جهاد الخازن: (يحاولون!)
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك
جورج بوش وأركان ادارته يحاولون، وكذلك يفعل القادة الأوروبيون، ويبقى ان نرى إذا كانوا مجتمعين سيستطيعون ردم هوة بين الجانبين في عمق المحيط الأطلسي واتساعه لو خلا من الماء.
وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس مهدت الطريق امام الرئيس الذي وصل الى بروكسيل ليل الأحد وعقد قمة مع قادة الاتحاد الأوروبي والناتو، امس، ويكون الرئيس جاك شيراك ضيفه مساء في بيت السفير الأميركي، كما يجتمع مع اثنين من ابرز معارضي الحرب على العراق، المستشار الألماني غيرهارد شرودر في برلين، والرئيس الروسي فلاديمير بوتين في براتيسلافا، عاصمة سلوفاكيا.
جولة الدكتورة رايس في اوروبا والشرق الأوسط كانت ناجحة كثيراً، ولكن ليس بالكامل، وخطابها في باريس في الثامن من هذا الشهر دعا الى فتح «صفحة جديدة» في العلاقات الأميركية - الأوروبية، ولكن مع بقاء الولايات المتحدة قطباً عالمياً واحداً، وهو ما يعارضه الأوروبيون كلهم، وفرنسا تحديداً التي تصر على عالم متعدد الأقطاب ومراكز قوة متنوعة.
لا أتوقع ان زيارة واحدة ستحل كل المشاكل، ولا يتوقع ذلك الأوروبيون او الأميركيون، ولكن اذا نجحت الزيارة في إزالة سوء الفهم والحساسيات المتبادلة، فإنها قد تضع الطرفين على طريق علاقة افضل في ولاية بوش الثانية مما عرفا في ولايته الأولى.
مع احادية القطب، هناك خلاف على:
- محكمة العدل الدولية التي تؤيدها اوروبا، وترفض الولايات المتحدة قبولها.
- ارتفاع حرارة الطقس، وقد بدأ تنفيذ معاهدة كيوتو على رغم المعارضة الأميركية.
- بيع السلاح الى الصين، فأوروبا تريد رفع الحظر وأميركا تعارض.
- البرنامج النووي الإيراني، فالولايات المتحدة تفضل العصا في حين ان بريطانيا وألمانيا وفرنسا تفضل التفاوض والجزرة.
- مكافحة الإرهاب، فالولايات المتحدة تشعر بأن اوروبا مقصرة، وفي حين ان الدول الأوروبية اتخذت خطوات محددة، مثل تعيين مفوض اوروبي لمكافحة الإرهاب، والاتفاق على «مذكرة اعتقال اوروبية» لتنسيق العمليات، فإن الإدارة الأميركية تشعر بأن أوروبا تحتاج الى مضاعفة جهدها في هذا المجال الذي جعلته قضيتها الأولى.
الواقع ان اوروبا تختلف عن الولايات المتحدة، إذا لم تختلف معها، في مجالات اخرى، مثل الإجهاض وتخصيص الضمانات الاجتماعية والتدين، او إقحام الدين من جديد في السياسة بعد فصلهما طويلاً. غير ان هذه امور داخلية لأوروبا وأميركا لا تثير حساسية مثل القضايا الدولية السابقة.
بالنسبة إلينا كعرب نتابع باهتمام اكبر نقطة خلاف اساسية بين اميركا وأوروبا هي التعامل مع العراق ومستقبله، ومع النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي، وقد كتبت متفائلاً بتسلم الدكتورة رايس وزارة الخارجية، ولا أزال عند موقفي الشخصي هذا بعد زيارتها الشرق الأوسط ومحادثاتها مع الفلسطينيين والإسرائيليين.
وكان الرئيس بوش قال في خطابه عن حال الاتحاد، قرب مطلع هذا الشهر، ان السلام في الشرق الأوسط «في متناول اليد»، إلا ان الولايات المتحدة تبقى حليفاً استراتيجياً لإسرائيل، ولا يمكن ان تعتبر وسيطاً شريفاً او محايداً.
الأوروبيون (وهم مع الولايات المتحدة وروسيا والأمم المتحدة في اللجنة الرباعية) يريدون دوراً اكبر في عملية السلام ويشعرون بأن لهم نفوذاً بين البلدان العربية ليس للولايات المتحدة، يجب استغلاله لدفع عملية السلام الى الأمام، ووزير خارجية فرنسا ميشال بارنييه اوضح في مقابلة مع «نيويورك تايمز» هذا الشهر ان الطريق الوحيد نحو «علاقة جديدة» مع الولايات المتحدة هو بتحقيق السلام بين اسرائيل والفلسطينيين.
وهنا يطرأ سبب آخر للاختلاف، حتى لا نقول الخلاف بين الجانبين، فالرئيس بوش يعتقد ان الحرية تقضي على الطغيان، وأنها العلاج الشافي من كل امراض الشرق الأوسط والعالم. إلا ان الأوروبيين يقولون انه على رغم اهمية الحرية، فإنها وحدها لا تكفي، ثم ان الديموقراطية على الطريقة الأميركية قد لا تصلح لكل بلد في العالم.
لا اعتقد ان الحرية وحدها ستحل قضية فلسطين او مشكلات العراق، وبالنسبة الى مستقبل العراق، فالمطلوب قبل الحرية والديموقراطية، وكل مطلوب آخر هو قهر الإرهاب، لأن لا معنى لهذه المطلوبات اذا لم يكن العراق آمناً على حياته.
وأجد الصعوبات في العراق مستمرة، مع واجب العالم كله، والعرب والمسلمين قبل غيرهم، ان يساعدوا الولايات المتحدة والحكومة العراقية على دحر الإرهاب المجنون الذي يقتل العراقيين ويحاول إثارة فتنة طائفية.
ويفترض ان ينتهي انتداب قوات التحالف مع نهاية هذه السنة، إلا ان الجنرال جيمس لوفليس، مدير عمليات الجيش الأميركي، قال تحديداً ان 120 ألف جندي اميركي سيبقون في العراق حتى نهاية 2006، ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد تحدث في شكل عام عن وجود عسكري اميركي مفتوح في العراق. وكان الرئيس بوش طلب 28 بليون دولار اضافية لنفقات الحرب في العراق وأفغانستان، ويبدو ان مثل هذه الطلبات سيستمر في وقت تعاني الموازنة الأميركية من عجز قياسي مستمر ومتراكم.
الولايات المتحدة لن تستطيع انقاذ موقفها في العراق من دون مساعدة اوروبية، ولعل جولة جورج بوش تمثل البداية. وكانت الدكتورة رايس قالت قبل 18 شهراً عن المعارضة للحرب في العراق، وهي رئيسة مجلس الأمن القومي: «سامحوا روسيا، وتجاهلوا ألمانيا، وعاقبوا فرنسا».
غير ان هذا كان قبل 18 شهراً، جولة الرئيس قد تفتح صفحة جديدة فعلاً، فالرئيس شيراك ارسل إليه رسالة تهنئة شخصية بفوزه خاطبه فيها قائلاً: «شير (عزيزي) جورج»، وبارنييه وعد بأن «يصفح» عن اميركا لموقفها من بلاده. ويبقى ان نرى نتائج العشاء امس وتعاوناً اميركياً - اوروبياً لدفع عملية السلام في الشرق الأوسط.