عصام نعمان: إيران تتدخل وفرنسا تتوازن وأمريكا تتردد
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك
ظنّت سوريا، غداة صدور القرار ،1559 انه سيكون في مقدورها ان تنسحب من لبنان عسكرياً وان تبقى فيه سياسياً. تصرفت على هذا الأساس بثقة واطمئنان إلى ان وقعت جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، رحمه الله. غداتها تفجّر غضب الشعب في شبه تسونامي نفسية وسياسية. أمريكا وفرنسا سارعتا إلى ركوب الموجة العاتية التي جرفت نفوذ سوريا في مدى أيام قلائل. عندها قررت دمشق تسريع انسحابها العسكري. لكن واشنطن طمعت في المزيد: انسحاب النظام السوري من دمشق نفسها!
إيران تفهمت غضبة شعب لبنان ولم تحرّض سوريا على الاحتفاظ بقواتها فيه، لكنها اندهشت لسرعة انسحابها العسكري منه. وعندما لاحظت تعاظم الضغوط الأمريكية على دمشق، هبّت إلى نجدتها. عرضت، بادىء الأمر، أن تساندها بنشر قوة عسكرية في المواقع التي تراها مناسبة. دمشق تهيّبت الخطوة الإيرانية. آثرت مقاربةً مغايرة: ان تتدخل طهران مع باريس وتلفتها إلى خطورة الهجمة الأمريكية وانعكاسها على نفوذ فرنسا في لبنان والمنطقة. طهران وافقت وباشرت مهمتها على الفور، وباريس تجاوبت بعد لقاء جاك شيراك مع ولي العهد السعودي الأمير عبد الله بن عبد العزيز.
كانت دمشق قد طلبت إلى الرياض الشيء نفسه. الأمير عبد الله تحمّس للفكرة وقرر مفاتحة شيراك في أثناء زيارته فرنسا. وفي باريس تمكّن فعلا من إقناع الرئيس الفرنسي بالكف عن الضغط على دمشق بعدما تعهدت بتسريع عملية سحب قواتها لتتم قبل آخر الشهر الجاري.
بقيت ضغوط الولايات المتحدة. يبدو أن جهداً دبلوماسياً فرنسياً سعودياً مشتركاً اقنع واشنطن أخيراً بوقف هجمتها السياسية المتصاعدة على سوريا لقاء تعهد دمشق بالانسحاب سياسيا من لبنان وليس عسكريا فقط. غير أن واشنطن اشترطت أن يتم امتحان الوعد السوري من خلال المشاورات التي كانت دائرة لتأليف حكومة جديدة تخلف حكومة عمر كرامي المستقيلة. دمشق وافقت وأوقفت فورا اتصالاتها بالمسؤولين والنواب اللبنانيين. تجلّى موقف دمشق بوضوح عند مباشرة الاستشارات النيابية لتسمية رئيس الحكومة الجديد. فقد حاول النواب “الحدوديون” من أنصارها في منطقتي عكار والبقاع استمزاج رأيها في من تريدهم أن يختاروا من بين مرشحين صديقين لها: نجيب ميقاتي أم عبد الرحيم مراد. دمشق رفضت إعطاء “كلمة السر” كما كانت تفعل في الماضي، فكان ان قرر النواب “الحدوديون” اختيار المرشح الذي يؤمّن مصلحتهم الانتخابية المحلية. هذا ما يفسر ظاهرة انتقال بعض نواب عكار والبقاع الغربي وزحلة من ضفة الموالاة المتصلبة بشخص مراد إلى ضفة الموالاة المرنة بشخص ميقاتي.
مساء يوم الجمعة الواقع في 15 نيسان / ابريل أعلن القصر الجمهوري تكليف ميقاتي تأليف الحكومة الجديدة. ما دلالة هذا التاريخ والتكليف؟ انه تاريخ انسحاب سوريا سياسياً من لبنان قبل انسحابها عسكرياً وفق الموعد المحدد في 30 الشهر الجاري. بذلك أصبح ميقاتي طليق اليدين في تأليف حكومته.
هل رضيت واشنطن بنتيجة ما حدث؟
نعم، رضيت لكن رضاها جزئي ومؤقت.
هو جزئي لأن أغراضها تتعدى مسألة الإسراع في تأليف حكومة لبنانية جديدة وتوفير الظروف المناسبة لإجراء الانتخابات قبل آخر شهر أيار/ مايو المقبل. ذلك بأنها تريد تجريد المقاومة الإسلامية (حزب الله) من السلاح والضغط على لبنان (وسوريا) للقبول بتسوية سياسية مع “إسرائيل” على شروط هذه الأخيرة.
هو مؤقت لأن واشنطن قررت، على ما يبدو، عدم الاصطدام بفرنسا وايران والسعودية في الوقت الحاضر لئلا يتسبب ذلك في تعطيل عمل الحكومة الجديدة من جهة وإفساد التحضيرات اللازمة من اجل إجراء الانتخابات في موعدها من جهة أخرى. اجل، كل شيء يمكن تأجيله في سبيل تأمين إجراء الانتخابات لأن نتائجها المرتقبة كفيلة، في رأي مسؤولي الخارجية الأمريكية، بحمل المعارضة الى سدة الحكم. بعد الانتخابات، لكل حادث حديث!
غير ان واشنطن لم تتقبل هذه التسوية مع فرنسا والسعودية إلاّ على مضض بعد ان حاولت، بالطرق الدبلوماسية، وأخفقت في إغراء دمشق باتخاذ خطوة تكفل في رأيها لنظامها البقاء. فقد طلبت اليها التدخل مع ايران من اجل قيام هذه الأخيرة بالضغط على حزب الله ليعيد اليها ألف صاروخ بعيد المدى من طراز كاتيوشيا وغيره مقابل غضّ النظر عن سائر أسلحته المتوسطة، فتبقى تنظيماته المسلحة قائمة في إطار المجلس الأعلى للدفاع، ويجري “تطبيع” علاقته مع سائر الجماعات اللبنانية ليمارس نشاطه كحزب سياسي مسالم.
سوريا وإيران رفضتا هذا الاقتراح وفسرتاه بأنه دليل إضافي على انحياز أمريكا المستمر إلى “إسرائيل” وتصميمها على محاولة تصفية كل أشكال المقاومة للهيمنة الأمريكية والصهيونية في العالم العربي.
حتى لو اضطرت سوريا وايران إلى وقف مساندة حزب الله لأي سبب من الأسباب فإن الحزب أعلن بلسان زعيمه السيد حسن نصرالله انه لن يلقي السلاح، وانه سيقطع اليد التي تمتد اليه أياً كانت الجهة التي تنتمي إليها. اجل، ضمانة حزب الله هي في نفسه ليس إلاّ، وهو لن يتوانى عن الدفاع عن نفسه بكل الوسائل المتاحة إذا ما تعرض لاعتداء من أية جهة من الجهات.
إيران تدخلت لحماية سوريا، وفرنسا توازنت في مواقفها لتحمي مصالحها لبنانيا وإقليميا. أما أمريكا فما زالت تتربص بسوريا وتهيئ أنصارها في الانتخابات اللبنانية وبعدها ليباشروا جولة سياسية وربما أخرى عسكرية ضد حزب الله.
وحزب الله للجميع بالمرصاد.