إيلاف+

طاش ما طاش : حين يقوم التلفاز بتجديد الخطاب الديني

قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

طاش ما طاش : حين يقوم التلفاز بتجديد الخطاب الديني
القصيبي يدعو للمكاشفة ويتساءل عن تعليق الجرس

أحمد عدنان من جدة: "برنامجي في رمضان يختلف عن غيره من الشهور لانقلاب ساعتي البيولوجية رأسا على عقب، كما يتضح من النوم نهارا السهر ليلا، كلما قلت أن رمضان سيكون فرصة لتخفيف وزني، فإذ به يتحول إلى فرصة لزيادته، أنقض على مائدة الإفطارشبقا من جوع مضى، وعلى مائدة السحور درءا لجوع لاحق، ولا يعفيني حرصي على متابعة المسلسلات – خصوصا طاش ما طاش- والتنقل بين المقاهي والأسواق من الحرص على أداء صلاة التراويح وقراءة القرآن، إنه (رمضان) واحد في السنة".

سيكون التشابه كبيرا إذا ما قارنا بين كلام وضاح عمران (19 سنة) وشريحة ليست هينة من الشباب السعودي، والتي تتعامل مع رمضان بنوع من التمييز نظرا لخصوصية صيامه وأجوائه الموغلة في روحانية الصوم والصلاة وقراءة القرآن، ودنيوية المقاهي والأسواق والإفراط في تناول الطعام، يعلق وضاح : " إن تقاليدنا العفوية في رمضان ربما تؤكد على وهمية الانفصام بين الإقبال على الدين والإقبال على الحياة".

ولعل تسمية وضاح للمسلسل السعودي الشهير خليجيا وعربيا (طاش ما طاش) الذي يناقش كل يوم من رمضان مشكلة محلية في إطار كوميدي، ليس مستغربا لأن السعوديين يتعايشون معه منذ أكثر من 12 سنة حتى أصبح من السمات المميزة لرمضان عندهم، سارة العثمان (18سنة) تشرح ذلك بقولها : " في الصف الأول الابتدائي بدأت أتدرب على الصيام بعدم تناول الطعام لسويعات محددة، في ذلك العام بدأت حلقات (طاش) وكنت أشاهده، اليوم وأنا على مشارف الجامعة ما زلت أشاهد (طاش) لكن وأنا أصوم صياما كاملا" .

التطرف والحراك الاجتماعي
ما يحسب لأركان فريق (طاش) الممثلان ناصر القصبي وعبد الله السدحان و المخرج عبد الخالق الغانم، لا ينحصر في تطرقهم للقضايا اليومية أو الآنية، بل وفي ملامستهم أيضا للقضايا الشائكة كما تجلى كثيرا في العامين الأخيرين، ففي العام الماضي أثاروا الجدل بحلقة عالجت إشكالية (المحرم) للمرأة السعودية، وفي حلقة أخرى وضعها في المجتمع مقارنة بالرجل، أما في هذا العام فكانت حلقتي إدانة الإرهاب ومسؤولية المعلمين في إذكاء التطرف حديث الصحف المحلية والمنتديات الإلكترونية.

لذلك لم يسلم (طاش) منذ بدئه من هجوم الفئات "الأكثر محافظة" في المجتمع السعودي، فقبل فورة الإنترنت لقي حظه من الهجوم عبر المنشورات "الصحوية" وشرائط الكاسيت وبعض خطباء الجمعة، أما الآن فقد تركز الهجوم من خلال المواقع الإلكترونية المتطرفة، طرح أحد الكتاب السعوديين سؤالا : إن الفئة التي تهاجم (طاش) من منظور ديني تحرم اقتناء التلفاز، وعليه أتساءل كيف شاهدوا التلفاز وهم يحرمونه؟ وعلى فرضية تحليله لماذا يختص (طاش) بالهجوم؟

يرى الفنان/ ناصر القصبي أن الهجوم الذي يلاقيه (طاش) من تلك المنابر هو أمر صحي وإيجابي لأنه يدل على حراك اجتماعي، هو مقدمة للقضاء على التصورات الخاطئة، ثم يضيف : "إنني أشفق على المتطرفين، ولا أتخد منهم موقفا شخصيا رغم هجماتهم الدائمة علي وعلى طاش، هناك حالة من الهياج تنتابهم كلما حاول أحد مراجعة الخطاب السائد أو الاقتراب منه، وإن كانت تلك المراجعة تستند إلى روح الإسلام " .

المغامرة وحب الحياة!
يقول د/ علي التواتي (أكاديمي بجامعة الملك سعود بالرياض): " أنا خائف على فريق (طاش)، إنها مغامرة أن حين يدعون بطريقتهم إلى تجديد الخطاب الديني"، ويمضي في سياقه الصحافي السعودي جمال خاشقجي: " تماما كما يحسب لفريق (طاش) جرأة الطرح والموضوعية في كثير من الأحيان، يحسب للمسؤولين دعمهم".

أن يصف (التواتي) بعض طروحات (طاش) بالمغامرة ليس بالغريب، فالجميع يتذكر البيان الذي أصدرته اللجنة الدائمة للبحوث والأفتاء بتاريخ 7/9/1421 مفاده تحريم إنتاج وترويج وبيع (طاش ما طاش) مستندة – كما نصت ألفاظ البيان – إلى استهزائه ببعض أمور الدين والسخرية ممن يعمل بها، وترسيخ العلاقات غير المشروعة بين النساء والرجال الأجانب – عبر اشتراك الممثلات في المسلسل، والدعاية للبلاد التي تظهر فيها شعائر الكفر- حين يتم التصوير خارج السعودية، وطمسه لمعالم الفضيلة، ونشر الفساد، وإثارته للشهوات!

رغم مرور قرابة الـ 5 سنوات على صدور البيان، إلا أن (طاش) ما زال مستمرا بحضوره وشعبيته، اختلف المشاركون في تفسير ذلك، يحيلها (التواتي) إلى هامش الحرية الأوسع الذي يتمتع به (طاش) : " بعض مواضيع (طاش) لو كتبتها مقالا لما نشرت، لقد اكتسب (طاش) مصداقية وتأثيرا بسبب هامش حرية التعبير، التي لو توافرت لبقية وسائل إعلامنا بذات القدر لنالت نفس التأثير والمصداقية، مع حفظ الفارق بين شعبية الإعلام المرئي مقارنة بالمقروء أو المسموع"، من جهته يؤكد (القصبي) على أن الدعم الأهم بالنسبة لفريق (طاش) يتمثل في ثقة المسؤولين: "وهي ثقة ما جاءت إلا بعد سنين طوال من قراءة ما نطرح للتأكد من هدوئه وموضوعيته ".

وأشار( التواتي) إلى أن مبررات تحريم (طاش) تؤكد على ضرورة مراجعة الخطاب الديني وتجديده بما يتواءم مع العصر ويتصالح مع الآخر، من جهته يحلل (خاشقجي) : " إن الفتاوى التي تتصادم مع الواقع لا تكتسب حيز الفعل لدى الشعب السعودي، لأننا شعب يحب الحياة ولا نريد أن نعيش كفئة غريبة الأطوار، هناك من حرم (الستالايت) و(الجوال) و(التلفاز) ومع ليس لهذه الأفكار محل من الواقع إلا بالاستثناء" ، ثم نوه إلى عامل آخر : "إن الصورة النمطية عن الفن والفنانين في السعودية ليست بتلك السلبية، فكثير من السعوديين يتفاخر بصداقة محمد عبده، أو حضور عبد الله السدحان مثلا لزفافه، ربما تكون هناك مشكلة إذا ارتبط الفن بالمرأة" .

المرأة والتعددية
من أجل ذلك تطالب نادين البدير (كاتبة سعودية) فريق (طاش) باعتماد سعوديتين تشاركان السدحان والقصبي بطولة المسلسل: " بما أننا نناقش قضايا سعودية فلا بد أن نتبنى ممثلات سعوديات حتى نكون أكثر إقناعا، إن شعبية طاش تحمله مسؤولية كبيرة في مناقشة أوضاع المرأة على أساس الحرية والمساواة والفصل بين الدين والتقاليد الجائرة، والأهم من ذلك حق التعددية، إن المجتمع السعودي ليس الشريحة المحافظة وحدها، هناك شرائح أخرى لا بد أن تقدم بإنصاف كما هي في حقيقتها" وانتهت مطالبة فريق (طاش) بالتواصل مع المثقفين والمثقفات حين يتم التحضير لأجزاء قادمة " من أجل طرح أكثر عمقا وجرأة " كما أنها تمنت أن تجد مسلسلات وبرامج أخرى تساند (طاش) في مسيرة التنوير والتسامح.

وعودة إلى (القصبي) الذي نبه إلى أن (طاش) أصبح يتحرك بشكل جيد لمناقشة قضايا المرأة في العامين الأخيرين قياسا بما سبق، كما انه يرى مناقشة قضايا المرأة ليست حقا محصورا على النساء، ولكنه في ذات الوقت، أشار إلى ندرة الممثلات السعوديات المتميزات، وهي ندرة تصل إلى حد الانعدام، وأضاف : " والمملكة مقبلة على تجربة الانتخابات البلدية دون مشاركة المرأة في الدورة الأولى، أتوقع تقديم حلقة ربما في العام المقبل تشجع مشاركة المرأة في الانتخابات، إنني شخصيا أؤيد ذلك .. إنها نصف المجتمع" .

كما تحدث عن حلقة يجري إعدادها، تتحدث عن رحلة في باص به 6 أشخاص يمثلون أطياف المجتمع السعودي : " سأمثل فيها دور شخصية شيعية من أهل القطيف، التي سافرت لها في وقت سابق لأحاول إتقان لهجتها "، ويكمل : " هذا الوطن هو وطننا جميعا ، ومن نطق الشهادتين فهو أخي، أرى من الضرورة أن نتجاوز المذهبية إلى سماحة الإسلام ورحابة الوطن الواحد، ولن يتم ذلك إلا بالتأكيد على حق التعددية وطبيعة التنوع، مبادرة الحوار الوطني ستساهم في تحقيق ذلك دون شك " .

دعوة للمكاشفة والتجديد
وينتهي (القصبي) مع محور مواجهة ظاهرة الإرهاب في السعودية، هو يرى أن النجاحات الباهرة لوزارة الداخلية في هذا الصعيد لا بد وأن تتوازى مع سياسات ثقافية تجتث جذور الإرهاب الفكرية : " وإلا فإن أشواكه ستنبت من جديد" ، وعن رؤيته لذلك الاجتثاث يوضح : " علينا أن نقرأ الموروث الديني والثقافي قراءة مفتوحة مستقبلية بدلا من قراءتنا الحالية المغلقة والماضوية،هذه القراءة الجديدة لن تجدي نفعا إذا لم تترافق بمراجعة خطابنا الإعلامي والسياسي" .
نقطة البداية يحددها (القصبي) في المدرسة والمسجد والمنزل : " علينا أن نعلم أبناءنا منذ صغرهم احترام الرأي الآخر، ومعاملة المرأة من منظور إنساني لا عنصرية فيه ولا دونية، ونغرس فيه قيم التسامح والسلام والحب" .
لماذا لم يتحقق ذلك ؟ يجيب (القصبي) بأننا بحاجة إلى مزيد من المكاشفة مع أنفسنا، وأن نعترف بأننا نعاني من أزمة فكر، وهي أزمة يشعر بها رجل الشارع البسيط كما تشعر بها النخبة، ثم يختتم (القصبي) متساءلا : " ولكن من يعلق الجرس ؟! "

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف