أخبار

الرس شيء من الماضي

قراؤنا من مستخدمي تويتر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك


جاسر الجاسر من الرياض: لاتكاد تذكر "الرس" إلا ويستحضر السامع صورة الجمال الأنثوي الفريد، والصمود التاريخي ضد الأتراك.

نساء الرس في المفهوم المحلي ذوات جمال مميز ما جعل الزواج منهن امتيازا للرجال، وتأكيداً لأهمية موقعهم الاجتماعي. ولعل "الرس" هي المدينة الوحيدة قصيمياً الشهيرة بجمال نسائها، خصوصاً أنها محاطة ببيئة شديدة الجفاف بشرياً ومناخياً؛ إنها الواحة الخضراء في صحراء قاحلة، مع أنها زراعياً هي الأكثر جفافاً في القصيم، والأقل ماءً، والأقسى مناخا.

من السهل التعرف إلى مواطني الرس الأصليين من خلال ثلاث صفات أساسية: الأولى أن يكون أحدهم من قبيلة العجمان التي ينتمي إليها نحو 80% من سكان المدينة، شريطة أن يختلف عن باقي أفراد قبيلته العريقة البداوة في نطق المفردات القصيمية ذات الملمح الرسي مثل: قوه، الشيطان اللي طار بوه. وهاتان المفردتان، تحديداً، تمثلان هيلكية الحمض النووي لأهل الرس خلاف بقية القصمان الذين يشاركونهم في صيغة مط وإطالة الكلمات بصورة تشبه العجين الشديد التلبك، أو كأنما تسحب رجلاً من مستنقع رمال متحركة.

وتؤكد عبارة مثل "قوه" والتي تعني "هيا بنا" أو "دعنا نذهب" أن الرس ارتبطت مبكراً بالثقافة الغربية عبر أرامكو، لأن كلمة "قوه" غريبة على الخريطة اللغوية المحلية نجدياً، إضافة إلى أن أهل الرس وحدهم، شباباً وشيبا، هم الذين يستخدمونها، وهو مايرجح الملمح الانفتاحي لــ"الرس" منذ الأربعينيات.

الصفة الثانية: أهل الرس التقليديون، كبار السن خصوصاً، يتميزون بأسنان صفراء متآكلة نتيجة رداءة وتلوث مياه آبارهم. وتحدد درجة التسوس مستوى الأصالة والعراقة والمعيشة في "الرس" باعتبار أن كثيراً من أهلها هجروها، وقصدوا الرياض لممارسة مهام وظيفية عليا، أو إدارة نشاطات تجارية.
الصفة الثالثة في الشخص المنتمي إلى الرس: أنه، غالباً، أبيض الشكل، رقيق الملامح، دمث ورقيق المسلك، حلو المعشر، منفتح اجتماعياً، غير متشدد دينياً، قليل الميل إلى التعدد زواجياً. وهذه الملامح تخالف، في معظمهما، السمة القصيمية السائدة.

كما يميز "الرس" عن جاراتها القصيميات الأخرى، تاريخها النضالي المشرف أثناء حصار قوات ابراهيم باشا لها بعد سقوط الدرعية عام 1831م، إضافة إلى انفتاحها الظاهر عبر صلات النسب التي نسجتها مع الأسرة المالكة، وعدد من العوائل النافذة تقليدياً؛ إن على المستوى السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي.ويعتبر أهل الرس من أصحاب الولاء الثابت والعريق للأسرة السعودية، ومواقفهم في هذا الشأن كثيرة ومشهورة. ومن هنا يتضح الموقف الوطني لأهل المدينة أثناء محاصرة قوات الأمن للإرهابيين إذ تكفلوا بإعاشة رجال الأمن وتقديم المياه والقهوة والشاي إليهم، كما أن محطات الوقود كانت تملأ السيارات الرسمية بالوقود مجاناً.

تاريخياً لم تكن الرس متدينة كما هو حال "بريدة" مثلاً، لكن موجة صحوية اجتاحتها أثناء حرب الخليج حتى غدت أكثر مدن المنطقة تشدداً، ولعلها المدينة الوحيدة في السعودية التي لايوجد فيها محلات لبيع أشرطة الفيديو أو التسجيلات الغنائية، ذلك أن الضغط الصحوي أدى في تلك الفترة إلى شراء جميع التراخيص وتحويلها جميعاً إلى تسجيلات إسلامية.ومع ذلك فإن المدينة لم تغرق في التشدد لكنها لم تستعد انفتاحها السابق أبداً، فضلاً عن أن المحصلة الواقعية كانت زيادة هجرة الأجيال الشابة هروباً من المناخ الجاف وبحثاً عن فرص حياتية أفضل.

الرس تشابه مثيلاتها من مدن المنطقة، إذ تتوفر فيها جميع الخدمات الصحية والتعليمية خصوصاً الجامعية، والتي أسهمت في جعل المدينة مشوهة اجتماعياً بسبب التباين العجيب لنوعية سكانها الذين تقاطروا عليها من 400 قرية وهجرة محيطة بها سعياً للاستفادة من هذه الخدمات الفريدة. والحق أنه لولا هذا التدفق لغدت "الرس" مدينة كبيرة جغرافياً لكنها فقيرة بشريا.

هذه الخاصية دفعت الخلايا الإرهابية لاختيار "الرس" مركزاً قيادياً لهم، إذ تمثل المخبأ المثالي بحكم عدم استقرار التركيبة السكانية وتغيرها المستمر عكسا الحال في مدن القصيم الأخرى، والتي تتمتع بثبات سكاني واضح يسهل معه التعرف على الغرباء، ومن خصائص أهل الرس الحضارية، التي تحولت في الحالة الإرهابية إلى سيئة، هي أنهم غير فضوليين، أو حشريين في شؤون الآخرين.ولو كان هؤلاء الإرهابيون في "بريدة" مثلا، لما صبر عليهم الجيران أسبوعاً دون أن يعرفوا كافة تفاصيلهم ويدخلوا منزلهم!

ولعل الإرهابيين استفادوا من كون "الرس" مفتوحة المنافذ على كل الاتجاهات مايتيح لهم سهولة التحرك، يرجح هذا الاحتمال المعلومات التي تشير إلى أن التعرف على مخبأ الإرهابيين تم عبر رصد مجموعة قادمة من "الخرج" للمشاركة في الاجتماع الذي اختتم بمقتلهم.

"الرس" شهدت موقعة قد تكون الصفحة الأخيرة في المسلسل الإرهابي، وإن لم تكن، فإنها بلاشك الأكثر أهمية والأقوى في نتائجها ودلالاتها، وبذلك تعيد "الرس" صورتها الأولى في أنها حرب على الغزاة والمفسدين.

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف