جريدة الجرائد

فرنسا تحتفل بمئوية جول فيرن

قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

عبد الإله الصالحي

جول فيرن رائد الخيال العلمي والرائي الذي حقق التقدم العلمي العديد من نبوءاته

مئوية أخرى يحتفل بها الفرنسيون هذه الأيام بعد مئوية جان بول سارتر التي لا تزال تظاهراتها مستمرة حتي الساعة. هذه المرة يتعلق الأمر بمرور مئة عام علي وفاة رائد رواية الخيال العلمي الكاتب جول فيرن صاحب رحلة حول العالم في ثمانين يوما و عشرون ألف فرسخ تحت الماء وميشال ستروغوف وغيرها من العناوين التي ترسخت في الذاكرة الجماعية العالمية رفقة شخصياتها المثيرة مثل الكابتن نيمو أو هاتراس التي صارت جزءاً من التراث الأدبي الانساني. وانطلقت الاحتفالات بمئوية جول فيرن أمس في مدينة آميان شمال العاصمة باريس بوضع اكليل ضخم من الزهور علي قبره، نفس الإكليل تقريبا الذي بعثه مسرح شاتليه العريق قبل مئة عام تكريما لهذا الكاتب الذي بفضله حقق هذا المسرح أفضل انجازاته علي مر التاريخ حين عرض الصيغة الممسرحة لرحلة حول العالم في ثمانين يوما أكثر من 2195 مرة بوتيرة متواصلة.
بعد تجاهل مجحف فرنسا تعطي جول فيرن المكانة الأدبية التي يستحقها.

لكن بمن تحتفل فرنسا اليوم؟ هل بكاتب أدب الناشئة أم بأب أدب الخيال العلمي أم بالمتنبئ الثاقب الذي حقق العلماء غالب نبوءاته ؟ إنها ببساطة تحتفل بجول فيرن كعملاق من عمالقة الأدب الفرنسي بعد اجحاف طويل قوبلَ به من طرف معاصريه من النخبة الأدبية الذين يتعاملون معه أبدا بنفس التبجيل الذي كان يعامل به بلزاك مثلا أو الكسندر دوما وغيرهما. وكان جول فيرن صرح مرة لصحافي بريطاني بمرارة وهو في الخامسة والستين من العمر أي بعد كتابته لغالبية أعماله إن أشد ما يحز في نفسي هو أن لا أحد يعترف بي في الأدب الفرنسي . لكن صورة جول فيرن تغيرت كثيرا مع مرور الأعوام. فمن كاتب شعبي محصور في خانة الأدب المدرسي تحول ابتداء من عام 1955 أي خمسين عاما بعد وفاته إلي اسم ادبي له مكانته المتميزة في خارطة الأدب الفرنسي. ونشرت عدة دراسات وابحاث اعادت له الاعتبار وتعاملت مع نصوصه عبر آليات نقدية وجمالية جديدة أسس لها منذ تلك الفترة الكاتب ميشال بيتور من خلال دراسة لافتة حللت رمزية الشخصية الفيرنية وابعادها الثقافية المتشعبة.
وعندما حلت ذكري مرور 150 عاما علي ولادته عام 1978 كان جول فيرن قد تكرس نهائيا كأديب خلاق إلي جانب أدباء النصف الثاني من القرن العشرين عبر التفاتات مهمة لكبار الأسماء الأدبية الفرنسية من اندريه بروتون الذي رصد ريادة الرؤي الحلمية السوريالية في أعماله إلي رولان بارت الذي حيي فيه البعد الغرائبي الخلاق مرورا بميشال بيتور وميشال سير بول كلوديل وجون ماري لوكليزيو. وحاليا يتوفر كم هائل من الأبحاث والدراسات التي ألمت بمختلف أعمال جول فيرن ونبشت في سيرة حياته وعلاقاته مع ناشره بيار جول هيتزيل الذي كان له دور كبير في مسيرته الأدبية وعن علاقة فيرن بالبحوث العلمية والعلماء في زمانه وريادته لأدب الخيال العلمي.

من الذي تغير جول فيرن أم قراؤه؟

لكن الذي تغير في العمق ليس جول فيرن بل أجيال القراء التي تتعاقب من دون أن تتشابه وتقرأه كل عقد من منظور مختلف وبمرجعيات لا تتشابه. فالذي تغير في الواقع هو أن قارئ اليوم الغارق في عالم التكنولوجيا والانجازات العلمية التي صارت جزءاً من اليومي لذا فهو يقرأ نصوص فيرن كمن يطلع علي طفولة العلم الحديث وعلي فترة كان فيها التقدم العلمي باعثا للآمال والأحلام الأكثر جنونا وغرابة. لذا فروايات جول فيرن اليوم تبعث نوعا من الحنين إلي تلك الحقبة التي كان العلم خلالها بصدد نقل البشر إلي عالم جديد مبتكرا يوتوبيا انسانية في غاية الحلمية خصوصا وان عالم اليوم فقد تلك الثقة العمياء في التطور والتقدم العلميين.
وفي الوقت الذي كان فيه الكسندر دوما منكبا علي كتابة الروايات التاريخية كان اهتمام جول فيرن منصبا علي الجغرافيا أو الجغرافيات الممكنة والمستحيلة. وبالفعل فجول فيرن ابن زمانه بالمعني العميق للكلمة. فقد كان مفتونا بانجازات القرن التاسع عشر العلمية الوليدة التي منحت الانسانية امكانية أحلام مغايرة بعد أن انهي المد الاستعماري اكتشاف المعمورة وجعلها تحت سيطرة الرجل الأبيض. وانطلاقا من تلك اللحظة التاريخية الفريدة حلم فيرن بعالم جديد عبارة عن كيان منسجم في اختلافه يمكن للمرء أن يجوله في ثمانين يوما أو يحوم حوله في منطاد أو يغوص أعماق بحوره في غواصة بدائية أو يسبر غور أعماقه في مركبات عجيبة.
وكان فيرن عبر رواياته يزاوج بين الواقعي الصرف والخيال الجامح محلقا في عوالم ساحرة تحت الأرض كما في السماء مرفقة برسوم مذهلة ساهمت لاحقا في ازدهار فن الملصقات وتقنية الكولاج .
وبالنسبة للفيلسوف ميشال سير فعلاقة جول فيرن بالعلم والثقافة علاقة لا تزال تحتفظ براهنيتها في السياق الحالي. ذلك أن فيرن فتح دربا جديدا تكامل فيه العالِم والأديب واتحدا معا لتخيل اختراعات جديدة ما لبثت أن تحققت مع مرور السنين. لكن ذلك التكامل انعدم الآن واختفي بشكل مطلق. فالجامعات الغربية المولعة بأيديولوجيا التخصص أفرزت علماء بدون ثقافة أدبية ومثقفين بدون معرفة علمية وهذا ما يدفع بالكثيرن إلي الدعوة لتكامل جديد بين العلم والأدب.

جول فيرن في عشرة تواريخ:
1828: الولادة في مدينة نانت شمال فرنسا.
1847: غادرها إلي باريس لدراسة الحقوق لكن ما لبث أن اتجه نحو المسرح.
1857: تزوج أونورين دو بيان. واشتغل في البورصة.
1863: يصدر رواية خمسة أسابيع في منطاد ويحقق نجاحا لافتا. بداية علاقة وطيدة مع ناشره بيار جول هيتزيل.
1864: أصدر رواية رحلة في جوف الأرض .
1869: عشرون ألف فرسخ تحت البحار توفر له شهرة في العالم أجمع.
1872: يغادر باريس ويستقر مع زوجته وأبنائه في مدينة أميان بشكل نهائي.
1886: وفاة ناشره وصديقه هيتزيل.
1905: يصدر آخر رواية له وهو علي قيد الحياة غزو البحر .
في 24 آذار (مارس) يتوفي ويُدفن في مقبرة آميان. ولده ميشال فيرن يشرع في اصدار أعماله غير المنشورة
1995: أحد أحفاده يصدر رواية غير منشورة باريس في القرن العشرين .

ميشال بيتور عن جول فيرن: كتاباته نوافذ لرؤية الواقع بطريقة مغايرة

ميشال بيتور واحد من كبار الروائيين الفرنسيين حاليا وما يهمنا هنا أنه بدأ مشواره في الكتابة بدراسة نقدية عن جول فيرن تحت عنوان النقطة الأسمي والعصر الذهبي بتشجيع مباشر من أب السوريالية أندريه بروتون عام 1949. ومؤخرا خصص حلقة دراسية عن أدب جول فيرن لمدة عام كامل في جامعة جنيف. ومن هنا أهمية هذا الحوار الذي أجراه معه ملحق صحيفة لوموند الثقافي.
هل جول فيرن بوصفه محبوبا من طرف القراء المراهقين جعل منه هذا كاتبا هامشيا وقلل من مكانته في أدب القرن التاسع عشر؟
بالتأكيد كتب جول فيرن لشريحة المراهقين لكنه عند نهاية القرن التاسع عشر صارت له قاعدة عريضة من القراء البالغين، ويعود ذلك لكون كتبه تمتعت بانتشار واسع وتمت مسرحة بعض روايته ما جعلها تصل إلي جمهور أوسع. لكن بالفعل كان جول فيرن ضحية هذا الانتشار الواسع، الأمر الذي جعل المثقفين يقللون من شأنه الأدبي مقارنة ببلزاك مثلا أو إميل زولا. شخصيا اعتبرت دائما جول فيرن كاتبا من طراز كبير.
ما الذي لفت اهتمامك أكثر رؤيته السريالية للعالم أو الرحلات الحلمية؟
الجانبان شدا انتباهي. لكن أعمال فيرن لها أيضا بعد تربوي واضح ويمكن أن تُقرأ كرواية ضخمة تعكس ثقافة عصرها وتلقنها للمبتدئين بشكل فعال. لقد لقي فيرن رواجا كبيرا عند المراهقين والتلاميذ لأنه شحن رواياته بحمولة تشويقية هائلة. لذا فالقارئ يجد نفسه يتعلم الجغرافيا وعلم النباتات والتاريخ من دون أن يحس بالجانب التعليمي الممل الذي يطبع الكتب المدرسية لذا فأعماله لم تكن ترفيهية بالمعني الضيق للكلمة. ويكفي للمرء ان يقرأ تقديم ناشر جول فيرن وصديقه هيتزل للجزء الأول من الرحلات العجيبة الذي جاء تحت عنوان مغامرات الكابتن هاتيراس كي يدرك أن هدف فيرن كان رواية تاريخ الكون وحكيه بطريقة مشوقة. هذا المطمح الهائل تطلب منه الكثير من التواضع الأدبي واللجوء إلي تقنيات التشويق والتبسيط العلمي. ما شد انتباهي في روايات فيرن في الواقع هو المقاطع الوصفية التي تتناول مناطق حلمية غريبة أو لحظات استثنائية. كما أن المواقع الأساسية في أعماله (القطبين الشمالي والجنوبي ووسط الأرض) هي بمثابة نوافذ لرؤية الواقعي بشكل مغاير. وعندما أعيد قراءة روايات جول فيرن الآن أفتتن بقدراته الأدبية وبلغته رغم أن مستواه كان متفاوتا بحسب النصوص. علي أي حال حتي ألكسندر دوما كان يعاني من هذا التفاوت...
ألا تدفع الرواية التربوية بالكاتب إلي مأزق اللجوء إلي الكليشاهات والنماذج الجاهزة؟
بدون شك فجول فيرن بدأ مشواره الأدبي بكتابة مسرحيات شعبية. والجانب المسرحي والكوميدي انعكس لاحقا في الروايات. هناك جانب كاريكاتوري في بعض الشخصيات التي تعبر روايته مثل شخصية العالِم، لكن هذا الجانب الكاريكاتوري كان في غاية الحداثة آنذاك. وربما فيرن كان يشترك مع فلوبير في مسرحة البعد المعارفي. غير أن فلوبير كان يحترس من العالم الحديث وقيم التقدم وكان مسكونا بحنين جارف للجنات المفقودة. فيرن كان مولعا بالحداثة والقدرات الهائلة التي تعد بها العلوم رغم أنه في نهاية حياته انتقد قيم زمانه.
عندما توظف مقاطع لجول فيرن في رواياتك تختار المقاطع الأقل روائية التي يبدو فيها السرد وكأنه في لحظة معلقة، أليست هناك مفارقة في هذا التوظيف؟

لا اطلاقا لأن مسار الحكاية عنده غالبا ما يُعَلَّقُ في لحظات تأمل ذات كثافة شعرية. وهذا ما يميز عادة كتابات الروائيين الشعراء. هكذا تصبح المغامرة ذاتها شعرية لأنها مشحونة بالرموز. أنا أيضا في رواياتي لا أهتم كثيرا بالحبكة والأحداث...
هل تعتقد أن أعمال فيرن يمكن أن تقرأ قراءات متعددة؟
نستطيع قراءته بطرق متعددة ونستطيع حتي أن نقترح قراءة نفسانية بحثا عن بصمات من سيرته الذاتية في رواياته لكن القراءة التي تفرض نفسها في اعتقادي هي تلك التي تقرأ أعماله بمقابلتها مع ثقافة النصف الثاني من القرن التاسع عشر في فرنسا. كيف تُرْجِمَتْ هذه الثقافة وكيف انعكست في الاثنتين والستين رواية التي خَلَّفها وراءه؟ لا ننسي أن فيرن كان ملزما بتوخي الحيطة من التأويلات السياسية لأعماله وهذا ما كان يحرص عليه ناشره أيضا. وكمثال علي هذا النجاح الساحق لرواية ميشال ستروغوف في روسيا جعل ناشره يصدر روايات فيرن بالفرنسية في روسيا قبل أن تصدر في فرنسا. وكان عليه تفادي أي مشكل مع القيصر رغم أنه كان يتعاطف مع الشعوب المقهورة. وفي ميشال ستروغوف التجأ فيرن إلي حيلة روائية بحيث صور عبر ساعي القيصر ستروغوف امبراطورية شريرة داخل امبراطورية القيصر الذي يتحول في الرواية إلي رجل الخلاص الذي يستطيع تخليص الامبراطورية الروسية من ظلها الشرير.
هل نستطيع أن نتحدث عن فيرن كروائي عجائبي؟
إذا كان العجائبي يتمثل في توظيف الأشباح والمخلوقات الليلية الشريرة فذلك حاضر في روايات فيرن مثلما هو حاضر في غالبية روايات القرن الثامن عشر. ولعل المثال الأوضح عن هذا النزوع هو رواية قصر كارباث حيث تنجلي كل ألغاز السرد في النهاية عبر حيل علمية وكهربائية أي حلول علمية لحالات غير واقعية. لكن في العمق تبدو حلول فيرن حلولا عقلانية مزيفة. فيرن كان رجلا يحب العلم والعلماء لكن توظيفه للعلم كان مغرقا في الخيال وهذا ما يمنح العجائبي عنده نكهة خاصة. في مجمل أجزاء الرحلات العجيبة مثلا كان هاجس فيرن هو مقاومة الطروحات السحرية والغيبية عبر اقتراح اطروحات عقلية ومنطقية لكن فيرن لا يستطيع وصف العوالم المعروفة والمجهولة من دون اللجوء إلي الاختراع كوسيلة لتبيان الأشياء بطريقة مغايرة تماما عن ما نعتقد معرفته.
هل نستطيع القول أن لجول فيرن مقابلا في الأدب الانغلوساكسوني مثل ستيفنسون وويلز؟
فيرن حالة خاصة بالتأكيد. لكن ويلز يقترب من عوالمه خاصة في رواية الرجل الخفي التي تحفل بالعجائبي. ستيفنسون أيضا له قرابة مع عوالم فيرن.


20 ألف فرسخ تحت النص

عبد القادر الجنابي

علي غرار عبدالإله الصالحي
في مآثر جول فيرن

واحدٌ آخر ليس له مثيلٌ في أدبنا
التقيتُ به في صالات بغداد المثقوبة بالضوء
درتُ مع بطله (فوغ) حول العالم ثمانين يوما
رفعني من الأرض إلي القمر
نازلا بي إلي جزيرة سرية
تحت قيعانها مدينةٌ ـ غوّاصة
تناولت فيها العشاء مع القبطان نيمو
فوجدتني في مركز الأرض.

ہہہ
رصّع خيالَهُ
بآخرَ ما نجمَ في المختبرات
بآخرَ ما كان يتجدد في علوم آنذاك
جاعلا من انشاء الرحلات
دروسا في التربية.

ہہہ
كنّا جزءا من جغرافيته ولم نشعر به
وبينما أنجز هو وكوكبة من العظماء من فتوحات
كنا نُلحقُ الأشباه بالأشباه
منشغلين بتصنيم ما اكتشفه لنا الآخر
من ماض في ديار المخطوطات!

ہہہ
آه لو شط جرجي زيدان بِسِيَرِهِ
نحو التخييل المفتوح
لو فضّل نهضويو قرننا التاسع عشر
عِلمَ المخيلة علي علم الكلام في إثبات البراهين
لو استخدموا سلاح النثر بدلَ إعجاز القرآن
لما كانت كتبُنا أنصافَ كتاب
ولا لسانُنا قرعَ شفتين
وإنما لغة تخلّف عشرات اللغات / الآثار
لكانت الألفُ ليلةٍ وليلةٌ
ألفَ نهار ونهارا
كُتباً تنجمُ بالنثر الذي أخذنا، الآن، نسبح فيه..
ہہہ
المنفلوطي بدأها
لكنه لم يتجشم خوض السرد في المجهول
للإتيان بنحو جديد..
فضاع في الرسائل ووعظ الاقتباسات.
ہہہ
كنا نحتاج، في أول الطريق إلي النثر،
إلي واحد مثل جول فيرن:
عندما كانت أرواحُنا تبحث
عن مكان في الشمس؛
عن وميض
في كيمياء المكتوب
حتي نري عن بعد علامات المجيء.

*شاعر من العراق يقيم في باريس

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف