جريدة الجرائد

جمعة اللامي: جوائز قَيْد التآكل

قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

"ان يكون المرء مرتاباً، يعني انه الآن مُصمم" (شكسبير - من: عُطَيل)

من بين الأسئلة البسيطة، والمقلقة في آن، ذلك السؤال الذي يتداوله الكثير منا من دون اهتمام: “كيف ينبغي للمرء ان يحيا؟”. وعند الاجابة سوف يتلدد بعضنا، ويتبلّد آخرون، وتتفيهق زمرة، وتدّعي عصبة، ويحار فريق، وتصمت ثلّة. والصامتون -غالباً- هم الذين يعرفون انهم لا يعرفون، وبذلك يرتفعون على السائد في سوق السياسة، وبين أروقة بازار الثقافة، وداخل كواليس المعرفة، فإذا هُمْ -رعاك الله- منتجو أفكار، وصُنّاع آمال.

سألني غريب المتروك: أتراك تقصد بتعليقك الأخير، هؤلاء المثقفين العرب الذين نجدهم في احدى وسائل الإعلام، وفي دائرة للبريد، وعند دكان لتصليح الأحذية، وخلف سلة خضار، ونُوّماً على قارعة الطريق؟ وهؤلاء اعني، ضبطاً. فهم خارج المحفل الرسمي السائد، وأبعد عن سرادقات الجوائز العربية، الرسمية والأهلية، والتي باتت مقصد الباحثين عن الربح المادي الصرف، فتدنى الابداع، وتضاءل الجمال، وصرت ترى القرعاء تجاور الزلفاء. وهنا يصح ارتياب “عُطيل”، ويصدق تصميمه.

وإذا سبر احدنا مشهد الجوائز العربية الأدبية والثقافية، فسوف يصاب بالاحباط، بعدما تحول بعضها الى شركات محاصصة، ومكاتب علاقات عامة. بحيث إذا فاز بها شاعر جدير بشعره، قيل ان الرجل ذهب الى المال ولم يختر الشعر. وان رست احداها على روائي أو مسرحي معتبر رمته سهام النقد، وبرز من يصرخ بوجهه: ارفضها.

وعندما رفض “صنع الله ابراهيم” احداها، لم ينقص عديد المسلمين، ولم يزدد تعداد البراهمة. لكن موقف “سارتر” من جائزة “نوبل” للآداب، في تلك السنة من عقد ستينات القرن المنصرم، قلب الطاولة في وجوه المثقفين الغربيين، وجعل أعضاء الأكاديمية الملكية السويدية، يواجهون جداراً لا نافذة فيه، وفي الوقت عينه جعل الناس تفتكر “غونكور”.

غير ان “نوبل” الأدبية، استطاعت الاستمرار، لأن “لجان الحكم” كانت على مستوى عال من الدراية والكفاية، رغم الاشارات، هنا وهناك، الى تأثير بعض الاتجاهات غير الثقافية. وهذا ما عرفته من أكاديمي أوروبي على صلة بآليات منح هذه الجائزة العالمية.

ولا تزال جائزة “غونكور” الأدبية الفرنسية، التي لا تتجاوز قيمتها قرابة مائة وخمسة وثلاثين جنيهاً مصرياً، عزيزة على قلب أبرز المبدعين الأوروبيين. لأن هذه الجائزة التي ولدت في مقهى باريسي ذات سنة سالفة، تقررها “لجان حكم” ذات أهلية عالية.

نعرف ان جوائز أدبية عربية لا يعرف بها إلا الموظفون الذين هم “لجان حكمها”، ونعرف أيضاً جوائز أدبية عربية أخرى، تغطي أهميتها صيوان اذن طفل رضيع، لكن القائمين عليها صخّابون، والركّض اليها لا يترسون عدلاً بدخن.

ونعرف ان بيننا جوائز عربية أخرى، تشبه الندرة، لكنها في طريقها الى التآكل، بعدما فرح القائمون عليها دورة بعد دورة، حتى انساهم فرحهم معنى افتكار الألم المتولد عن فوضى ثقافتنا.

اختاروا “لجان الحكم” بكفاءة ودراية، يُكتب لبقية جوائزنا الاستمرار والفاعلية.

zaineb@maktoob.com

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف