خيري منصور: لَسْنَ نساء فقط
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك
ما الذي يجمع بين مارغريت تاتشر وسيمون دي بوفوار وصوفيا لورين وهيلين كيلر سوى كونهن نساء؟
ويبدو ان هذا القاسم المشترك “الجنسوي” لا يزال المدخل النموذجي للحديث عن نساء شهيرات من مختلف الحقول، وهذا مدخل سهل وميسر لمن لا يريدون ارهاق أنفسهم في البحث عن مداخل اخرى لا تخضع للتصنيفات التقليدية القائمة على اساس الجنس فقط! لهذا من الظلم الفادح ان تدرج اسماء نساء اشتهرن بالإغراء او السياسة في اشد ابعادها براغماتية مع نساء اشتهرن بالرواية او الفلسفة والموسيقا.
في طبعة جديدة لمعجم مشاهير النساء ترد اسماء اكثر من ألفي امرأة يتجاورن فقط في صفحات الكتاب، لكنهن يفترقن في الحياة وأساليب التفكير والتعامل مع أنوثتهن باعتبارها شرطا موضوعيا.
وبالرغم من كل ما يقال عن الخلل الجذري في مصطلحات من طراز الأدب النسوي او الحراك الانثوي في العالم، إلا ان العودة الى المفاتيح التقليدية لا تزال ميسرة لمن لا يرون في المرأة سوى امرأة، اي معزولة عن آدميتها ومختزلة الى بعد واحد فقط.
وقبل فترة قصيرة صدر كتاب اقل ما يوصف به انه جائر، يحرم المرأة من حصتها في الفلسفة ويقول المؤلف: ان الفلسفة لا تزال حكراً على الرجال.
وهو قول يذكرنا بما كان يشاع عن المرأة حتى في الغرب قبل قرنين، عندما كانت تحرم من دراسة الطب مثلا، كما كان يحدث في الولايات المتحدة.
ان كل المؤتمرات والندوات التي انعقدت في العقود الثلاثة الأخيرة حول المرأة ودورها وإعادة اعتبارها المسلوب تبدو مجرد حبر على ورق، اذ سرعان ما تندرج التوصيات في خانة مهملة ويسدل الستار على ما كان لحظة قوله وانطلاقه عاجلا ويطالب بترجمة ميدانية فورية.
ومن المثير بالفعل ان تصدر قبل شهور دراسة ينتهي من أعدوها الى أن المرأة هي الأشد عداء لزميلتها اذا كانت هذه الزميلة اكثر انعتاقاً وأقل ارتهاناً للشروط التي تحاصرها.
والجديد في هذا الاستنتاج تعلقه بالمرأة، أما الفكرة ذاتها فقد طرقت من قبل وأجريت دراسات انتهت الى أن الوعي السالب لدى المقهورين يخلق لديهم مركباً ماسوشياً يدعهم الى التشبث بعوامل القهر، واستمراء الألم وابتكاره في حال غيابه.
وحين صدرت موسوعة نساء نوبل، لم يقل لنا القائمون عليها أن النساء اللواتي حصلن على جائزة نوبل حصلن عليها لكونهن نساء فقط، لأنهم لو قالوا لنا ذلك لسخرنا من اطروحتهم برمتها، فالمرأة المبدعة في الآداب او العلوم او الفلسفة لم تحقق ذاتها وامتيازها بوصفها امرأة، بل بوصفها منافساً لرجال عديدين، ولا نذكر مثلاً أن شاعرة مثل اميلي دكنسون نالت مكانتها لأنها امرأة، أو ان الاخوات برونتي ظفرن بتلك المكانة الروائية لأنهن إناث فقط!
ان تاء التأنيث لم تعد تصلح قاسماً مشتركاً يجانس بين نساء يفترقن في الوعي والممارسة وسائر الصفات البشرية، كما ان واو الجماعة لم تعد هي الأخرى قاسماً مشتركاً بين ذكور، منهم البائس والمنسحب من الحلبة ومنهم الثائر والفيلسوف والرائد.
ان تلك الاختزالات التي بدأت ايديولوجية انتهت منهجية، وهنا يكمن سر خطورتها!
وهناك أمثلة عدة تفتضح صورة المرأة في وعي الرجل بعد خمسة آلاف عام من السطو الذكوري على التاريخ، منها مثلاً اتهام النساء اللواتي يبدعن في مختلف الحقول بأنهن مجرد اسماء انثوية مستعارة لرجال يكتبون او يرسمون او يعزفون لهن.
قيل ذلك عن سيمون دي بوفوار، لأنها كانت سيئة الحظ باقتران اسمها باسم جان بول سارتر اشهر فلاسفة فرنسا والعالم في الاربعينات والخمسينات من القرن الماضي، ولم تسلم الكاتبات العربيات من الاتهام ذاته.
ولا ندري لماذا يغيب عن ساسة ومثقفين و”ثوريين” عرب ان التعامل مع المرأة هو البارومتر الحقيقي الذي يختبر الوعي، ففي العديد من المناسبات، لا يجتمع اليمين مع اليسار وتنتفي بينهم الحدود إلا في التعامل مع المرأة، لأن الطبع كما يقال يغلب التطبع، والممارسات تكشط الطلاء الطارئ، وتفضح الجوهر.
أليس من المنطقي ان تدرج اسماء نساء اشتغلن في السياسة مثلا مع اسماء رجال نافسنهم في هذا الحقل؟ وان تدرج اسماء نساء روائيات وشاعرات مع اسماء روائيين وشعراء نافسنهم ايضا واقتسمن معهم الهم الانساني ذاته؟
والمرأة التي لم تعد دمية هاجعة في البيت الذي وصفه (ابسن) قادرة الآن على الدفاع عن حقها، ولا تنتظر من الرجل ان يتكرم من فائض عدالته بمنحها حريتها او حقوقها.
لكن عدو المرأة كما قال الباحثون في تلك الدراسة التي نشرت قبل فترة قصيرة من صلب جنسها، وغالبا ما تتصدى نساء لنساء في السجالات التي تتخذ من حرية المرأة وحقوقها محورا او ارضية للحوار.
ان الأقوال سهلة على الدوام، ومزاعم المثقفين لا حدود لها عندما يقتصر الامر على شيكات لغوية وبلاغية ممنوعة من الصرف، لكن الممارسات هي ما يستحق الاحتكام اليها اخيرا للتمييز بين ماء يشفي الغليل وسراب يضاعف الظمأ.