تدوير النفايات في عمان
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
حيدر بن عبدالرضا من مسقط: تبدي السلطنة كسائر دول العالم المتحضرة اهتماما كبيرا لموضوع النفايات، حيث يحظى هذا الموضوع بعناية كبيرة
وللاستفادة من النفايات وإعادة تدويرها أو التخلص منها بطرق صحية، يعقد العالم سنويا العديد من الندوات والمؤتمرات وحلقات العمل لمناقشة هذه القضايا وتأثيراتها البيئية، ولإيجاد أفضل الطرق والوسائل في معالجتها. وقد استضافت السلطنة في العام الماضي مؤتمراً دولياً لإدارة النفايات ومكافحة الحشرات والقوارض تحت شعار " نحو بيئة صحية وآمنة "، بمشاركة ممثلي عدد من الدول العربية والأجنبية وبعض المنظمات والهيئات الدولية من أبرزها منظمة الصحة العالمية. واستهدفت تلك الندوة التعرف على الطرق الحديثة للإدارة الجيدة للنفايات والإطلاع على التجارب الرائدة وتوحيد الجهود لوضع استراتيجية لإدارة النفايات القابلة للتدوير وإعادة الاستخدام وطرح توجهات مستقبلية للتنسيق والتعاون العربي في هذا المجال.
وقد خرجت الندوة بالعديد من التوصيات التي تهتم بموضوع النفايات الخطرة، وضرورة تفعيل برامج التوعية والتثقيف والتدريب ووضع الدلائل الإرشادية بما يحقق تغيير أنماط الاستهلاك غير المستدامة لدى الأشخاص، وتقليل كميات النفايات المنتجة، بالإضافة إلى تشجيع السياسات الوقائية التي تستند على مبادئ " الإنتاج الأنظف " و " الملوث يدفع " وإشراك القطاع الخاص في معالجة القضايا البيئية وخاصة فيما يتعلق بإدارة النفايات وتحفيزه على الاستثمار في هذا المجال.
وطالبت الندوة أيضا بضرورة تركيز الاهتمام بالنفايات الطبية ووضع الحلول العملية لمجابهة وحل هذه المشكلة محليا وإقليميا بما يتناسب مع الظروف السائدة بحيث تراعي معايير الصحة والسلامة وحماية البيئة، واعتماد أساليب الإدارة المتكاملة والتقنيات الملائمة فنيا وبيئيا في إدارة النفايات والمخلفات البلدية والخطرة بالتركيز على التقليل إلى الحد الأدنى من كمياتها أو أخطارها عند المصدر وإتباع أساليب إعادة الاستخدام والتدوير واسترجاع المواد الأولية ما أمكن ويلي ذلك المعالجة المناسبة والتخلص النهائي بالطرق الصحية والآمنة، وغيرها من التوصيات الهامة الأخرى.
وعموما تعتبر إدارة النفايات الصلبة التي تقوم بها البلديات في العالم واحدة من الخدمات الأساسية المكلفة للدول حيث أن نوعية هذه النفايات واختلافها تعود إلى طبيعة المجتمعات. ويقدم الخبراء العاملين في هذه المجالات العديد من النصائح لإدارة هذه النفايات منها أن تكون الحلول الموضوعة للتخلص من النفايات منسجمة مع طبيعة النفايات المحلية، و بالتالي يجب عدم اعتماد حلول التدوير والترميد أو أية حلول أخرى ما لم تثبت جدواها محلياً، مطالبين بأن تضع دراسات جيدة، وتجنّب استيراد التقنيات دون إجراء دراسات و تحاليل مسبقة.
ويرى هؤلاء الخبراء أيضا ضرورة المشاركة الشعبية في هذه القضايا حيث أنه بدون هذه المشاركة لا يمكن تحقيق النجاح في إدارة النفايات الصلبة، مع تعزيز هذه المشاركة بهدف خفض تكلفة الإدارة، مشيرين إلى أن عملية تحسين جمع النفاثات تتراوح ما بين 50 إلى70% من كلفة النظام ككل، و بالتالي و من وجهة نظر اقتصادية فإن التوفير في الكلفة يجب أن يركز على الكلفة الأكبر أي الجمع.
كما يرى الخبراء أنه لا يمكن الاستغناء عن عملية الطمر، فأي تكن طرق معالجة النفايات المتبعة لا بد من إنشاء مطمر (مدفن) للنفايات، مشيرين إلى أن النفايات تعتبر مشكلة في حد ذاتها فهي ليست منجماً للذهب بحيث تقبل عليها الشركات، فلا توجد شركة خاصة مستعدة لإدارة النفايات دون أن يتم تأمين مصدر تمويل لها سواء من البلديات أو كرسوم من المواطنين، الأمر الذي يتطلب معالجة هذه القضية بالتدريج، لأن إدارة النفايات في حد ذاتها قطاع خاسر، ونادراً ما تتم تغطية نفقات مثل هذه الإدارات من رسوم النظافة المفروضة على المواطنين، بحيث تبلغ تغطية النفقة ما بين 60 إلى 75% في الدول المتقدمة، في حين تقل كثيراً عن ذلك في الدول النامية.
كما يشير هؤلاء الخبراء أن جميع أنواع النفايات لا يمكن إدارتها، فعلى سبيل المثال ليس كل البلاستيك يمكن تدويره، حيث هناك عشرات الأنواع من البلاستيك التي يتم استخدامها من قبل الأفراد في مختلف شؤون الحياة، و لكن عدد الأنواع التي يتم تدويرها لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة حتى في أكثر الدول تقدماً. ففي اليابان مثلاُ تدوّر PET (القوارير البلاستيكية لمياه الشرب و المياه الغازية) فقط.
ومن النفايات الأخرى التي تشكل معضلة في التخلص منها بصورة جيدة هي القمامة الطبية حيث تبذل جهودا كبيرة في العالم العربي حيال إيجاد وسيلة علمية لتفادي خطر هذا النوع من القمامة، الأمر الذي يتطلب إيجاد طرق عالمية للتخلص من مخلفات المستشفيات والعيادات الطبية بحيث تلائم الإمكانيات المحلية أيضا.
إن قضية تفاقم النفايات والمخالفات في العالم تعود أولا وأخيرا إلى التطورات التي شهدتها البشرية في النمو السكاني خلال القرن الماضي، واحتياجاتها المختلفة من الأغراض سواء في وقت السلم أو الحرب. فلقد شهد العالم خلال هذه السنوات زيادة في أعداد البشر، وبالتالي نتج عن ذلك تشغيل العديد من المصانع والمراكز الإنتاجية في إنتاج مختلف أنواع السلع والبضائع والمنتجات، الأمر الذي نتج عن ذلك ترك مخلفات ونفايات عديدة على الكرة الأرضية، منها مخلفات ونفايات سائلة وأخرى صلبة تتطلب جهدا كبيرا للتخلص منها أو إعادة تدويرها، ناهيك عن المخلفات التي تتركها الحروب المدمرة كالحربين العالمية الأولى والثانية، والحروب المعاصرة التي نشهدها حاليا في المنطقة كالحرب في العراق وفي أفغانستان وغيرها من المناطق الأخرى في العالم.
وقد ساهمت في تردي الأوضاع البيئية النمو السريع لعدد سكان الكرة الأرضية الذي ارتفع من 952 مليون إنسان في عام 1800 إلى أكثر من 6 مليارات نسمة حاليا، فيما تشير التوقعات إلى أن العدد سيصل إلى 8.3 مليار نسمة في عام 2025.
وفي هذا الصدد يقول المهندس عبدالله عباس رئيس بلدية مسقط إن الزحف المدني الذي تشهده مدن العالم اليوم بصورة عامة والمناطق المدنية العربية بصورة خاصة نتيجة للنمو السكاني يشكل تهديداً واضحاً للتوازن البيئي الحضري الذي تمثله مظاهر الإخلال البيئي المتنوعة المنشأ، كما يوضح أن إدارة النفايات الصلبة تشكل إحدى أبرز سماته ومظاهره، إذ تعاني معظم المناطق الحضرية إن لم يكن جميعها على وجه الإطلاق من ازدياد متنامي في حجم النفايات يعود منشؤه بصورة أساسية إلى الازدياد المطرد في الكثافة السكانية، وارتفاع مستويات الاستهلاك والرفاهية فيها.
لقد شهدت السلطنة حولاً حضرياً كبيراً في الآونة الأخيرة تمثل في ازدياد عدد سكان المدن من 11.4% عام 1970م إلى 84% عام 2000م وفقا لبيانات بلدية مسقط، وحيث أن مسقط تشكل أكبر مدن السلطنة فانه يبدو جلياً ما يصاحب هذه الطفرة الكبرى من مشاكل بيئية متعددة والتي تتصدرها الزيادة المطردة في كميات النفايات بكافة أنواعها، ولربما تزداد الصورة وضوحاً إذا ما عرفنا أن السلطنة شهدت زيادة في كمية النفايات بنسبة 25% خلال العشرة الأعوام الماضية على الرغم من الجهود المبذولة للتقليل من إنتاج النفايات وخفض معدل إنتاج الفرد الواحد من خلال الدور الحيوي الذي تلعبه أجهزة التوعية والإرشاد في هذا الصدد.
وأخيرا نؤكد بأن النفايات الصلبة والقمامة المنزلية ومخلفات المستشفيات والعيادات الخاصة تشكل أحد أهم العوامل الإضافية لزيادة التلوث، وبقدر ما تستطيع البلديات إدارة هذا المرفق بشكل صحيح من حيث سرعة الترحيل، والعمل على تصنيع القمامة وإعادة تدوير تلك النفايات بصورة جيدة، والتأكد من تنفيذ الطرائق الصحيحة للتخلص من النفايات الطبية، والوصول إلى تعميم فرز القمامة، وعدم حرق محتويات الحاويات والى ما هنالك من إجراءات يمكن للمواطن أن يلعب فيها دوراً ايجابياً في هذا المجال، ولاسيما إذا حرص على رمي قمامته في المواعيد المحددة وعزز الجهود المبذولة لنظافة شارعه وحيه ومدينته، وامتنع عن رمي القمامة إلا في الأماكن المحددة، فان ذلك سوف يؤدي إلى ترسيخ الوعي البيئي لدى المواطن والحفاظ على بيئة نظيفة قليلة التلوث، كما أن هذه الخطوات سوف تؤدي به وتدفعه إلى التفكر في ترشيد استهلاك الماء والطاقة، وتعزز لديه الرغبة في التدخل لردع كل من يحاول الإساءة إلى البيئة سواء عن طريق الحد من المضي في الاستهلاك الضخم من السلع والمنتجات، أو هدر مياه الشرب أو الري أيضا، لأن التقليل منهما سوف تؤدي إلى تخفيض المخلفات والنفايات تدريجيا. كما إن الطلب المتزايد على استثمار خيرات الأرض إلى درجة بات اليوم يهدد العديد من الثروات بالنضوب، كما هي الحال بالنسبة للبترول الذي يتوقع ألا يعمر أكثر من قرن آخر من الزمن.