جريدة الجرائد

نظام مارديني: هل بدأ العد التنازلي لتقسيم العراق؟

قراؤنا من مستخدمي تويتر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك

تركت الانتخابات الاشتراعية في العراق في 30 كانون الثاني الماضي، العديد من علامات الاستفهام حول الوضع الذي سيكون عليه العراق مستقبلا، خصوصا ان شريحة من المجتمع العراقي لم تدخل هذه الانتخابات مشترطة خروج الاحتلال الاميركي.
وبمقتضى النتائج التي اعلنتها المفوضية المستقلة للانتخابات، بدا ان الصراع على السلطة سبّب تفكيك تحالفات وائتلافات كانت قبل الانتخابات، وظهور تحالفات وائتلافات جديدة سيستغلها الاحتلال الاميركي لتكريس الانقسام القائم داخل شرائح المجتمع العراقي.
ان اولى الاشارات الى المنطق "التقسيمي" ضمن الواقع الوطني، طرح احمد الجلبي سيناريو اقليم شيعي في الجنوب مكون من محافظات البصرة وميسان والناصرية. ولم تكن لائحة "الائتلاف العراقي" المقربة من السيستاني المرجعية القوية، بمنأى عن هذا التصريح. وتميل اوساط السيستاني الى تأييد الفكرة، ما دامت تحظى بحماسة سكان الجنوب والاحزاب والقوى الاسلامية الشيعية الرئيسية، فضلا عن المستقلين داعمي الفكرة من دون ضجيج، وهو ما اكده الشيخ منصور كنعان إذ قال "حق الجنوب اقامة فيدرالية، على اساس جغرافي وفقا لما جاء في قانون ادارة الدولة الموقت، الذي يجيز لأي ثلاث محافظات اقامة تحالف"، وقد جاءت موافقة ابراهيم الجعفري المرشح لمنصب رئيس الوزراء، على المطالب الكردية بشأن كركوك المدخل الذي يمكن ان يؤدي الى تفكيك العراق، وهو ما يطرح السؤال الآتي: لماذا سارع الاكراد الى دعم المشروع الفيدرالي في محافظات الجنوب؟ وهذا السؤال يستتبع سؤالا آخر: ماذا يريد اكراد العراق: حكماً ذاتياً.. أم فيدرالية... أو الانفصال؟
لا شك في ان الحكم الذاتي للأكراد العام 1971، وعاش سنوات، انتهى امره وسقط من حساباتهم بعد العام 1991 بخروج شمال العراق عن الحكم المركزي وتمتعه بحماية اميركية بعد تقسيم العراق في ظل الحصار الى ثلاث مناطق (جنوب ووسط وشمال)، فبدأت تتعزز لدى الاكراد اتجاهات استقلالية واضحة بعدما قام الحزبان الكرديان الرئيسان، الحزب الديموقراطي الكردستاني بزعامة البرزاني والاتحاد الوطني الكردستاني الذي يتزعمه جلال الطالباني بإنشاء برلمان كردي وحكومة كردية في العام 1993، الا ان النزعة الانفصالية اشتدت لديهم مع بدء الاستعدادات الاميركية لغزو العراق واحتلاله، واجتماعات الاحزاب العراقية المتعاملة مع قوى الاحتلال المتنقلة بين لندن وواشنطن ومدينة صلاح الدين في شمال العراق، وترعاها اميركا وبريطانيا لوضع خططها وتصوراتها لمرحلة ما بعد صدام حسين، فطرح الفيدرالية نظاما سياسيا للعراق وافقت عليه معظم تلك الاحزاب في وثيقة وضعت آنذاك. وهذا ما يفسر مباركة البرزاني والطالباني للمشروع الفيدرالي في محافظات جنوب العراق.
ووفقا للقانون الاداري الانتقالي ينبغي ان يكون نظام الحكومة في العراق فيدراليا بتقسيمات اقليمية مرتكزة على الجغرافيا أكثر من ارتكازها على الدين او الاثنية. ولكن كيف يمكن لهذا الامر ان يتم عمليا؟ وأين سترسم حدود الاقليم الكردي الفيدرالي في شمالي العراق على سبيل المثال؟ وهل، كما يصر الأكراد، ستدخل فيها مدينة كركوك الغنية بالنفط؟
والتنازل عن كركوك حرض شيعة البصرة، وهي منطقة اخرى غنية بالنفط، على اتخاذ مطالب مشابهة لإنشاء اقليم مستقل. وفي اجل قصير ستسبب هذه الخطوة بالتأكيد ذعراً كبيراً في تركيا التي تتهم اكراد شمالي العراق بتضخيم السجل الانتخابي هناك. وقد ابدى رئيس الوزراء التركي، رجب طيب اردوغان، في اليوم الذي تلا الانتخابات في العراق قلقه من ان تجاهل حقوق "المجتمع التركماني" المحلي في شمالي العراق "لن يؤدي الى اي نتيجة سوى اذكاء النار في المنطقة".
وهكذا يهيمن "الشيعة" في البصرة على السنة، ويهيمن "الاكراد" على العرب في كركوك، ولن يؤدي ذلك الا الى جولات دم سترسم خطوط الدستور الجديد المستمد من دستور "غرينستوك"، المستمد من تجربة دستور "لانكستر هاوس" القبرصي لعام 1960، والذي سيؤدي الغرض في المستقبل على امل ان تحدث تبدلات وتغييرات جذرية في المشهد الاقليمي. اذ لو عدنا بالذاكرة الى تفخيخ الدستور القبرصي لتبين لنا ان هذا الدستور عاش ثلاث سنوات فقط من 1960 الى 1963، ثم تعطل مأزق الاجماع في القرارات الاجرائية بين الرئيس اليوناني ونائب الرئيس التركي، فحصل اجتياح القوات التركية بعد ذلك باحدى عشرة سنة التي قسمت نجمة البحر المتوسط مذذاك.
وكم تبدو هذه القاعدة قريبة من المنطق، في حالة العراق، حيث جرت الاستفادة من نتائج الانتخابات باختيار جلال الطالباني رئيسا للدولة ولتعديل الدستور العراقي. اذ ان في هذا التعديل، الفخ الكبير الذي يحرص الوجود الاسرائيلي المشبوه، المحسوس غير الملموس، على صونه وحمايته بحُجة حماية الوفاق العراقي.. فالوجود "الاسرائيلي" مبثوث في العراق ولا ينكره الا المغالون بالتفاؤل أوالمغالون بالنفاق. كما ان المشروع "الاسرائيلي" التاريخي يعيش في زماننا اليوم اعلى مراحل تألقه وفاعليته.

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف