جريدة الجرائد

علي الرز: تحالف التخلف في سورية ولبنان

قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك


بين مسؤولين سوريين مهولين بان الحرب اللبنانية ستعود اذا انسحب الجيش السوري من لبنان، وبين مسؤولين لبنانيين داعين الى تصعيد دولي على سورية لا يتوقف عند حدود تطبيق القرار 1559... خيط واحد او قاسم مشترك،بل اكثر من ذلك يمكن القول ان الطرفين يدعمان بعضهما سياسيا وامنيا كي يبقى منطقهما سائدا وعلى قيد الحياة.وهو المنطق الذي اذا نظر اليه بتجرد وخارج نطاق الشارع والشعارات يدل على عجز لا يعبر عنه الا بتطرف.
من يروج من المسؤولين السوريين لانهيار الاوضاع في لبنان اذا انسحبت القوى الامنية والاستخباراتية انما يدعم وجهة نظر اكثر الجهات تطرفا في المعارضة اللبنانية التي كانت تشيع على مدى السنوات ال15 الماضية ان كل الاستقرار الذي يشهده لبنان وهمي وان كل تأكيدات المسؤولين السوريين وعلى رأسهم الرئيس الراحل حافظ الاسد عن ان الحرب اللبنانية ولت الى غير رجعة انما هي تأكيدات غير صحيحة "لان العامل السوري في لبنان يزرع مقومات تفجير ستظهر لاحقا".
ومن يروج من المسؤولين السوريين لانهيار الاوضاع اذا انسحب الجيش السوري يؤكد نظريات بعضهم (ومن هذا البعض اسرائيل) بان سورية منعت لبنان من نزع سلاح المخيمات الفلسطينية لاستخدام هذا السلاح في توتير الاوضاع داخليا اذا اقتضى الامر كما حصل في حرب المخيمات عام 1984 التي انعكست سلبا على كل لبنان امنيا وسياسيا وطائفيا، ولم يعرف احد حتى الآن لماذا بدأت ولماذا انتهت مع ان السلاح الذي صار في المخيمات مع انتهاء الحرب بلغ اضعافا مضاعفة السلاح الذي كان موجودا فيها قبل الحرب وشكل حجتها. او ان سورية تبقي على سلاح تيارات واحزاب بعينها لانها تثق في قدرتها على حماية "خاصرتها" ولو اقتضى الامر من اجل هذه الحماية حربا مع شركاء الداخل.او ان سورية منعت اي تركيبة وطنية في لبنان مفضلة عليها تركيبات طائفية مثل الاتفاق الثلاثي وما شابه من اجل الوصول الى فرضية واضحة:اما الاذعان الجماعي او التقاتل الجماعي.
ومن يروج من المسؤولين السوريين لانهيار الاوضاع في لبنان او يقول ان جريمة اغتيال الحريري مثلا من احدى نتائج انسحاب الجيش السوري من بيروت،انما يدين نفسه ويدين دمشق كسلطة داعمة للامن والاستقرار وانهاء حال الحرب ومساعدة اللبنانيين على الدخول في السلم الاهلي وفق اتفاق الطائف.ويظهر هذا المنطق للسوريين واللبنانيين اولا وللعالم ثانيا ان ما كان في لبنان عمليا هو قبضة امنية مركزية تتحكم بالعامل السياسي وتضبط توازنه،والا فما معنى ان يختل العاملان السياسي والامني فجأة بعد نحو ثلاثة عقود على الوجود السوري في لبنان. وبهذا المعنى تسقط كل البيانات التي صدرت من سورية ومن السلطة الحليفة في لبنان عن قدرة الاجهزة العسكرية اللبنانية من جيش وقوى امن ومخابرات في حماية الداخل اللبناني و"الخاصرة" السورية.
