جريدة الجرائد

الجابري: حقوق الإنسان: ربما كان هذا سبباً في بقائها عندنا على السطح!

قراؤنا من مستخدمي تويتر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك


د. محمد عابد الجابري:حقوق الإنسان: ربما كان هذا سبباً في بقائها عندنا على السطح!
عندما عرضنا لتاريخ تطور مفهوم "حقوق الإنسان"، في المقالات السابقة - كنا بصدد عرض نظريات وفرضيات تختلف من مفكر لآخر وفي الغالب من عصر لآخر. كان هناك مفهومان كان يتحدد بهما، صراحة أو ضمناً، مفهوم "حقوق الإنسان". هذان المفهومان هما: مفهوم "الطبع" كما هو في عبارة أرسطو "الإنسان مدني بالطبع"، ومفهوم "حالة الطبيعة" (أو حالة الفطرة) عند فلاسفة أوروبا في العصر الحديث. يمكن القول إن غرض أرسطو كان "علميا" بحتاً، فهو قد لاحظ أن الفرد البشري يبدأ حياته في حضن أمه وأبيه، وأنه بطبعه ينشأ ويعيش في مجتمع يتعاون أفراده على الحصول على حاجاتهم الضرورية ولا يستطيع الواحد منهم العيش بمفرده، ومن هنا قوله: "الإنسان اجتماعي بطبعه". والمجتمع يبدأ بالأسرة، ثم يتطور إلى القبيلة ثم إلى المدينة/ الدولة، وبالتالي فالإنسان بطبعه يحيا حياة مدينية، حياة المدينة/ الدولة، ومن هنا قوله أيضا: "الإنسان حيوان سياسي".
لا أستطيع أن أتهم أرسطو بكونه كان يريد من وراء نظريته في أصل الاجتماع والدولة، غير تقرير ما كان يبدو له أنه الحقيقة العلمية التي تعطيها الملاحظة والتأمل. قد تكون نظريته تلك تخدم واقعاً معيناً، ولكنه لم يكن يفعل ذلك عن قصد ولا عن وعي. وإذا صح وصف وعيه هنا بأنه وعي منحاز فإن الأمر لا يتعلق بانحياز تقرره الإرادة بل هو من النوع الذي تكرسه الألفة والعرف، وبكيفية عامة الوضعية الاجتماعية التي يعيش فيها الشخص.

يتجلى هذا واضحاً بالمقارنة مع وعي أصحاب نظرية "حالة الطبيعة" في القرنين السابع عشر والثامن عشر. فالذين قالوا بهذه النظرية كانوا يعرفون أنهم يتحدثون عن حالة افتراضية، والذين منهم حاولوا إثبات وقوعها اجتماعياً وتاريخياً لم يكونوا بصدد تقرير واقع كما يتبدى لوعيهم –كما كان الحال عند أرسطو- بل كانوا يعرفون أنهم يبحثون عن سند اجتماعي تاريخي لما افترضوا أنه أصل الاجتماع والدولة، بل لما ينبغي أن يكون أصلهما! بعبارة أخرى إن ما كان يهمهم في الدرجة الأولى هو الوظيفة التي يريدون لهذه الفرضية أن تؤديها: وظيفة تفسير منشأ الدولة والسلطة تفسيراً يقرر صراحة أو ضمناً أن السلطة التي تمارسها الدولة ومن يتصرف باسمها هي سلطة الشعب، وأن الحاكم إنما يستقي الشرعية لحكمه من رضا الناس.

لم تكن فرضية "حالة الطبيعة" مطلوبة لذاتها بل من أجل الوظيفة التي تؤديها وهي الوصول إلى فرضية "العقد الاجتماعي"، التي لم تكن هي الأخرى مقصودة لذاتها بل من أجل ربط شرعية الحكم برضا الناس واختيارهم. وواضح أن هذه الوظيفة التي يراد لفرضيتي "حالة الطبيعة" و"العقد الاجتماعي" أن تقوما بها هي وظيفة لها علاقة مباشرة بالصراع الاجتماعي الذي تحركه المصالح المتناقضة، الشيء الذي يعني أنه كان هناك خصم تواجهه هاتان الفرضيتان، هو النظريات التي تربط شرعية الحكم بغير نظرية الاختيار والتراضي والتعاقد، كالآراء التي كانت تضفي الشرعية على الاستبداد باسم ما أطلق عليه "الحق الإلهي للملوك"...

عندما يكون الأمر على الصورة التي شرحنا، نكون أمام ما ندعوه "الإيديولوجيا". فالمهم هنا ليس معرفة كيف تم سير الأمور واقعياً كما هو شأن العلم، بل المهم هو الكيفية التي يجب أن تسير عليها الأمور سياسياً واجتماعياً. ذلك باختصار –مع ما يكتنف الاختصار من تجاوزات- هو الفرق بين العلم والإيديولوجيا.

لنعد الآن إلى السؤال الذي طرحناه في نهاية المقالة السابقة (ما الفرق بين قولنا "إيديولوجيا حقوق الإنسان" وقولنا "ثقافة حقوق الإنسان")؟ ولنجدد طرحه بالصيغة التالية: أين يقع مفهوم "الثقافة"، في عبارة "ثقافة حقوق الإنسان"، مثلا، هل داخل الإيديولوجيا أم خارجها؟

أعترف أنني لا أستطيع أن أناقش هذه المسألة في المجال الذي بقي من حجم هذا المقال، إن كان قد بقي ثمة مجال. علي أن أدلي بتحديد مؤقت أستند فيه إلى ما يبدو أنه هو ما نريد تقريره من وراء مثل هذه العبارة، فأقول: يخيل إلي أننا نقصد بعبارة "ثقافة حقوق الإنسان" –أو ثقافة "العقد الاجتماعي"، أو"ثقافة التسامح" الخ- شيئاً يمكن التعبير عنه هكذا: تأسيس مفهوم "حقوق الإنسان" في الوعي وتطبيق مضمونه في السلوك.

تحديد قد يبدو واضحاً بسيطاً وأنه من الممكن أن نتعاقد عليه. ليكن! ولكن يجب ألا ننسى أن وراء الشجرة أكمة، وأن "وراء الأكمة ما وراءها"! إن التحديد الذي اقترحناه يعبر عما نريد، ولكن "هل كل ما يريد المرء يدركه"؟ يكفي أن نشكك في إمكانية إدراك هذا الذي نريد حتى ينهار ذلك التحديد. سؤال واحد قد يقلق راحتنا، نصوغه كما يلي: لقد عاش الغرب مسألة حقوق الإنسان كإيديولوجيا، أي في إطار صراع فكري واجتماعي وديني وسياسي، فكانت النتيجة أن ترسخت "حقوق الإنسان" في فكره ووعيه وسلوكه، على الأقل إزاء بني جلدته! فهل يمكن، لنا أو لغيرنا، الحصول على النتيجة نفسها بمجرد استعادة تلك الإيديولوجيا، لا بوصفها صراعاً واقعياً متعدد الأبعاد، بل فقط بوصفها "ثقافة"؟ بوصفها "معرفة"؟

هل تكفي المعرفة بالشيء في اكتساب ذلك الشيء؟ كم من الناس ينادون بحقوق الإنسان ويشرحونها و"يتبحرون" في شرحها، ولكن كم من هؤلاء يطبقها في بيته، مع زوجته وأولاده، وخادمته، ومع الذين يشتغلون عنده.

كان سقراط يقرر أن الفضيلة معرفة: يعني أن من يعرف الخير لابد أن يفعله!

هل كان ساذجا؟

هل كان مخطئا؟

ماذا يفيد الجواب عن مثل هذه الأسئلة وقد رأينا كيف تأسس مفهوم "حقوق الإنسان" على فكرة أن "الإنسان ذئب للإنسان"!

لنكتف بالقول إذن: كان سقراط حسن الظن بالإنسان. فلنقتدِ به، ولننشر ثقافة حقوق الإنسان ليس من أجل إقناع الناس باحترام هذه الحقوق وحسب بل أيضاً، وهذا أهم، من أجل توعية أصحاب الحقوق الضائعة ليطالبوا بحقوقهم. وبالمطالبة المستمرة المتواصلة سيحصلون عليها. وحقاً: "ما ضاع حق وراءه طالب".

كان الهدف من هذه المقالات بيان كيف أن فكرة حقوق الإنسان لم تترسخ في الذهنية الأوروبية إلا بعد مجهودات فكرية. لقد تطلب الأمر وقتاً، وتطلب فرضيات كانت تبدو علمية في وقتها. إن انتصار الجديد على القديم لا يتم عبر مجرد الكلام أو مجرد الدعوى والادعاء. إنه لابد من مجهود فكري حقيقي يقوم به مثقفون مؤمنون بالقضايا التي يدافعون عنها. وأيضاً يتحملون التضحيات الضرورية في سبيلها. وجل المفكرين الأوروبيين الذين ذكرنا في هذه المقالات - وهناك آخرون كثيرون مثلهم- خاضوا معارك ليصدعوا باقتناعاتهم وآرائهم فتحملوا النفي والاعتقال والتهميش، بسبب أفكارهم تلك، الأفكار التي ننقلها عنهم نحن اليوم مجاناً ونروج لها بالمجان.

ومن يدري! فربما كان هذا سبباً في بقائها عندنا على السطح.

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف