د. أحمد يوسف أحمد: قمة اليوم بين الطموح الجزائري والواقع العربي
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك
يطمح المسؤولون الجزائريون إلى أن تكون القمة العربية السابعة عشرة التي تستضيفها بلادهم اليوم قمة تفصل بين زمنين من تاريخ النظام العربي الرسمي. يظهر هذا الطموح من خلال الشعارات التي رُفعت في شوارع العاصمة الجزائرية والتي أضافت إلى عبارات الترحيب التقليدي بالزعماء شعار "قمة الجزائر منعطف تاريخي لإصلاح المنظومة العربية". تستحق الجزائر هذا الطموح إذ لم تستضف سوى قمم فارقة. تشهد على ذلك قمة 1973 التي عقدت في أعقاب حرب أكتوبر 1973 وقمة 1988 التي عُقدت بعد تفجر الانتفاضة الفلسطينية الأولى، وكان للقمتين دورهما في تدعيم الموقف العربي والحق الفلسطيني في ظروف بالغة الدقة. كذلك تستحق الجزائر هذا الطموح كون رئيسها يتفرد بين القادة العرب بأنه الوحيد الذي قضى معظم حياته العملية وزيراً للخارجية في مرحلة ازدهر فيها دور بلده الجزائر عربياً وأفريقياً بل وعالمياً، واتسم بدرجة من المبادرة قلّ أن تتوفر لدى بلدان العالم الثالث، ولذلك فإن خبرته بالأوضاع العربية والإقليمية والعالمية تمكنه من أن يقود باقتدار سفينة القمة العربية في 2005.
غير أن المرء يخشى بحق من ألا تكون الظروف الموضوعية المحيطة بانعقاد قمة الجزائر مواتية لذلك الطموح. سوف تكون القمة بالتأكيد "ناجية" وسوف يصل بها ربانها الجزائري الماهر إلى بر الأمان، لكن الفارق كبير بين الأمرين، ذلك أن الأقدار قد ألقت إلى الجزائر بقمة في ظروف اشتبك فيها الجدل بين ما هو دولي وما هو عربي مع غلبة واضحة لما هو دولي، وهو ملمح عرفه النظام العربي منذ مدة، لكن ثمة قوى للممانعة كانت تحول بينه وبين أن يكون السمة السائدة للنظام العربي غير أنه بات كذلك منذ وقع الاحتلال الأميركي للعراق في 2003 ورضي النظام بالتكيف التام مع العملية السياسية التي دشنتها الولايات المتحدة في العراق، ثم تفاقمت الأمور بعد ذلك بهجمة أميركية شاملة على مواقع الممانعة في النظام العربي فاقمت من ارتباكه أو لنقل إنها حسمت معادلة التأثير لصالح ما هو دولي على حساب ما هو عربي.
لذا بدت قمة الجزائر كأنها اختبار معروفة أسئلته وأجوبته سلفاً. هناك "توقعات مرئية" بلغة أهل الثانوية العامة في مصر وإجابات نموذجية أو بالأحرى نمطية تدرب عليها الطلاب كثيراً. سوف يرسب بعض الطلاب بالتأكيد لكن مجمل النتيجة للعموم معروف. في قمم سابقة كان الرأي العام يبقى مشدودا قبلها، وتجتهد النخبة في التنبؤ بما ستفعله القمة وما لن تفعله، وتحاول أن تقدم أفكارا وتوصيات على أمل أن تكون مؤثرة في مخرجاتها النهائية، وتُحبس الأنفاس عموما في انتظار انعقاد القمة: من سيجيء ومن سيغيب من القادة؟ وما هي الأزمات المتوقعة والسبل المتاحة للخروج منها؟ حدث هذا في قمة القاهرة (يناير 1964) على سبيل المثال: هل تتجاوز الأمة خلافاتها وتستطيع أن تتصدى للخطر الإسرائيلي على المياه العربية؟ وفي قمة الخرطوم 1967: هل يكون القادة على مستوى المسؤولية فيحيلون التناقضات بينهم إلى تناقضات ثانوية ويتفرغون للخطر الإسرائيلي الرئيسي؟ وفي قمة القاهرة 1970: هل ينجح عبد الناصر في وقف نزيف الدماء التي لا يجب أن تسيل بين المقاومة الفلسطينية والسلطة الأردنية؟ وفي قمة 1978: هل يتمكن النظام العربي من وقف اندفاعة السادات إلى التسوية مع إسرائيل؟ وفي قمة 1987: هل يرتفع النظام العربي إلى مستوى مجابهة التطورات الخطيرة للحرب العراقية-الإيرانية؟ وفي قمة 1990: كيف يكون السبيل الأمثل إلى حماية الأمن العربي بعد الغزو العراقي للكويت؟ وفي قمة القاهرة 1996: هل يقدر النظام العربي على المواجهة السليمة للانقلاب الإسرائيلي على عملية التسوية؟ وفي قمة القاهرة 2000: كيف يدعم العرب انتفاضة الأقصى التي دشن بها شعب فلسطين مرحلة جديدة من مراحل نضاله؟ وفي قمة شرم الشيخ 2003: هل يتمكن النظام العربي من منع عدوان بدا حدوثه وشيكاً على العراق؟
كان الأداء يختلف من قمة لأخرى والأجوبة تتفاوت لكن المهم أن القمم العربية بدت آلية حقيقية لمواجهة المخاطر، تنجح حيناً وتخفق حيناً لكنها تثير الاهتمام وتحبس الأنفاس وتتصرف بوحي من الحرص على المصالح العليا. أما الآن فالاهتمام يبدو فاترا من الغالبية والآمال موؤودة وأصحاب الأفكار يضنون بنصائحهم للقمة لأن ثمة انطباعا عاما بأن المجرى محدد كقضبان السكك الحديدية: لا خروج عنه إلا بكارثة، والكارثة هنا صدام يتحسب له الجميع مع الحقائق الدولية المحيطة بالنظام العربي بل والمتغلغلة في أعماقه.
هكذا لا ينتظر أحد تغيرا نوعيا في أي ملف مهم تعرض له القمة، فالسلام كان وما يزال خيارنا الاستراتيجي الوحيد، وسقفه يقترب من الأرض شيئا فشيئا عبر العقود. تبنت قمة فاس 1982 مبادرة الأمير فهد ولي العهد السعودي آنذاك والتي أسست لتسوية تاريخية بين العرب والإسرائيليين تحميها "ضمانات للسلام"، وبعد عشرين عاماً بالضبط تبنت قمة بيروت 2002 مبادرة الأمير عبد الله ولي العهد السعودي التي تضمنت أركان التسوية التاريخية نفسها لكنها جعلت من التطبيع بين كافة الدول العربية وإسرائيل ضمانا للتسوية، والآن يقال لنا إن هناك من يرى أن الدول العربية يتعين عليها أن تزيل مخاوف إسرائيل! وأن تظهر من حسن النية ما يجعل التطبيع -أو بعض مظاهره- مقدما على وفاء إسرائيل بالتزاماتها، ومن حسن الحظ أن التوجهات داخل القمة لن تمرر هذا الخفض الجديد لسقف المطالب العربية ولكننا يجب ألا ننسى أن هذه الأفكار قد شغلت قمة الجزائر عن أن تهتم أكثر بتفعيل الموقف العربي في التسوية.
وفيما يتعلق بالملف العراقي الذي ستتوقف على كيفية حسمه أمور كثيرة تتعلق بمستقبل النظام العربي والوضع في الشرق الأوسط بصفة عامة إن لم يكن بعلاقات القوى في قمة النظام العالمي تبدو الأمور بالغة الوضوح، فقد ارتضت الدول العربية العملية السياسية التي دشنتها سلطة الاحتلال كإطار لحركتها فقبلت وزير الخارجية في الحكومة العراقية المنبثقة عن مجلس الحكم الانتقالي ممثلاً لدولة العراق في مجلس جامعة الدول العربية لدى انعقاده في سبتمبر 2003 واضعةً بهذا قيدا موضوعيا على حركتها إزاء المسألة العراقية انعكست آثاره على كل تصرفاتها اللاحقة، وسوف يستمر انعكاسها بطبيعة الحال على موقف قمة الجزائر، ومن ذلك الترحيب المتوقع بنتائج الانتخابات العراقية مع أنها غير ذات صلة بمستقبل الاستقرار في العراق على ضوء ما يواجهه من تداعيات التناقض بين قوى الاحتلال وقوى المقاومة، وقد تطالب القمة بأن تشمل العملية السياسية كافة الأطراف العراقية وهو مطلب صحيح، لكنه منبت الصلة بما سيحدث على أرض الواقع فلا الحكومة العراقية المتوقع تشكيلها سوف تقبل حوارا مع المقاومة مثلاً، ولا القوى الرافضة للاحتلال أساسا يمكن أن تقبل المشاركة في عملية سياسية خطط لها الاحتلال، وسوف تدين القمة الإرهاب في العراق وهو موقف حق لكنها لن تتوقف عند التفرقة بينه وبين الحق المشروع في المقاومة.
في هذا السياق كذلك تبدو المسألة اللبنانية- السورية عبئا على القمة، فقد تفاداها المجلس الوزاري الأخير بالقاهرة، وترددت أصوات بعدم جدوى بحثها في القمة لأن سحب سوريا لقواتها وأجهزة مخابراتها من لبنان قد تقرر وبدأ تنفيذه مع أن المسألة تتجاوز بكثير قضية الوجود العسكري السوري في لبنان لأن المطلوب هو تسوية لكل من يجرؤ على رفض الانصياع التام للأوامر الأميركية بالأرض، وقد ترحب القمة بالانسحاب السوري من لبنان كونه إجراءً عاقلاً للتهدئة مع أنه من المؤكد أن التهدئة لن تحدث لأن هناك من خارج النظام العربي من يصر على إشعال الفتنة مما يستدعي مواجهة مختلفة للمسألة، لكن ميزان التأثير بين ما هو دولي وما هو عربي لن يسمح بما يتجاوز عبارات التأييد العامة لسوريا ولبنان دون أدنى تحدٍ للسياسة الأميركية.
في هذا السياق أحالت قمة تونس لعام 2004 ملف التطوير برمته إلى قمة الجزائر وانقضت الشهور العشرة بين القمتين ما بين إعداد دراسات وإجراء مناقشات وعقد اجتماعات لكي نعرف في النهاية أن اثنين أو ثلاثة من هذه المقترحات فقط هي التي ستعرض على القمة وأن واحدا منها بالذات وهو المتعلق بالبرلمان العربي قد يكون صاحب النصيب الأوفر في سباق القمة، ولا نريد أن نزيد الأمور إحباطاً بأن نذكر بالمصير الذي تؤول إليه عادة هذه القرارات من حيث اللامبالاة في الالتزام بالتنفيذ والافتقار إلى موارد التمويل.
يمكننا بطبيعة الحال أن نكون أكثر تفاؤلاً فنقول إن عملية التسوية تتحرك على المسار الفلسطيني، وإن السلوك العربي الرشيد قد مكننا من أن نتفادى أزمة في المسألة السورية- اللبنانية، وإن العراق يسير حثيثاً إلى مستقبل ديمقراطي حر، وإن رحلة التطوير تبدأ بخطوة، لكنه يتعين علينا إذا قررنا تبني مواقف كهذه أن نتحمل المسؤولية جميعا أمام الأمة عما سيؤول إليه حالها طالما يصر النظام العربي الرسمي على التعامل مع قضاياها المصيرية في إطار السقف الذي تفرضه الحقائق الدولية على المصالح العربية.