أصل اللبنانيين
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
"كان يا مكان، في قديم الزمان. كان في مشكلة في لبنان اسمها هوية السكان"، ففي كل مرة كانت تطفو على السطح قضية خلافية، سياسية أو اقتصادية، اجتماعية أو ثقافية، كان الباحثون يعودون في أسبابها الى التباين الاثني بين اللبنانيين. كانت هناك نظرية تقول إن المسيحيين هم من أصول فينيقية، وإن المسلمين هم من أصول عربية، وإن هذا التباين هو مصدر كل اختلاف وكل علة، أما كلمة فينيقيين، فهي كلمة يونانية، تعني "الحمر" أطلقها اليونانيون على التجار الذين كانوا يحملون اليهم من شواطئ لبنان الصباغ الأرجواني الأحمر المستخرج من أصداف البحر.
وقد ازدهرت التجارة الفينيقية في الألف الأول قبل الميلاد حيث أقام الفينيقيون مستعمرات لهم على شواطئ المتوسط الشمالية والجنوبية من قبرص حتى تونس (قرطاجة) ومن جزر بحر ايجة حتى ايطاليا واسبانيا. مما مكنهم من فرض سيطرتهم التامة على البحر المتوسط تجارياً وثقافياً وسياسياً. ورغبة في إثبات أو نفي نظرية التباين الاثني بين المسلمين والمسيحيين اللبنانيين، قام باحثان أحدهما أميركي اختصاصي في علم أصول الأعراق البشرية هو الدكتور سبنسر ولز، والثاني لبناني اختصاصي في علم الجينات هو الدكتور بيار زلوعة، بإجراء دراسة بتمويل من مؤسسة ناشيونال جيوغرافيك الأميركية. ونشرت نتائج هذه الدراسة في المجلة التي تصدر عن هذه المؤسسة (عدد أكتوبر ـ تشرين الأول 2004)، اعتمدت الدراسة على مادة الحمض النووي (د.ن.أ، A.N.D) الموجودة في الخلايا، والتي تشكل كتاباً تاريخياً موثقاً وموثوقاً به عن أصل كل كائن حي. ذلك أن هذه المادة تحتوي على حوالي ثلاثة مليارات معلومة عامة منها معلومات خاصة على شكل خيط من الجينات متجمعة في كل خلية من خلايا الرجل فقط (وليس المرأة).
ان كروموسوم (*) يحدد مع كروموسوم (Y) جنس الكائن الحي. فللاناث نوع واحد هو (XوX) وللذكور نوعان هما (XوY). وحده كروموسوم (Y) ينتقل من الأب الى الابن دون أن يكون للمرأة أي تدخل أو أي تأثير.
ولذلك فإن محددات مادة الحمض النووي الوراثية تبقى محفوظة من جيل الى جيل. وبالتالي فإن ما ورثه الفينيقيون عن آبائهم، أو أورثوه الى أبنائهم من بعدهم، بصرف النظر عن موجات المهاجرين وما يترتب عليها من زواج مختلط وتداخل في الأنساب.
قام العالمان أولاً باستخراج عينات من دماء مجموعة من صيادي الأسماك اللبنانيين تم اختيارهم عشوائياً من مدن ساحلية مختلفة (طرابلس، جبيل، بيروت، صيدا، صور) كان من بينهم مسلمون ومسيحيون. ومن خلال هذه العينات تم تحديد الشيفرة الوراثية لكل واحد منهم.
ثم قام العالمان باستخراج مادة الحمض النووي (د.ن.أ) من بقايا عظام لبقايا جثث شخصيات فينيقية عثر عليها داخل نواويس كانت مطمورة في مواقع أثرية في صيدا وصور وقرطاجة (تونس). ومن خلال هذه المادة تم تحديد الشيفرة الوراثية لأصحابها في مختبرات مختصة في الولايات المتحدة. وقد كشفت المقارنة بينها عن أمور ثلاثة هامة:
الأمر الأول: هو تطابق الشيفرة الوراثية للبنانيين المعاصرين مسلمين ومسيحيين، وهذا يعني أنه لا توجد اختلافات اثنية بينهم تبعاً لاحتلافاتهم الدينية.
الأمر الثاني: هو تطابق الشيفرة الوراثية للفينيقيين القدماء مع الشيفرة الوراثية للبنانيين المعاصرين. وهذا يعني أن اللبنانيين اليوم بصرف النظر عن انتمائهم الديني أو المذهبي. هم أحفاد الفينيقيين القدماء.
الأمر الثالث: ربما الأكثر أهمية، هو تطابق الشيفرة الوراثية للفينيقيين مع الشيفرة الوراثية للكنعانيين الذين هاجروا شمالاً من الجزيرة العربية ـ واليمن ـ الى سورية ولبنان اليوم. وهذا يعني أن اللبنانيين المعاصرين اليوم، هم كأجدادهم الفينيقيين بالأمس عرب من أحفاد الكنعانيين.
يطوي هذا البحث العلمي جدلاً طويلاً هو من عمر لبنان الحديث، انغرز على مدى أجيال في الثقافة اللبنانية العامة، فبعض المسيحيين كانوا ـ ولا يزالون ـ يبالغون في الاعتزاز بالانتساب الى الفينيقيين ليقطعوا أي صلة عرقية لهم بالعرب. وبعض المسلمين الذين انطلت عليهم هذه المقولة، كانوا ـ ولا يزالون ـ في تعاملهم مع الارث الفينيقي يعانون من عقدة نقص يعوضون عنها بالمبالغة في تفاخرهم بالانتساب الى العرب.
غير أن الدراسة العلمية أثبتت خطأ اعتقاد الفريقين. الفريق الذي يعتقد باحتكار المسيحيين للارث الفينيقي. والفريق الذي يعتقد باحتكار المسلمين للارث العربي. فلا الفينيقية كانت مسيحية، لأنها كانت قبل السيد المسيح، ولا العروبة كانت إسلامية لأنها كانت قبل النبي محمد عليه السلام.
لقد حسم البحث العلمي الأمر، فاللبنانيون المسلمون والمسيحيون يستطيعون الآن أن يرددوا مع الدكتور زلوعة: "أخيراً، بإمكاننا أن نضع جانباً بعض الأسباب التي كانت تقف وراء صراعنا الداخلي"، قولوا آمين!!.