جريدة الجرائد

يوسـف إبراهيــم : لا حدود لارتفاع أسعار النفط

قراؤنا من مستخدمي تويتر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك

في عام 2005 اجتازت أسعار النفط عتبة تاريخية، وخلقت حقيقة اعتقد أنها ستُدرَّس في كليات الاقتصاد، وتُناقش في المكتب البيضاوي للبيت الأبيض، وتُفحص من قبل خبراء الاقتصاد في منظمة الأوبك في الطابق الثالث من مقرها الرئيسي الكائن في مدينة فيينا، وتُسجل من قبل السائقين الذين يوقفون سياراتهم أمام محطات التعبئة لتزويدها بالوقود. وأثر ارتفاع أسعار النفط، سيكون ملحوظا على تذاكر الطائرات، عندما تقوم خطوط الطيران بتحديد أسعارها للمسافرين، وعلى أرفف محلات السوبرماركت، عندما تقوم صناعة النقل برفع الأسعار التي تتقاضاها مقابل نقل جوالات الأرز والطحين إلى تلك المحلات، وفي أسعار المواد الصيدلانية، والزجاجات البلاستيكية، التي تتم تعبئتها فيها، والتي تحتوي كلها على مكونات بترولية، التي سترتفع هي الأخرى، وفي تكلفة السكن التي ستتزايد حتما مع ارتفاع أسعار التدفئة والتكييف، وارتفاع أسعار المخصبات الكيماوية التي نستخدمها للنباتات الموجودة في حدائقنا. وفي الحقيقة أنه يمكن القول إن أي مجال من مجالات الحياة كما نعرفها في هذا العالم المعقد الذي نعيش فيه، لن يكون قادرا على الإفلات من تأثير هذه اللحظة.

هل هناك نهاية لتلك الزيادة في الأسعار... وهل هناك حد لها؟ الإجابة بناء على كل ما ورد من أخبار، وما يتوافر لدينا من حقائق هي بالنفي. فليس هناك من شيء يمكن أن يحول دون ارتفاع هذه الأسعار ووصولها إلى سعر 60 دولارا بل وربما 70 دولارا للبرميل.

وهذه الإجابة لا تقوم على التكهن، وإنما على حسابات مبسطة. فالعالم الآن يستهلك 83 مليون برميل من النفط يوميا، وفي وقت مبكر من هذا العام، قامت الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وهي الهيئة الأكثر نفوذا في أمور الطاقة، بنشر بيانات صادمة تقول فيها:"إن المستهدف هو زيادة استهلاك العالم من النفط بنسبة 54 في المئة حتى عام 2025... وإن الجزء الأكبر من هذه الزيادة في استهلاك الطاقة العالمية، يتوقع له أن يكون في العالم النامي".

لذلك فإن ما سيحدث في القرن الحادي والعشرين، هو أن العالم سيدخل بهدوء في إطار معادلة نفطية جديدة تماما، وهي معادلة يمكن تلخيصها بإيجاز بالقول إن الإمدادات المحدودة من النفط، لن تكون قادرة على الوفاء بالطلب الجديد والواسع النطاق على هذه المادة الثمينة، من الاقتصادات العملاقة مثل الصين والهند ومعظم قارة آسيا. والحقيقة أن أياً من ذلك لا يمثل مفاجأة في حد ذاته، خصوصا وأن شركات النفط والحكومات، قد دأبت على التحذير منه لما يزيد على عقد من الزمان الآن. وبالنسبة لمنتجي النفط مثل دول منظمة الأوبك وروسيا وغيرها، فإنها يجب أن تبدأ من الآن في رسم خطط طويلة الأمد، بشأن ما ستفعله بالأموال التي ستحصلها من بيع النفط، وأن تحدد فيما إذا كانت ستقوم بإنفاق تلك الأموال على شراء البضائع والأسلحة، أو للوفاء بمستلزمات دولة الرفاه، أم ستقوم باستخدام جزء منها لإنتاج المزيد من النفط؟.

في لحظتنا الحالية يعتبر الفارق بين كفتي الميزان بين ما هو متاح من النفط، وبين ما يحتاجه العالم طفيفا للغاية، إلى درجة أن أي حادث صغير يمكن أن يتسبب في حدوث أعراض شبيهه بأعراض الأزمة القلبية. ففي العشرة أيام الأخيرة، على سبيل المثال، أدى انفجار عرضي في مصفاة نفط تابعة لشركة "بريتش بتروليوم" في تكساس، تقوم بإنتاج 30 في المئة من احتياجات أميركا من البنزين وغيرها من المنتجات النفطية المكررة، إلى رفع أسعار النفط بمقدار دولارين. وقد أدى هذا الارتفاع الفجائي في الأسعار إلى دفع مصلحة "الإمدادات الكهربائية اللبنانية" في بيروت التي تبعد 10 آلاف كيلومتر عن تكساس، إلى المطالبة بزيادة رأس مالها بنسبة 60 في المئة، لتأمين كميات من الوقود تكفي فقط لإبقاء الأنوار مضاءة في لبنان خلال فصل الصيف. ومثل هذا الأمر يحدث في العديد من البلديات في مختلف أنحاء العالم.

