صدام نقش 99 لقبا له حلما بالبقاء
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
فريد عقراوي .. اول من صور بذخ القصورالرئاسية
صدام نقش 99 لقبا له حلما بالبقاء
أسامة مهدي من لندن : القصور التي شيدها الرئيس المخلوع صدام حسين في طول العراق وعرضه تعدى عددها المعروف منها وهي سبعة وستون قصرا كان معظمها شيد في فترة الحصار الذي اعقب احتلاله للكويت صيف عام 1990 في ممارسة شكلت دليلا اخر على ان الحصار لم يضر به بقدر ما اضر بالعراقيين .
واذا ماعرفنا بالدراسة التي تورد انفاق 2.2 مليار دولار في بناء ثمانية واربعين قصرا منذ حرب الكويت عام 1991 فسوف يصعق من يسمعه الرقم الموازي لعدد القصور الذي زاد على الثمانين قصرا في بغداد وحدها مستثنين بهذه الاحصائية القصور الاخرى الموزعة في ارجاء العراق . واذا كان محرم الاقتراب من هذه القصور في زمن الرئيس المخلوع .. فان اول من ادخل الناس اليها عبر كامراته هو المخرج العراقي فريد عقراوي الذي رصد دواخل عدد منها وأعدّ منها فيلما
يستغرق عرضه حوالي الساعة
"ايلاف" التقت عقراوي وتحدثت معه عن فكرة تصوير القصور الباذخة هذه والمخاطر التي تعرض لها عند إنجاز مشروعه الفني :
.. كيف نشأت فكرة مشروع تصوير قصور صدام ؟
... بعد سقوط النظام العراقي السابق في نيسان (ابريل) عام 2003 كنت من بين الاعلاميين الذين رشحوا للمشاركة في تاسيس وانشاء مؤسات الاعلام
وعند انتهاء الرحلة وعودتي الى بغداد اتصلت بالمسؤول الاعلامي في سلطة التحالف وتحدثت معه عن اهمية وضرورة اخراج هذا المشروع الى حيز الوجود ولحسن الحظ جاءتني الموافقة سريعة فسمح لي بدخول هذه المواقع الرئاسية برغم انها اصبحت مراكز عسكرية اميركية حساسة .
.. هل واجهتك صعوبات عند تنفيذ المشروع ؟
... للاسف بدات الصعوبات تواجه انتاج المشروع منذ البداية واولها عدم السماح بدخول فريق العمل ومعداته لتصوير هذه المواقع على الرغم من
اما المشكلة الثانية التي واجهتنا فكانت كتابة النص من خلال عملية بحث وجمع للمعلومات عن تاريخ البناء والتكاليف الحقيقية التي انفقت والبلدان التي استقدمت منها مواد البناء وهويات الشركات الدولية والمهندسين المنفذين .. وقد اعتمد هذا البحث على لقاءات خاصة عن طريق عدد من المواطنين والمهندسين والمعماريين الذين عملوا في انشاء هذه القصور لكن معظمهم رفض تصويره خوفا ولم يزودنا بغير اليسير من المعلومات العامة .. وكما اكد احد المهندسين بان سلطات صدام السابقة في رئاسة الجمهورية دونت معلومات كاملة عن العاملين في هذه القصور وعن عوائلهم واقاربهم محذرة من تسريب اي معلومات عن تكاليفها والدول التي استقدمت منها مواد بنائها والجهات العاملة في انشائها .. والا فان الموت سيكون مصير كل من يخالف هذه الاوامر .
.. ماهي المجمعات الرئاسية التي دخلتوها وقمتم بتصويرها؟
... هي ثلاثة مجمعات : مجمع تكريت وكان من اخطر المهمات التي قمنا بها حيث كانت القذائف تتساقط بالقرب منا مستهدفة القوات الاميركية .. لكنا استطعنا خلال ايام من انجاز مهمتنا في تصوير جميع اركانه وزواياه وهو يعتبر من اكبر المجمعات الرئاسية في العراق حيث يتميز بكثرة قصوره وضخامتها واهمها قصر "ذو الفقار" و"قصر الفاروق" و"قصر صلاح الدين" و "القصر العباسي" .. الخ حيث كان العمل يتطلب الانتقال من موقع تصوير في قصر الى موقع غيره في قصر اخر حوالي 15 دقيقة بالسيارة .. والملاحظ في هذا المجمع ان اثاثه ومحتوياته قد افرغت من قاعات وصالات وغرف المجمع قبل وصول القوات الاميركية اليه في الحرب الاخيرة حيث لم نشاهد اي عمليات تخريب او نهب فيه .. وكان مدهشا انه برغم البحيرات العديدة في المجمع ونهر دجلة الذي يخترق هذا المجمع الرئاسي كان هناك مسبح داخلي فخم وكبير بني بالمرمر الخالص من ارضه الى سقفه .. اضافة الى الشبابيك الباهظة الثمن المطلية بالوان ورسوم خاصة تكشف عما كان يدور من مجون في هذه القصور حتى اطلق على هذا المسبح "مسبح المتعة السرية" .. اضافة الى الحدائق والنقوش والمرمرواللوحات الزيتية التي تؤشرإلى انفاق مليارات الدولارات في زمن كان فيه الشعب العراقي ياكل طحين النوى .
.. حدثنا عن مجمع "الفارس العربي" الرئاسي وقصره المنيف "الفاو" في بغداد ؟
... كل قصر من القصور الرئاسية يبدا بكلمة "بيت" وهي هنا ذات دلالات تتجاوز المفردة الاعتيادية وصولا الى اقصى درجات الحلم . . وحينما يشرع المهندسون بعملهم تبدا ايضا الزيارات المفاجئة لصاحب البيت الذي يلقي بملاحظات تفصيلية هنا وهناك لكنها عند صدام لم تكن سوى اوامر غير قابلة للنقاش .
ونادي الفارس العربي يعد من اكبر المواقع الرئاسية التي بنيتببغداد وبوشر العمل فيه عام 1988 حيث لم يكن هذا المكان سوى مضمارا للخيل واسطبلات ملحقة وكازينو وبيت صغير . ولان صدام كان يحلم كثيرا فان احلامه يجب ان تتحقق على ارض الواقع وهناك محققو الاحلام وهم دائما من يحمل الوزر .. ومن الملايين الى الاف الملايين من الدنانير العراقية تنفذ الاحلام التي سيكون ثمنها باهظا .
اكبر قصور هذا المجمع الرئاسي هو "الفاو" وهو قصر يتوسط بحيرة شاسعة وبالطبع لم تكن في هذه البقعة من الارض اية بحيرة الا ان ذلك لم يحد من ضخامة حلم الحاكم ولم يجعل تحقيقه امرا مستحيلا . فقد دقت اعداد هائلة من الركائز الفولاذية المحاطة بجدار ضخم من الكونكريت المسلح تحت الارض للحد من خطورة المياه الجوفية حينما وصل الحفر الى قرابة احد عشر مترا وكان هذا المشروع برمته من اختصاص الشركات اليوغسلافية . وفي عام 1990 حصل غزو الكويت وتصاعدت وتيرة التهديدات العسكرية حينما رفض صدام الانسحاب منها .. لكنه بالمقابل انسحبت الشركات الاجنبية من العراق وبضمنها الشركة اليوغسلافية التي كانت قد بدات قبل سنتين من ذلك التاريخ تنفيذ مشروع نادي الفارس العربي وقصر الفاو .. وحيث لاحت بوادر الموقف الحرج . فالسؤال كان يدور في مكاتب دائرة الشؤون الهندسية برئاسة الجمهورية .. هل يتوقف البناء في قصر الفاو ام يستمر بشكل او باخر على ايدي المهندسين العراقيين في اول تجربة لهم لتشييد قصر وسط بحيرة او بحيرة تحيط بقصر وكانت الاجابة على هذه التساؤلات بمثابة التحدي . لكن ذلك التحدي واجه ظروفا تسببت في ايقاف العمل ومنها انشغال دائرة الشؤون الهندسية بالحملة الكبرى لاعمار القصور التي تعرضت للقصف الجوي خلال حرب الكويت .
لقد كانت نسبة التدمير تتراوح بين عشرة بالمائة الى اربعين بالمائة في كل من القصر الجمهوريببغداد والقصر الرئاسيبالموصل والقصر الرئاسيبالبصرة وقصر النصربالرضوانية . فقد نفذت هذه القصور من قبل شركات اجنبية اذ لم تكن دائرة الشؤون الهندسية تمتلك الخبرة الكافية لانشاء القصور الضخمة التي توازي ضخامة وفخامة القصر الجمهوري وكان جل عملها ينصب على انشاء مجمعات رئاسية متوسطة الحجم .
.. وماذا بعد ضرب القصور .. وكيف تم معالجة امر اعادة اعمارها؟
لقد مر قصر الفاو مثل غيره من القصور الرئاسية بالفترة المظلمة وهو المصطلح المتعارف عليه بين المهندسين حينما اصدر صدام اوامره الصارمة بازالة الاهرامات والمثلثات وجميع الشكال الهندسية في النقوش التي تقترب من علامة الزائد . وطالت حملة التهديم انجازات المبدعين وعوقب الكثير منهم لان تصاميمهم لم تتناغم مع رغبات صدام ذو المزاج المتقلب والنظرة الضيقة لعناصر فن الزخرفة العربية والابداع الفني المعماري والتي تشكل التقاطعات الهندسية مصدرا رئيسيا لها حيث زار صدام قصر الفاو 107 مرات اعطى فيها 415 توجيهًا مختلفًا .
.. وبعد التهديم .. ماذا حصل؟
... بسبب حملة التهديم المستمرة تغيرت التصاميم مرارا وتضخمت الميزانيات والاموال المرصودة لموقع الفاو الذي عمل فيه كادر من العمال يزيد على الستة الاف يوميا ووظف المهندسون والفنيون جميع الامكانات المحلية المتاحة والعمل ليل نهار .. وبالنتيجة كانت الميزانية مفتوحة باستمرار في حين بلغت وفيات اطفال العراق عام 1997 بسبب سوء التغذية ونقص الدواء اكثر من مليون طفل بحسب احصائيات اليونيسيف ..
وفي العام نفسه تم جلب ارقى انواع المرمر من ايطاليا واسبانيا وتركيا بالاضافة الى اصناف فاخرة من الاثاث والاكسسوارات والمزهريات النفيسة ارضاء لرغبات الحالم . وعبر ممر يتلو الباب نصل الى البهو الوسطي او القاعة الرئيسية المثمنة الشكل والتي تقع تحت قبة ذات طراز اسلامي مفلطح تستند إلى مجموعة من الاعمدة الثنائية .. وبرغم الاشارة الواضحة لعدد الاعمدة الثمانية الا ان تجاوز الاعمدة بشكل ثنائي كان سبببه هندسيا بحتا اذ يؤكد المهندسون الذين اشرفوا على البناء انها بنيت بهذا الطراز لتتحمل ثقل القبة الذي يصل الى 40 طنا ومساحتها الواسعة وكذلك لالغاء التعدد المفترض الذي سيحجب الرؤية من الداخل . وتحيط بالقاعة الرئيسية اربع صالات للخدمة منها صالتان للطعام واخرى للاجتماعات ورابعة للمنام .
.. ماذا اراد ان يقول صدام من هذه التصاميم والالوان برايك؟
... ان الحقيقة المرة التي تكتشفها اروقة القصر هي مدى اقتراب المهندس من مزاج صدام فهو حينما يغضب تتغير اشكال القصور وصولا الى طراز يجمع كل الافكار والاحلام في طراز واحد يمكن تسميته بالطراز الصدامي . فقد كان هناك اثاث مطعم بالذهب والذي قلد فيه اثاث لويس الخامس عشر مع استعارة خجولة للطراز الاشوري للنحت البارز .. وهناك احتفالية كبرى بالرخام الموجود في كل مكان وكل الزوايا والممرات بطريقة تذهل الزائر وتسلب عقله .
وفي قاعة داخل القصر هناك مفاجاة تضع النقاط على الحروف .. فبدلا من اسماء الله الحسنى التي تبلغ 99 اسمًا من احصاها دخل الجنة نقشت وزخرفت في سقف القاعة اسماء صدام الاخرى ال99 ايضا التي تصفه بالشجاع والقائد والمنصور والهمام والبطل ... الخ في دلالة واضحة على هوسه بالعظمة والقداسة .. ففي احصائية اخرى لمكونات قصر الفاو نكتشف ان ثلث طابوقه نحت عليه اسم صدام .. طلبا للخلود الذي ينشده بقاء البناء وغياب الباني .
.. وماذا بعد غياب هذا الباني؟
... انها دعوة للتفكير قليلا في المصير الذي ستؤول اليه هذه القصور التي اصبحت الان ملكا صرفا للشعب العراقي الذي بنيت من جهده الخلاق وتضحياته الكبيرة التي تناهز وتشمخ فوق اي قصر مهما كانت عظمته . لابد من الاستفادة من هذه القصور وتحويلها الى متاحف ومنتجعات سياحية وبعض هذه المواقع الرئاسية جاهزة لتكون اكبر واروع المنتجعات في منطقة الشرق الاوسط .
فريد عقراوي في سطور :
.. ولد في بلدة عقرة بمحافظة الموصل الشمالية عام 1958 .
.. حاصل على شهادة البكالوريوس من كلية الفنون الجميلة بجامعة بغداد – قسم الفنون السمعية والمرئية عام 1980 .
.. نال شهادة الماجستير في الفنون السمعية والمرئية من كلية الفنون الجميلة بجامعة بغداد عام 1988 .
.. استاذ مساعد بالجامعة التكنولوجية في جامعة بغداد .. ومحاضر في اكاديمية الفنون الجميلة بمادة الاخراج .
.. شارك في تأسيس جمعية اشور بانيبال الثقافية الفنية وفرقة شبرا المسرحية " الفرقة المسرحية السريانية الاولى في العراق " .
.. اخرج العديد من الافلام الوثائقية العربية والسريانية منها : منوعات سريانية عام 1990 حنين المغترب عام 1994 و"نبض المشرق" و "نسمات من نينوى" وفيلما عن عدي صدام حسين بعنوان " الدكتاتور الصغير" .. وغيرها .