ومن يروج من المسؤولين السوريين لانهيار الاوضاع في لبنان اذا انسحب الجيش السوري ومن يعتبر،مسؤولا كان ام مواطنا عاديا،ان الخروج من لبنان افضل "والله لا يرد اللبنانيين اذا تقاتلوا بعد كل ما فعلنا لهم" او ينظر نظرة حقد وتشف، انما يؤمن عمليا في داخله بنظرية الهيمنة المعطوفة على قصور في فهم العالم وتخلف عن بناء علاقات طبيعية مع الشقيق والقريب والبعيد. وهذا الكلام في جزء منه يمكننا ايضا من فهم معاناة من لم يلمسوا في تراثهم السياسي الداخلي غير الضغط والقمع وسلطة الحزب الواحد والاقتصاد الموجه والتعليم الموجه والاعلام الموجه وكيف ان هذه العوامل المرفوضة طبيعيا من السواد الاعظم من السوريين اثرت في طريقة تفكير مسؤولين وغير مسؤولين(مثل التدخين السلبي) ودفعتهم الى مقاربتها وان لم يقصدوا ذلك.
ومن يروج لنظرية الحرب والانهيار في لبنان من المسؤولين السوريين يثبت لكثيرين ان البعثين،العراقي والسوري،لا يختلفان كثيرا،فالعراقيون عندما اجبروا على مغادرة الكويت عام 1991 احرقوا آبار النفط تفشيا وحقدا رغم علمهم انها ستعود الى اهلها،ورغم الفارق الكبير بين وجود بعثي محتل في الكويت ووجود بعثي شقيق وبارادة السلطة اللبنانية في لبنان الا ان تصريحات تحمل معنى التمني او التشفي او التحضير بحجة القراءة الواقعية تعطي انطباعا سريعا بالتشبيه بين حرق آبار وحرق بلاد.
العلاقات بين لبنان وسورية ووحدة المصير والمسارين تراجعت هكذا لمجرد ان طلب من دمشق تطبيق اتفاق الطائف بعد تأخر 13 عاما،وحلت محلها علاقات اخرى لا علاقة لها بالتنسيق والتواصل البناء والتكامل الحضاري لخدمة الشعبين. تراجعت مقومات التكامل وحل محلها شعار: "انسحاب سورية من لبنان يعني انسحابها من دمشق" وهو شعار يكشف عجز اصحابه وتخلفهم وغير جدير بان يناقش من اساسه.
في الجانب اللبناني ايضا،تبرز عوامل الجهل والتسطيح والغريزة والتخلف في ابهى صورها عندما يتمنى البعض سرا وجهرا ان يتواصل التصعيد الدولي الى درجة عمل عسكري ضد سورية،فهم يعتقدون ان النار لن تمسهم مع انها قد تدمر البيت على رؤوسهم.كما تتمثل هذه العوامل في الاعتداء مثلا على عمال سوريين نالهم من الظلم حصة في بلادهم وحصة في بلاد غيرهم،او في اللغة العنصرية التي يتحدث فيها بعض اللبنانيين عن السوريين فيخلط بين صورة شعب وطبيعة نظام،وفي الحقيقة لعب حلفاء سورية تحديدا دورا كبيرا في تكريس هذه النزعة العنصرية من خلال حديثهم الدائم عن عظمة واهمية وذكاء النظام في سورية من جهة والاستخفاف بالسوريين كشعب من جهة اخرى،مع ان المنطق الانساني يقول بان الخلافات بين الانظمة وانتقاد النخب الحاكمة جزء طبيعي من الممارسة الديموقراطية يجب فصلها عن الخلافات بين الشعوب لا بل ومحاربة اسقاط اي خلاف سياسي على العلاقات بين الناس.
اعمت اللبنانيين المتمنين ضربة عسكرية دولية لسورية ان الانظمة تتحرك والجغرافيا ثابتة،وان العلاقات بين دول متجاورة عدوة(مثل المانيا وفرنسا )تحكمها الاقدار الجغرافية فكيف بدول شقيقة تجمعها روابط وثابت،وان سورية اكبر من لبنان حجما ودورا واهمية بالنسبة الى المحيط والى العالم،وان فيها من الثروات ما يتجاوز لبنان الى المغرب العربي،وفيها مقومات تطور وحياة من نفط واراض خصبة وبنى صناعية وانهار ومياه وطاقة رخيصة وعمالة متوفرة وشعب متحضر متعلم لا توجد في دول اخرى،وكانت في حقبة من التاريخ القريب رائدة في الصحافة الحرة والترجمة والفكر والادب والصناعة والشخصيات الليبيرالية،ولو عاد اليها فقط اصحاب رؤوس المال والصناعيون ورجال الاعمال الذين تركوها عند التأميم والزحف الاشتراكي لتحول وضعها الاقتصادي رأسا على عقب.
نعم هناك اقتصاد مترد وفساد ومحسوبيات وسلطة امنية وقوانين بالية واسعار صرف متعددة واحجام استثماري في سورية،لكن ذلك لا يلغي انها دولة غنية بامكاناتها وانسانها وهو الغنى الذي يعطيها املا بمستقبل قادم بلا ريب مع الحريتين السياسية والاقتصادية،وهو المستقبل الذي يحتاج اول ما يحتاج الى خبرة اشقائهم المصرفيين اللبنانيين ورجال الاعمال اللبنانيين والصناعيين اللبنانيين والاقتصاديين اللبنانيين والمسوقين اللبنانيين،كما يحتاج اللبنانيون الى السوق السورية الضخمة والعمالة الجيدة المتوفرة والطاقة الرخيصة والمهاجرين السوريين المتألقين في بلادهم الثانية،تماما كما فعلت دول نمور آسيا عندما فتحت مصانعها الضخمة في الصين لا في دولها نظرا الى المزايا الكبيرة التي يؤمنها ذلك رغم ان التحول الاقتصادي في الصين يسير ببطء شديد انما في مساره الحقيقي.
هذه الصورة التعاونية التي يمكن ان تشمل كل مناحي الحياة بما فيها التعليمية والاستشفائية والسياحية هي التي كان يفترض ان تهيمن على الوجود السوري في لبنان لنحو ثلاثة عقود،لكن الذي حصل هو سيادة منطق الهيمنة من سلطة امنية قوية في دولة لبنانية تواطأ بعض مسؤوليها مع هذه الهيمنة نتيجة خلل داخلي او مصلحة شخصية او طائفية او رغبة في انتقام او بفعل قصر النظر،فصارت الصورة عبارة عن تعاون بين طبقتين سورية ولبنانية مستفيدتين من الاوضاع وتطوراتها تدافعان عن مصالح بعضهما فقط وآخر ما يهمها المصالح الفعلية للشعبين وفق منظور مستقبلي استراتيجي...ورموز هاتين الطبقتين المستفيدتين على حساب العلاقة الصحية بين الشعبين هم الآن الذين يتراشقون بالكلام فيهول السوري بالحرب والويل والثبور ويصعد "شريكه" اللبناني لهجته فيشتم سورية وناسها ويطالب بطردها متمنيا ضربة اميركية تهز نظامها او تنهيه،بعدما كان يصرح بانه سينام امام الدبابات السورية ليعيق انسحابها اذا قررت سورية سحب جيشها يوما ما.
بعد ايام ستبدأ التحقيقات الدولية في استشهاد رفيق الحريري وسط حالة غير مسبوقة من السخط المحلي والعربي والدولي لا يعلم الا الله اين يصل مداها.وللعلم فقط،فان الحريري كان من انصار التكامل الاقتصادي الحضاري بين البلدين وكان قادرا على ترجمة ما يريد... استشهد الرجل وهو يرى بناء يوميا لاجهزة أمن واستخبارات مشتركة ومن دون ان يرى مصرفا مشتركا او مصنعا مشتركا او جامعة مشتركة اومستشفى عصريا حديثا بني بامكانات سورية ولبنانية عند منطقة الحدود للتوفير على هذا المسؤول او ذاك الوزير مشقة السفر الى بيروت اذا توعك صحيا... بعد 40 عاما من الحديث عن انجازات وتطور وتنمية وحداثة.
رحم الله الرئيس الشهيد وترحم بالاقدار... المشتركة.
alirooz@hotmail

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف