حصان طروادة الثاني لأميركا في أوروبا
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك
التركي الولهان يبحث عن مكان تحت الشمس
حصان طروادة الثاني لأميركا في أوروبا
ابراهيم الياس من اسطنبول: نشرت صحيفة بيلد ( الصورة ) الالمانية تحقيقا مصورا حول تركيا، بمناسبة قبول الاتحاد الاوروبي بدء المفاوضات معها – وهي مفاوضات ستستغرق حوالي ثماني سنوات اعتبارا من 6 تشرين الاول (اكتوبر) الجاري - اكدت فيه " أن لتركيا وجوهًا عديدة وجميلة: ارضا ومناخا، حيث يمتد الساحل التركي ذو المناظر الخلابة عبر الاف الاميال من البحر الابيض المتوسط الى بحر ايجة فالبحر الاسود. بينما تشتهر اسطنبول باسواقها التاريخية العامرة وقصورها الشاهقة الرائعة ، في حين تتميز باموك قلعة (القلعة البيضاء) وكبادوكيا بخصائص تاريخية وجمالية مثل مناطق تروفا وبرغمة وأفس ذات النكهة التاريخية العريقة ، اضافة الى جبال آغري التي– وكما يعتقد – رست سفينة نوح عليها . ومن هنا اصبحت تركيا احدى الدول الخمس التي يتوجه اليها الالمان للسياحة والاصطياف، باعتبارها احدى البلدان الخمسة القريبة الى نفوسهم ، لاسيما وان " تركيا هي البقعة التي يقبّـل فيها الشرق، اوروبا " .
وكان مسعود ييلماز ، رئيس وزراء تركيا الاسبق ( 1993 – 2002 ) والسياسي البيروقراطي والمحاضر في احدى الجامعات الالمانية حول شؤون تركيا المعاصرة ، قد اصدر مع بداية العام كتابه الجديد "تركيا والاتحاد الاوروبي: نحو شراكة حقيقية" باللغة الانكليزية، وتطرق فيه الى مزايا قبول تركيا في الاتحاد الاوروبي ، كما رد فيه الحجج التي يسوقها المعارضون لدخول تركيا الى الاتحاد، التي لخصها في 14 بندا ، كان على رأسها الاعباء المالية ( 20 مليار دولار سنويا ) والنمو الديموغرافي ، والسيطرة على البرلمان الاوروبي والاختلاف الثقافي والتراثي ( العقيدة الاسلامية ) غير المنسجم مع التراث الاوروبي ... ومشاكل الاقليات واخيرا ستكون تركيا حصان طروادة الثاني – لواشنطن – بعد انكلترا ، في اوروبا .
ومن هنا عندما تحدث ييلماز ، في منتدى ( الباخ ) النخبوي في فيينا ، بداية شهر ايلول (سبتمبر) الماضي حول موضوع "الحدود السياسية لاوروبا" .... اثار انتباه هذه النخبة الاوروبية من الحضور ( واكثرهم من النمساويين والالمان ) : السياسيين والبيروقراطية الحكومية الرسمية والخبراء واكاديميين وطلاب علم وثقافة وصحافيين .... وغيرهم ، إذ اصبحت محاضرته مدار مناقشات طويلة في ذلك المنتدى.
واذا كان معظم المحللين العرب قد اكدوا في طروحاتهم ان " اوروبا تماطل في قبول تركيا المسلمة في ناديها المسيحي ، لانه من غير الطبيعي قبول دولة شرقية اسلامية متخلفة في اوروبا المتقدمة صناعيا وزراعيا وعلميا وتكنولوجيا" ... فانهم ينسون او يتناسون مستجدات الواقع التركي بعد فوز خبير البنك الدولي ، والاقتصادي العالمي المرموق ، رئيس حزب الوطن الأم ذو الاتجاه الاسلامي والجنرال المدني التركي طورغوت اوزال (1927 - 1993) على جنرالي الجيش ورئيسي حزب الاحرار واليسار الديموقراطي ، المؤيدان من قبل القوات المسلحة في انتخابات 1983 .
كما اضاف زلزال 11 سبتمبر الذي ضرب مانهاتن الاميركية ، حقائق اخرى جديدة على الواقع التركي التي اهلتها لنيل الوعد بقبولها في الاتحاد الاوروبي ، لاسيما بعد فوز نموذج ( الاسلام التركي ) المعتدل بزعامة رجب طيب اردوغان، رئيس حزب التنمية والعدالة في انتخابات 3/11/2002 فوزا ساحقا على الاحزاب السياسية التقليدية ، بحيث استطاع اردوغان تشكيل الحكومة التركية وحده ودون ائتلاف مع احزاب اخرى .
وقد ولد نموذج الاسلام التركي نتيجة تفاعل اربع حقائق اساسية– في الواقع التركي – خلال العقد الاخير من القرن العشرين ، هي :
اولا – الحقيقة التاريخية القائمة على الثورات الكمالية ( 1924 – 1932 ) التي ارست اسس الاصلاح الاجتماعي في تركيا العلمانية وفق التوليفة المعتدلة : الاسلام – القومية – المعاصرة .
ثانيا – الحقيقة السياسية القائمة – بعد الحرب العالمية الثانية – على التعددية السياسية الورقية ، ثم على التعددية الاجتماعية – السياسية بعد انقلاب 27أيار (مايو)1960 واخيرا على التعددية الديمقراطية بعد تولي طورغوت اوزال رئاسة الجمهورية (1990 – 1993 ) كأول رئيس جمهورية ذي اتجاه اسلامي في تركيا العلمانية ، يؤدي فريضة الحج ويدفع بالجمهورية التركية للانتماء الى منظمة المؤتمر الاسلامي.
اضافة الى بروز الدعوة – في عهده - الى اقامة الجمهورية الثانية ، وهي الفكرة التي كانت تدعو الى " ضرورة اعادة النظر في اسس الثورات الكمالية الاجتماعية من اجل ترسيخ الاسس الديمقراطية في تركيا ، مع منع العسكر من التدخل في السياسة واخضاع عقود القوات المسلحة للمساءلة عن طريق دائرة المحاسبات العامة .
وكان عالم السياسة التركي البروفسور محمد الطان – سليل عائلة الطان اليسارية – قد طرح مع جنكيز تشاندار ... ذلك الصحافي المناضل الذي حارب في صفوف الفلسطينيين ضد الغطرسة الصهيونية وحامل درجة الدكتوراه في العلوم السياسية ، ثم المستشار الاعلامي للرئيس اوزال ( 1990 – 1993 ) والذي اقنع الرئيس اوزال بطرح فكرة ( الفيدرالية ) التركية - الكردية للمناقشة على صفحات الجرائد التركية عام 1993 .
ولكن موت الرئيس اوزال ، الغامض وانتخاب سليمان دميرال لرئاسة الجمهورية خلفا له ، القى بكل تلك الافكار في مياه الدردنيل وإن بقي صداها يتردد الى اليوم، من خلال ظهور الدعوات الى اجراء الاصلاحات السياسية في البلاد للقضاء على البيروقراطية والفساد وكف يد الجيش من التدخل في السياسة ، اضافة الى اعادة الاستقلالية للقضاء التركي ، بعد ان استطاعت الاحزاب السياسية التقليدية تسييس كل شيء في تركيا .
ثالثا – ردود فعل منظمات المجتمع المدني التركي الغاضب والعنيف ، ضد الانقلاب العسكري الابيض الذي قاده قائد القوات البحرية الجنرال غوان – وهو احد الجنرالات الخمسة الذين كانوا يؤلفون الحكومة الخفية المسيطرة على كل شيء في تركيا – عندما طالب رئيس الوزراء المنتخب نجم الدين اربكان ، في مجلس الامن القومي في اجتماعه المؤرخ 28/2/1997 " بضرورة القضاء على الرجعية التي ذرت بقرنها في البلاد والتي تعمل علنا للقضاء على العلمانية والثورات الكمالية من خلال دعوة شيوخ الجماعات الاسلامية الى طعام الافطار في مجلس الوزراء وغض الحكومة النظر عن النشاط الرجعي في البلاد وسماحها بفتح مدارس الائمة والخطباء ودورات تدريس القران في طول البلاد وعرضها " وإلا فإن القوات المسلحة التركية – حامية النظام العلماني والديمقراطية الكمالية – التي ترفض الآخر غير العلماني التركي بحجج الاصولية او الانفصالية او الرجعية .... ستتحرك لوضع الامور في نصابها .
وتردد في الكواليس السياسية – آنذاك – ان تهديدات مبطنة قد وجهت الى تانسو تشيلر ، نائبة رئيس الوزراء ووزيرة الخارجية ، رئيسة حزب الطريق القويم المؤتلف مع حزب الرفاه برئاسة اربكان في الحكومة السابعة والخمسين ، بضرورة الانسحاب من الحكومة . لاسيما وان المدعي العام الجمهوري وورال صاواش كان قد اقام منذ تولي اربكان للحكم دعوى امام محكمة الدستور لغلق حزب الرفاه بتهمة " الترويج لاقامة الجمهورية الاسلامية على غرار الجمهورية الاسلامية الايرانية ، في تركيا من خلال خطب زعماء الحزب " . واصدرت محكمة الدستور قرارها باغلاق الحزب ، ورئيسه – لا يزال - في الحكم ، فاضطر اربكان – امام جميع هذه الضغوط - الى تقديم استقالة حكومته الى رئيس الجمهورية في حزيران (يونيو) 1997 .
لكن تسييس الاصولية العلمانية التركية – التي ترفض الراي الاخر رغم الديمقراطية التعددية المعترف بها دستوريا – للقضاء من اجل ضرب الخصوم ، وانتهاكها لحقوق الانسان التركي الذي انتخب حزب الرفاه بالاكثرية النسبية بحيث فاز رئيسه ( اربكان ) برئاسة الحكومة ... قد أحدث شرخا في وجدان الراي العام التركي ، مما دفعه الى مساندة حزب العدالة والتنمية في انتخابات عام 2002 ليس للفوز بالاكثرية النسبية – مثل الرفاه – فحسب ، وانما للفوز بالاكثرية المطلقة التي حملت رئيسه ( رجب طيب اردوغان ) ذي الاتجاه الاسلامي ، الى سدة الحكم ، ودون الحاجة للائتلاف مع الاحزاب الاخرى .
رابعا – الاسلاموفوبيا الذي يتلظى بنارها الغرب الديمقراطي – لاسيما الولايات المتحدة الاميركية – نتيجة سيطرة تنظيم "القاعدة" على مقاليد الامور في افغانستان ، واتخاذها قاعدة لتهديد انظمة الحكم العربية والاسلامية باتهامها بالمروق عن الاسلام ... والدول الغربية الديمقراطية بالكفر والالحاد واعلانها – أي القاعدة - الحرب على الجميع . وادت احداث 11سبتمبر الارهابية – التي ركب ابن لادن موجتها – الى موجة من الهلع والرعب ، نتيجة الخوف من العمليات الارهابية المماثلة بعد اتهام الادارة الاميركية الجديدة بزعامة المحافظين الجدد ( الحكومة الخفية ) المسيطرة على مقاليد الامور في واشنطن ، للعرب والمسلمين برعاية وتمويل الارهاب الاصولي ( تنظيم القاعدة ) واعلان الرئيس بوش الابن الحرب الاستباقية ضد افغانستان ثم احتلاله – مع حلفائه – للعراق ودعوته الى ضرورة تغيير وجه الشرق الاوسط الكبير الممتد من نواكشوط غربا الى حدود الصين الشعبية شرقا .
وادى هذا التهديد المزدوج البوشي – الابن لادني ، الى ارخاء القابضين على الحكم في العالمين العربي والاسلامي ... من قبضتهم على اعناق شعوبهم ، فتعالت مطالبات الاصلاح والديمقراطية والشفافية والتصالح الاجتماعي في معظم اقطار العالمين المذكورين . كما سرت موجة من التسامح الفكري مع الاخر المعارض او المغرد خارج السرب ، وقويت شكيمة المجتمع المدني – في تلك البلدان – في التعبير الديمقراطي فكان التكيف السياسي – الاجتماعي لتقريب وجهات النظر حول القضايا العامة والمصيرية التي تشغل بال الراي العام في معظم تلك البلدان .
ومن هنا التقت الكمالية المعتدلة – غير الشوفينية - مع الاسلام المعتدل الذي كان يدعو اليه رجب طيب اردوغان ومجموعة نواب البرلمان الذين انفصلوا عن حزب الرفاه بعد غلقه ، وشكلوا حزب العدالة والتنمية . وترسخ هذا اللقاء بعد اعلان حزب الدالة والتنمية التخلي عن ايديولوجية ( النظرة القومية – الوطنية ) التي يدعو اليها اربكان – وهي الرديف للاسلام السياسي - وزعماء حزب السعادة الذي الفه نواب حزب الرفاه بعد غلقه . إذ ادى هذا الالتقاء في منتصف الطريق بين العسكريين والمدنيين الى اتفاقية جنتلمان بين اردوغان والجنرال الليبرالي المعتدل حلمي اوزكوك رئيس اركان الجيش التركي ، بعدم المماحكة اوطيّ الذراع بينهما تحقيقا للمصالحة الوطنية لمواجهة اخطار الارهاب وللتوجه نحو الاتحاد الاوروبي ، حلم تركيا منذ نصف القرن الماضي ، من اجل السير على هدي الديمقراطية الكمالية القائمة على التواؤم المعتدل بين الاسلام والقومية والحداثة .
ان الاسلام التركي الاصلاحي هو ثورة الدين على الادارة السياسية التي مارسها السياسيون الماكيافيليون طيلة الاربعين عاما الماضية من عمر الجمهورية التركية من جهة ، والالتزام باجراء الاصلاحات الجذرية – التي وعد بها اردوغان لناخبيه – في جميع مناحي الحياة من خلال شعار " توفير الاكل والعمل والعدالة والحرية لكافة ابناء الشعب " الذي رفعوه قبل الانتخابات ، من جهة اخرى . ومن هنا ألغت حكومة اردوغان كافة القوانين التي تتعارض مع معايير كوبنهاغن الديمقراطية وبتعديل الدستور ، لرفع سقف الحريات الى مستوى الحريات الاوروبية . مع تحقيق نمو اقتصادي اجمالي بنسبة 8 بالمئة وزيادة دخل الفرد الى ثلاثة الاف دولار ، وخفض التضخم النقدي الى 7 بالمئة فقط ، خلال اقل من سنتين من حكمه .
ورغم النقاشات الحادة في برلمانات المانيا وفرنسا وايطاليا حول قبول او رفض تركيا في النادي المسيحي الاوروبي ... فان تاكيد عبدالله غول ، نائب رئيس الوزراء وزير الخارجية في برلين ( 19/10/2004 ) بانه – بعد مباحثاته مع الزعماء الاوروبيين – ينتظر منحهم تركيا " تاريخ بدء مباحثات الانضمام في كانون الاول القادم " دليلا على الثقة بان الشمطاء الاوروبية الغربية ستقبل بقبلة الشرقي التركي الولهان ، توطئة للزواج الكاثوليكي ، نظرا لحاجة كل منهما للاخر ... مهما طال زمن الانتظار .