جريدة الجرائد

د‏.‏ حازم الببلاوي: بين هانتجتون وبن لادن

قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

من الطبيعي أن هناك من لا يعرف من هو هانتجتون‏,‏ أما بن لادن فأغلب الظن أن الجميع قد سمع عنه‏.‏ وكان صامويل هانتجتون قد اكتسب شهرة بين المفكرين في بداية التسعينات‏,‏ وبعد انتهاء الحرب الباردة واختفاء العدو الشيوعي لأمريكا ـ وذلك عندما نشر مقالا في مجلة فورين أفيرز‏ForeignAffairs(1992)‏ عن صدام الحضارات‏.‏ وملخصه أنه مع نهاية الحرب الباردة فإن عصر صراع الأيديولوجيات ـ الرأسمالية والشيوعية ـ قد انتهي ليبدأ عصر صدام الحضارات‏.‏ وعدد أكثر من عشر حضارات كانت علي مدار التاريخ مجالا للصراع فيما بينها‏.‏ وبالنسبة للمستقبل ـ في ذلك الوقت ـ فإنه أشار إلي أن الغرب يمثل الحضارة المسيحية وأنه ـ في الغالب ـ سيواجه صداما مع الاسلام ـ غالبا بالتحالف مع الكنفوشية في الصين‏.‏ وهكذا تنبأ هانتجتون في ذلك الوقت‏,‏ بأنه بعدما اختفي العدو القديم ـ الاتحاد السوفيتي ـ فإن الاسلام هو العدو الجديد للغرب‏.‏ وبعدها بسنتين أصدر كتابه بنفس العنوان وإن عدل بعض الشيء من أفكاره‏,‏

بالقول إن هذا الصراع ليس حتميا‏,‏ بل يمكن تجنبه‏.‏ وقد أثار المقال ثم الكتاب ردود فعل كثيرة‏,‏ حتي أن مجلة فورن أفيرز أشارت إلي أنها لم تتلق في تاريخها عددا من التعليقات بهذه الكثرة منذ مقال جورج كينان في نفس المجلة عن احتواء الاتحاد السوفيتي في‏(1946).‏

وكما هو الحال في معظم الصراعات الفكرية الجديدة‏,‏ تراجع الاهتمام بهانتجتون وبالتالي الحديث عن صدام الحضارات‏,‏ وانشغل الناس والمفكرون بأشياء أخري‏.‏ ومع ذلك فيبدو أنه كان هناك وسط جبال أفغانستان‏,‏ شيخ ـ بن لادن ـ يشارك هانتجتون أفكاره في حتمية الصدام بين الغرب والاسلام‏,‏ ولكنه بدلا من أن يصدر كتابا جديدا أو ينشر مقالا‏,‏ فقد أطلق صواريخ ـ طائرات عملاقة ـ علي أبرز معالم دولة هانتجتون سواء في عاصمتها المالية‏(‏ نيويورك‏)‏ أو السياسية‏(‏ واشنطن‏).‏ وسمعنا ـ والعديد منا لأول مرة ـ أن وراء هذه الاعتداءات منظمة القاعدة والجهاد الاسلامي‏,‏ وظهر علي الساحة بن لادن‏.‏ وهكذا عاد هانتجتون ونظرياته إلي الواجهة من جديد ولسان حاله يقول‏:‏ ألم أقل لكم؟ وقام الشك بين معظم العقلاء من المسلمين هل هذا معقول؟

هذا أمر غير ممكن‏.‏ لعلها مؤامرة‏.‏ ولكن بن لادن نفسه رأي أن يقطع الشك باليقين‏,‏ فخرج هذه المرة ـ ليس بصاروخ أو كتاب ـ وإنما بفيلم تليفزيوني مصور يقول فيه ما معناه‏:‏ نعم فعلنا ذلك حربا علي اليهود والصليبيين‏.‏ أي والله‏,‏ لابد إذن أن يكون هانتجتون محقا‏,‏ فهناك ـ علي الأقل ـ عدد من الجماعات الاسلامية التي لا تري في الصراعات السياسية والاقتصادية المعاصرة إلا وجها واحدا‏,‏ هو الخلفية الدينية لكل الصراعات‏.‏ وهكذا يتضح أن كلا من هانتجتون وبن لادن ـ علي اختلاف مواقعهما ـ متفقان تماما‏.‏ هناك ـ من وجهة نظرهما صراع أديان‏.‏

وإذا كان بن لادن قد أنصف هانتجتون ودعم رؤيته فإنه قدم في نفس الوقت هدية العمر لكل أعداء الأمة العربية والاسلامية‏.‏ ففي الوقت الذي بدأت فيه المقاومة الفلسطينية في الأراضي المحتلة‏,‏ تكتسب قبولا باعتبارها حقا للمقاومة ضد الاحتلال‏,‏ وفي الوقت الذي بدأ فيه الشيشانيون يحققون تعاطفا فيما يلقونه من اضطهاد في ذلك الوقت‏,‏ جاء الانقاذ علي يد زبانية السيد بن لادن‏,‏ بتدعيم المقولة بأن هذه ليست مقاومة ولا حرب تحرير‏,‏ وإنما هي الارهاب الاسلامي حامل لواء الحرب الدينية‏.‏ وهكذا كان بن لادن هو الحليف الموضوعي لأفكار هانتجتون‏.‏ فالاسلام المتطرف ـ وهي صفة للتلطيف ـ هو العدو الأول للعالم‏,‏ ومن ثم ينبغي تهذيبه وترويضه وإعادة تربيته‏.‏ هذا ما فعله بنا بن لادن‏.‏

وبدأت الدول العربية والاسلامية في محاولات لتجميل صورتها وترميم منظرها ـ والحقيقة أن العديد منها يحتاج إلي أكثر من التجميل والترميم ـ وشعوبها ضائعة بين ضغوط خارجية لا أحد يعرف مداها أو حقيقتها وضغوط داخلية علي حكومات منهكة‏.‏

وفي هذه الأثناء لم يكن المفكرون في الغرب ـ وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية ـ عاطلين بل كانوا يفكرون حول الأحداث الجديدة‏,‏ خاصة أن إرهاب‏11‏ سبتمبر قد جاء معاصرا لتطور آخر أكثر خطورة وعمقا وهو مايعرف بالعولمة في ظل القطب الواحد‏.‏ فأصدر المفكر الأمريكي بيرزنسيكي ـ والذي عمل مستشارا للأمن القومي للرئيس كارتر ـ كتابا عن مستقبل الدور الأمريكي فيما اسماه الاختيار‏.‏ وهو يري أن أمريكا وقد أصبح لها هذه القوة الهائلة‏,‏ فعليها ألا تحاول السيطرة أو الهيمنة علي العالم وإنما تعمل علي قيادته‏.‏

وهناك فرق بين السيطرة والقيادة‏.‏ فالقيادة مسئولية‏,‏ وهذا هو الاختيار أمام الولايات المتحدة الأمريكية‏.‏ وفي نفس الوقت أراد هانتجتون أن يدلي بدلوه في الموضوع فأصدر في العام الماضي كتابا جديدا مهما عن المجتمع الأمريكي بعنوان من نحن؟‏Whoarewe?‏ ويقصد بنحن الأمريكيين ما هي هوية أمريكا الآن؟ هذا هو الجدل الكبير الذي يفتحه هانتجتون في كتابه الجديد‏.‏ فماذا يقول؟ يري هانتجتون أن أحداث‏11‏ سبتمبر‏2001‏ قد فتحت بابا مغلقا وبالتالي وجب مواجهته الآن‏,‏ وبصراحة‏.‏ هذا الباب هو السؤال الأعظم أمام الأمريكيين الآن‏.‏ من نحن ؟ ولتكن البداية مع التاريخ‏.‏

ربما فاجأت حرب الاستقلال الأمريكية معظم المستوطنين الذين كانوا يعتبرون أنفسهم رعايا الملك جيمس في لندن‏,‏ وأنهم بالتالي جزء من الشعب الانجليزي ـ من وراء البحار‏.‏ وإذا كان الاستقلال قد أنشأ أمريكا كدولة‏,‏ فإن فكرة الشعب الأمريكي لم تولد إلا مع الحرب الأهلية‏,‏ ثم جاءت الحربان العالميتان الأولي والثانية لتصهر هذا الشعب في وحدة وطنية ومعها ظهرت الهوية الأمريكية ويري هانتجتون أنه قد يكون لدي الشعب الأمريكي حتي منتصف القرن العشرين نوع من الهوية أو الوحدة النفسية والتي تقوم أساسا علي مفهوم المجتمع الانجلو ـ سكسوني البروتستانتي الأبيض‏,‏ وهو ما كان يطلق عليه‏WASP,‏ وأن هذا المفهوم يتضمن عناصر متعددة‏.‏ فهناك عناصر لغوية‏(‏ الانجليزية‏)‏ وعنصرية‏(‏ الرجل الأبيض‏)‏ وعرقية‏(‏ الإنجلو ـ سكسونية‏)‏ ودينية‏(‏ مسيحية ـ بروتستانتية‏)‏ وأخلاقية‏(‏ حب العمل‏,‏ الحرص‏,‏ والتضامن‏)‏ ومؤسسية‏(‏ الفردية‏,‏ حرية الاعتقاد‏,‏ والحريات السياسية ودولة القانون‏)‏

والجديد هنا عند هانتجتون هو أن هذه العناصر قد بدأت تتحلل وتتلاشي الواحدة بعد الأخري منذ بداية القرن العشرين خاصة بعد منتصفه بعد أن زادت أعداد المهاجرين‏,‏ خاصة من غير دول أوروبا الشمالية‏.‏ فالانجليزية‏,‏ لم تعد وحدها هي لغة الولايات المتحدة‏,‏ لقد زادت أعداد المهاجرين من امريكا اللاتينية خاصة المكسيك حتي أصبحت اللغة الاسبانية منافسا للانجليزية في عدد من ولايات الجنوب‏.‏ ولم يعد للبروتستانتية هذه الغلبة مع زيادة الهجرات من أيرلندا ووسط أوروبا وخاصة بولندا حيث أصبحت الكاثوليكية ذات وزن كبير‏.‏ وفي نفس الوقت ازداد التعدد العنصري والعرقي‏.‏ ولم تعد امريكا مجال الاندماج‏assimiliation‏ وصهر الثقافات‏meltingpot‏

بقدر ما أصبحت مظهرا للتعدد الحضاري والثقافي‏Multicultural‏ وهذه التعددية العرقية والثقافية والحضارية واللغوية ليست فقط ظواهر جديدة طرأت علي المجتمع الأمريكي‏,‏ بل انها تجد ـ عادة ـ تأييدا في أوساط النخبة في الجامعات والصحافة ورجال السياسة‏.‏ وفي هذا يري هانتجتون أن هناك انفصاما بين النخبة السياسية التي ترحب بهذه التعددية‏,‏ وبين اتجاهات الرأي العام الذي مازال يتشوق إلي الهوية القديمة‏.‏ وليس هنا مجال التفصيل فيما جاء به هذا الكتاب الخطير‏,‏ بل يكتفي أن نتساءل معه‏,‏ وماهو الحل؟ وماذا يقترح هانتجتون لشكل المستقبل لأمريكا؟ أين الخلاص؟

يري هانتجتون أن المشكلة أصبحت ملحة بعد‏11‏ سبتمبر‏,‏ وأنه لا يمكن السكوت علي قضية الهوية الأمريكية‏.‏ ولكنه عندما يقدم الحل فإنه ـ للغرابة ـ يكاد يتفق مع ما تدعو إليه الجماعات الإسلامية‏.‏ فهو يقول ـ تقريبا ـ ان الدين هو الحل أي المسيحية ـ خاصة البروتستانتية ـ هي الحل في امريكا‏.‏ حقا هناك عقيدة سياسية‏creed‏ علمانية في أمريكا أرساها الدستور الأمريكي ودافع عنها الآباء الأوائل‏,‏ وذلك في كل ما يتعلق بمباديء الفردية واحترام حقوق الأفراد وحرياتهم وبوجه خاص في حرية العقائد وعدم التمييز بكل مظاهرة‏,‏ والمساواة أمام القانون‏,‏

والحكم الذاتي والديمقراطية بكافة أشكالها‏,‏ وأهم من هذا وذاك الفصل بين الدين والدولة‏.‏ فالدولة لا تحابي ـ ولا تعرقل أيضا ـ أي دين أو أي عقيدة‏.‏ الدولة محايدة في قضية الدين وهي تحترم كل الأديان والعقائد‏.‏ هذا هو التراث الأمريكي ـ ولا ننسي ذاكرة الأمريكيين عن المهاجرين الأوائل وهي أنهم هربوا من أوروبا القديمة حيث كان الاضطهاد الديني‏.‏ لقد ولدت امريكا في ظل احترام العقائد وبلا تمييز‏.‏ ولكن هانتجتون يري أن هذه العقيدة السياسية للمجتمع الأمريكي غير كافية ولابد أن تسندها عقيدة دينية‏,(‏ المسيحية البروتستانتية‏).‏ فهنا نجد أن هانتجتون يؤكد من جديد اتفاقه مع بن لادن‏,‏ فبعد أن أعلنا ـ كل علي طريقته ـ أن العصر هو عصر صراع الأديان‏,‏ فإن هانتجتون في تشخيصه للعلاج‏,‏ يري ـ كما يري بن لادن ـ أن الدين هو الحل‏.‏ فالدين لم يعد مظهرا لخضوع العباد ـ كل العباد ـ لرب واحد‏,‏ وإنما تحول ليصبح هوية تميز كل فئة عن غيرها‏,‏ وكما لو كان لكل منهم رب يميز نفسه‏,‏ ويحارب غيره من الأرباب‏.‏ ما هكذا الدين‏!‏

ولذا نجد أن في امريكا ـ كما في الشرق ـ هناك من لايري في المستقبل إلا حروبا دينية مثل بن لادن وهانتجتون‏,‏ في حين أن الأغلبية تري فيه عالما واحدا يحتاج إلي قيادة وبالدرجة الأولي إلي مسئولية‏.‏ ومن أسف أن تلك الأقلية صوتها مرتفع‏,‏ إما عن طريق دوي الرصاص والقنابل أو عن طريق النشر والإذاعات‏.‏ وتظل الأغلبية الكاسحة صامتة ومتألمة وصابرة‏.‏

بن لادن ليس فقط صناعة عربية أو إسلامية‏,‏ فهناك بن لادن في كل مكان‏,‏ ويكفي أن تبحث عنه‏.‏ والله أعلم‏.‏

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف