عصابات المافيا الإيطالية عادت
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك
نابولي: كان فيتوريو لا فيكيا يقطع البندورة (الطماطم) إلى شرائح حين دخل قاتل محترف إلى مطعم البيتزا الخاص به وأطلق رصاصتين على رأس أحد رواد المطعم. سقط الضحية سيلفاتوري بيلوزو على وجهه في فطيرة البيتزا التي كان لا فيكيا قد أخرجها لتوه من الفرن. وقال لا فيكيا متلعثما ومحدقا في الطاولة التي أصبحت مسرح الجريمة "الدماء في كل مكان في الطبق.لا يمكنني أن أميز ملامح وجهه". هذا الحادث هو من بين اكثر من عشر جرائم قتل نفذتها عصابات هذا الشهر في نابولي التي تشهد حربا إجرامية متصاعدة داخل (الكامورا) وهي عصابة إجرامية إيطالية عمرها قرنان تجني مليارات الدولارات من الابتزاز وتهريب المخدرات.
وفي أكثر الأحياء حصارا يخطف المستهدفون من الشوارع في وضح النهار ويجري تعذيبهم أحيانا قبل قتلهم. وعثر على عدة ضحايا ملفوفين في البلاستيك ومتروكين في سيارات أو محترقين حتى التفحم. وتعترف شرطة نابولي التي تكافح لحماية المدنيين من الخلافات بين المجرمين بأنها مسألة "أين" وليس "متى" يجري حادث القتل التالي. وتعمل هذه المدينة الساحلية التي تصفها وسائل الاعلام بأنها الغرب الإيطالي بجد لمواجهة ما يمكن أن تكون حرب عصابات مطولة.
على بعد 15 دقيقة من وسط مدينة نابولي تقع "لا فيلي" وهو مشروع حكومي متداع للإسكان أقيم في الستينات وأصبح رمزا للكفاح في مواجهة الفقر والمخدرات والجريمة المنظمة. ويبدو أنه كانت هناك دوما درجة من العنف في هذه المنطقة لكن سكانا يقولون إن الحياة كانت محتملة أكثر من هذا حين كان أفراد العصابات أكثر تنظيما. وقالت فتاة متسربة من المدرسة الثانوية في السادسة عشرة من عمرها اكتفت بذكر اسمها ريتا إن "الامر ازداد سوءا مؤخرا. ليس هناك زعيم".
وفي الحي الذي تقطنه ريتا تفتّت عشيرة دي لاورو التي يخشى جانبها بعد أن اختفى زعيمها القوي عن الانظار. ويقتل الاعضاء المتناحرون أحدهم الاخر من أجل السيطرة على أحياء مثل سيكونديليانو وسكامبيا. كما أن جرائم الابتزاز التي تدر أموالا كثيرة متاحة. وتقدر الشرطة أن الكامورا ستجني نحو أربعة مليارات يورو (5.2 مليون دولار) هذا العام من الابتزاز وحده أي اكثر من الاموال التي تجنيها أي من عصابات المافيا الثلاث الكبرى في ايطاليا وهي كوزا نوسترا وندرانجيتا وهولي روزاري.
وعلى النقيض من عصابة كوزا نوسترا بصقلية فان الكامورا ليست ممركزة بل تتفرق إلى "عشائر" صغيرة مستقلة في المدينة ويجعل عدم استقرارهم الهيكلي من الصعوبة بمكان على الشرطة القضاء عليها حيث عادة ما يشهد المارة تبادل اطلاق النيران.
وقتل رجل يبلغ من العمر 25 عاما بطريق الخطأ أثناء إحدى مباريات كرة القدم مع صديق له خلال عملية فاشلة هذا الشهر. وقتلت جلاسومينا فيردي (22 عاما) أواخر تشرين الثاني (نوفمبر)الحالي وأشعلت النيران في جثتها. وقالت الشرطة إنها ليست مجرمة وإنها قتلت في الغالب لأنها صديقة عضو في إحدى العصابات.
ريتا مثل كل سكان نابولي فيما يبدو جردت من الاحساس بل واستسلمت للعنف فهي لا تستطيع أن تتذكر متى كانت أول مرة رأت فيها جثة لكنها تعتقد أنها كانت في نحو الخامسة أو السادسة من العمر. وأضافت "كان لابد أن يتوقع رجال الشرطة ما يجري الان. انها لعبة كبيرة" . وبعد أن حصلت شرطة نابولي على أموال كثيرة من الاتحاد الاوروبي طورت مركزها للسيطرة على الجريمة بوسط البلدة. وتظهر شاشة مسطحة بحجم الحائط صورا حية لميادين وطرق المدينة. وتستطيع الكاميرات التقاط لقطات مقربة لقراءة اللوحات المعدنية الخاصة بالسيارات والتقاط صور للصوص والقتلة المحتملين. وهناك 42 كاميرا تعمل بالفعل وستضيف الشرطة 60 كاميرا أخرى العام المقبل . وبقدر ما ترحب الشرطة بالتكنولوجيا فانها تعترف بأن هذا في الغالب لن يكون كافيا للتغلب على الجريمة المنظمة. ويقول انطونيو دي جيزو رئيس وحدة منع الجريمة بشرطة نابولي انه مع وجود أعلى نسبة للبطالة في اوروبا فان الكامورا غنية بالمجندين المحتملين إلى صفوفها. ويشير إلى دراسة جرت في الاونة الاخيرة نشرت في صحيفة لا ريبوبليكا تظهر أن 58.8 في المئة من شبان نابولي يعانون البطالة. وقال دي جيزو "اذا لم تنخفض نسبة الثمانية والخمسين بالمئة واذا لم تنخفض إلى مستويات مقبولة فسيعيش هؤلاء الناس دوما تحت سيطرة الجريمة" . ويضيف أن تجارة المخدرات في الاحياء المظلومة في ميدان واحد يمكن أن تصل قيمتها إلى 50 الف يورو في اليوم الواحد.
ثم هناك الجريمة الصغيرة التي تمس أرواحا اكثر بكثير في هذه المدينة الواقعة في جنوب ايطاليا عن الكامورا. وأبلغ عن اكثر من 11 الف حادث سرقة حتى الان هذا العام على المستوى الاقليمي. ويحث السائحون على عدم ارتداء المجوهرات وفي علامة على مدى تردي الامور حظرت السلطات بيع بعض السكاكين في محاولة للابطاء من الاعمال الاجرامية.
وكثيرا ما يأخذ سكان نابولي حقوقهم بأيديهم بدلا من اللجوء إلى السلطات ويستشهد دي جيزو بقضية فتاة في الخامسة عشرة من عمرها أقنعت والدها الشهر الماضي بقتل الرجل الذي سرق السكوتر الخاص بها. وتحظى الازمة المتفاقمة باهتمام على مستوى البلاد فقد قام الرئيس الايطالي كارلو ازيليو شامبي هذه المنطقة هذا الشهر قائلا إنه يريد أن يقف إلى جوار سكان نابولي خلال محنتهم. وشجعهم على التعاون مع الشرطة بعد ورود شكاوى بالضلوع الصامت في الجرائم من قبل السكان الذين يخشون العصابات. كما ظهر وزير الداخلية جوسيبي بيزانو ليعد بتقديم مزيد من المساعدة للشرطة التي تقاتل الكامورا ثم أرسل في وقت لاحق 325 ضابطا اخرين إلى المدينة للانضمام إلى المعركة. وقال للبرلمان خلال جلسة أزمة حول العنف في نابولي "امامنا عدو عدواني ووحشي" . وأظهرت دراسة مسحية في الاونة الاخيرة أن 52 في المئة من سكان نابولي يفضلون استخدام الجيش لاستعادة السيطرة على مدينتهم. ويقول مراقبو الكامورا القدامى إن الحل الامثل سيأتي من أفراد العصابة أنفسهم وليس من الشرطة أو الجنود. وقال فرانشيسكو بارباجاللو مؤلف كتاب "سطوة الكامورا" إن "الحرب ستنتهي حين تسود جماعة واحدة. لا يمكن التكهن متى ستنتهي" .