كرامي مستعد لإرضاء سورية
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك
تروج في بيروت شائعات حول تعميمات للمصرف المركزي بشأن الإيداعات وشروط جديدة عالية لتسييل الأموال المجمدة، وقلق من تطورات مالية اقتصادية تطيح بالاستقرار النقدي وأجواء من حمى دولرة (من دولار) النقد لحماية القيمة.
الرجل القوي (رفيق الحريري) الذي طالما صور نفسه وصوره الإعلام بأنه أهم ضمانات الاستقرار في لبنان رحل، ويبدو من التعامل السوري الأولي مع رفيق الحريري بأنه تم ترحيله إلى غير رجعة، على الأقل على المدى المنظور، وهو سحب طاقمه حتى من المشاركة بالحكومة المقبلة، وأحاديث تدور تشبه الثرثرة الرمضانية بان الحريري سيغادر البلاد، سيعيش في طائرته دائرا بين بلاد الله الواسعة حيث تنتشر استثماراته، وسيكون مركز دائرته المملكة العربية السعودية.
الا انه من المعروف عن الحريري أمرين، لا ينام على ضيم ولا يدلي بما ينوي فعله سلفا، وبالتالي فان إشارته إلى "استيداع الله لبنان وشعبه" قد تكون لأمد مؤقت فقط إلى حين تبدأ حمى الانتخابات النيابية، والتي يعلم هو قبل غيره ان الدخول فيها يسمح بخطاب سياسي حاد، يمكنه ان ينتقد كل شيء واي شيء، بما فيه حلفائه السوريين، الذين تعامل معهم كأمر واقع وعاملوه كوسيط تجاري.
الانتخابات النيابية في الربيع المقبل قد تكون فرصة أخرى للعودة الكبيرة لرفيق الحريري، كما كانت العام 1992 فرصة دخوله المظفر إلى بلد ينهض من دمار الحرب الأهلية، ففي أيار (مايو)من العام 1992 أطاحت تظاهرات، اشتهرت بحرقها للإطارات المطاطية في الشوارع، برئيس الحكومة عمر كرامي آنذاك، او عمر بيك كما يلقبه ابناء مدينته طرابلس.
وبعد انتفاضة الاطارات أتت حكومة ترأسها رشيد الصلح الذي حضر لانتخابات خسرها بالكامل، وقرر النواب المنتخبين حينها ان يترأس حكومة "الإنماء والاعمار" رفيق الحريري، الذي كان دخل البرلمان قبلها بعدة أشهر بمشروع "إعادة اعمار الوسط التجاري لمدينة بيروت"، او السوليدير، المثير للجدل دائما.
الرئيس عمر كرامي، الذي عاد إلى الواجهة اليوم بحكومة مواجهة دولية، هو شقيق للرئيس رشيد كرامي، الذي قتل في عملية اغتيال بمتفجرة زرعت في مقعد طائرة مروحية كانت تقله إلى العاصمة بيروت العام 1987، ومن هنا يستنتج الكثيرون من أهل السياسة في لبنان ان عمر كرامي نائب بالصدفة، ووزير بالنيابة ورئيس حكومة بالوراثة، ولكنه امتاز في كل المناصب التي شغلها بكرهه للحريري وتندره عليه، اضافة إلى تعليقاته الساخرة التي حرص على القائها ضد الحريري أمام شاشات التلفزة في الجلسات العلنية للبرلمان اللبناني، والتي كثيرا ما أربكت الحريري الذي اكتفى في معظم الاحيان بالصمت والتجاهل. ولكن بكل الاحوال فان الحريري وكرامي هما على طرفي نقيض في ميزان السلطة، هبوط كرامي ادى إلى صعود الحريري، واليوم يحصل العكس تماما.
اذا، انتهت الاستشارات وستبدأ المشاورات، الاستشارات ادت إلى تكليف الرئيس عمر كرامي برئاسة الحكومة المقبلة، والمشاورات ستؤدي، كما بات معروفا ومنذ اعلان رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري عن اعتذاره ترؤوس هذه الحكومة، إلى تشكيل حكومة سياسية مهمتها "مواجهة التدخلات الدولية" بالشأن اللبناني والسوري. وستكون حكومة المواجهة السياسية مكونة من ثلاثين وزيرا، وتضم تمثيلا حزبيا من الاتجاه الذي ايد التمديد لرئيس الجمهورية اميل لحود.
ولكن الحريري سيفضل حتما السفر خارج لبنان، لن يجلس هذا الرجل وسط جو صار معاديا، ولن يشاهد في الاعلام المحلي كيفية معاملة من هم محسوبين عليه من قبل السلطات، حيث سبق ان شاهد ذلك عقب انتخاب الرئيس الحالي العام 1998، حين لم يترأس الحكومة وتعرض الموالون له لحملة ملاحقات قضائية واسعة بتهم فساد ورشوات و صفقات وغيرها، ورغم ان لحود تعهد للحريري بعدم تكرار ما حصل في العام 1998، فان تهكمات الرئيس المكلف بالحكومة كرامي ليست مدرجة حتما في ما حصل العام 1998، وهي ستطاول الحريري وحلفائه من على المنابر الإعلامية الرسمية وغيرها.
بالنسبة لعمر كرامي فعلاقته مع سورية باحسن احوالها الان، بعد ان كانت في اعوام مضت سيئة إلى الحد الذي كان فيه كرامي يعتبر من المعارضين للتدخل السوري في لبنان، ولكنه اليوم جاهز للقطع مع الغرب ان استلزم الأمر، ولفرض تقنين كهربائي على مواطنيه اذا لم تتوافر الموازنات المالية لشركة الكهرباء، انه حاضر للقيام بالخطوات الصعبة، وسيقوم حتما بمحاولة لنقد سياسة الحريري الاقتصادية، التي طالما انتقدها، وسيقوم ولا شك بمحاولة اعادة جدولة السياسة المالية برئاسة لحود، ومن غير المتوقع ان يعترض على وجود لحود في كل اجتماعات مجلس الوزراء، وهو ما كان مثار الكثير من الخلافات بين لحود والحريري الذي يرى في وجود الاول تعطيلا لدوره، حيث دستوريا يترأس رئيس البلاد الحكومة بحال حضوره لجلساتها، وادت مواظبة لحود على الحضور إلى تحوله لرئيس مجلس الوزراء اضافة إلى منصبه الرئاسي.
طالما ان دمشق قررت ان ملف العلاقات الدولية يمكن ان يحتمل المواجهة في لبنان، بعد التسويات على الحدود مع العراق، فان الحريري سيبقى بعيدا بعض الشيء، وبغض النظر عن كونه ابعد، وابتعد في نفس الوقت، فهو ينتظر اللحظة التي يعود فيها بقوة إلى لبنان، مصدر اسطورة "رجل الانماء والاعمار".
يبقى ان نذكر ما قاله وليد جنبلاط بعد زيارته للحريري ليل الخميس، "ليس (عمر كرامي) من يشكل الوزارة، مسكين الرئيس كرامي، ليس هو من يشكلها ويا ليته هو الذي يشكلها، ويا ليت لديه حرية الحركة ليشكلها".