علينا أن نتخيل إذن ماذا يمكن أن يحدث، إذا ما أدت أحداث أخرى مماثلة إلى تعطيل إنتاج النفط في دول مثل فنزويلا والعراق والسعودية، وروسيا، ودول خليج المكسيك. إن ذلك يظهر لنا طبيعة الوضع المتقلقل لسوق الطاقة العالمية في الوقت الراهن، خصوصا إذا ما عرفنا أن السعر الحالي للنفط يشتمل على مبلغ يتراوح ما بين خمسة إلى عشرة دولارات، يمكن اعتباره (علاوة خوف) وهي علاوة يمتد تأثيرها ليطال كل شخص تقريبا. بيد أن الموقف الجديد ليس جديدا تماما. فهو يأتي كجزء من التغيير الشامل في مجال الطاقة العالمية. فالطلب على النفط يتزايد من قبل القوى الصناعية الجديدة، علاوة على أن شركات النفط الكبرى لم تعثر على أي موارد جديدة وذات أهمية من النفط والغاز الطبيعي خلال العقدين الماضيين، كما أن طاقة الإنتاج من بحيرات النفط الضخمة المكتشفة من قبل قد وصلت إلى أقصى مداها، كما هو الحال في منطقة بحر الشمال وحقول النفط في آلاسكا على سبيل المثال.

أما الاكتشافات الجديدة فهي محدودة، وستحتاج إلى وقت طويل كي تدخل مرحلة الإنتاج الفعلي، علاوة على أنها تظل غير كافية في نهاية المطاف.

هناك قاعدة عملية في عالم النفط، وهي أنه يجب استثمار ما بين 30 إلى 50 مليار دولار لإنتاج مليون برميل إضافي من النفط يوميا. وهذا المبلغ يستخدم في عمليات إنتاج النفط، ونقلة إلى الأسواق، ووضعه في خطوط أنابيب، وبناء الموانئ، ومنشآت التخزين، واستئجار الناقلات. والأمر المؤكد في هذا السياق هو أن المملكة العربية السعودية والعراق وحدهما يعومان على تريليون (ألف مليار) برميل من النفط موجودة تحت رمالهما، ولكن معرفة ما إذا كانت هاتان الدولتان ستقومان بإنتاج النفط، أو تستطيعان ذلك، أو تريدانه سيكون أمرا متعذرا، ومفتوحا للتكهنات.

وهنا قد يتساءل البعض: هل سيقوم كل من العراق والمملكة العربية السعودية بتفضيل خيار ضخ أموالهما في الأرض، حتى تستخرجا منها النفط، أم هل ستقومان بدلا من ذلك بإضافة تلك الأموال إلى ميزانياتهما، وتخصيصها لسداد الديون، وشراء الطعام، واستمرار دولة الرفاه؟ الشخص العادي قد يجيب على هذا التساؤل بالقول طالما أنهما تملكان النفط فإنه من الأفضل لهما أن تقوما باستخراجه. ولكن الإجابات قلما تكون على هذا القدر من السهولة، لأن الحقيقة هي أن معظم الدول المنتجة للنفط هي دول فقيرة، وغالبا ما تكون في حاجة ماسة للحصول على المزيد من الدخل من النفط، الذي يمثل أهم مصدر دخل لها، وفي بعض الأحيان مصدر دخلها الوحيد.

لذلك فإن مثل تلك الدول قد ترى أن إبقاء السعر عند حدود 55 دولارا للبرميل من خلال عدم زيادة الإنتاج والإمدادات، هو الخيار الأفضل. فطالما أن النفط نفطها، فإن القرار يجب أن يكون قرارها.

في الختام، أقول إن النفط ليس سلعة عادية مثلها مثل القهوة، أو الكاكاو أو عصير البرتقال، تستجيب ببساطة للعرض والطلب، وإنما هو سلعة "استراتيجية" تتحكم فيها السياسات، والاحتياجات الاقتصادية للدول التي تقوم بإنتاجها (وهي احتياجات مرتفعة) كما يتحكم فيها أيضا السعر المدفوع فيها، والذي يمكن أن يلحق الركود بالاقتصاد العالمي، إذا ما كان مرتفعا جدا. وهي خلطة معقدة للغاية كما نرى.

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف