المطلقات بين حصار الأهل وقهر المجتمع
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك
حسام شحادة من دمشق: الطلاق ظاهرة اجتماعية رافقت البشرية منذ عهود سحيقة، ذلك أن العلاقة الزوجية معرضة دائماً لهزات وأزمات قد تكون
والأسباب التي قد تؤدي الى الطلاق كثيرة، فقد يكون الزواج المبكر وما يمكن أن ينتج عنه من عدم استقرار أو صعوبة التفاهم بين الزوجين وكثرة تدخل الأهل والأقارب في شؤونهما الزوجية أو الخلاف على تغيير البيت والأثاث والعمل والخروج من المنزل، أو تأخر الحمل وعدم الإنجاب مما يؤدي الى حدوث الطلاق في النهاية.
وفي مجتمعاتنا العربية والاسلامية، تواجه المرأة المطلقة ظروفاً صعبة وقهراً اجتماعياً، أقله النظرة التي تعامل بها المرأة المطلقة من قبل الأهل والمجتمع.. فالمطلقة التي اعتقدت بعد طول عناء أنها استعادت حريتها وكرامتها وإنسانيتها، تفاجأ بألوان عذاب في بيت أهلها لا يخطر على بال.. عن هذه المعاناة ونظرة المجتمع والأهل كان لإيلاف هذا الاستطلاع مع بعض المطلقات في مدينة دمشق:
*السيدة سمر ر.: في عقدها الرابع وأم لستة أطفال (خمسة ذكور وبنت)، تقول هذه السيدة: تزوجت برغبة من أهلي وأنا صغيرة السن، كان زوجي يعمل سائق شاحنة على خط خارجي، رجل مزاجي وكثير الظنون لكثرة ما يسمع ويرى في ترحاله الدائم، بعد السنة الأولى من زواجنا بدأ يعاملني بقسوة فيبرحني ضرباً بسبب أو بدون سبب ويسمعني من الكلمات ما يندى له الجبين خجلاً، صبرت عليه خوفاً على أولادي وخوفاً من كلام الناس.. الى أن انهارت عندي كل إمكانات الصبر، فطلبت الطلاق ولم يمانع أهلي في ذلك لعلمهم بمعاملته لي، اضطررت أن أتنازل عن كل حقوقي حتى يمنحني حريتي. واعتقدت فعلاً أنني حصلت على هذه الحرية بعد طول عناء وعذاب، ولكن بعد عودتي الى بيت أهلي بدأت أعيش رحلة عذاب أخرى، فوضعوا لي قائمة طويلة من الممنوعات والمحرمات، فمن غير المسموح أن أخرج من البيت وحدي بدون مرافقة واحداً من أفراد أسرتي، وممنوع العمل علي حتى لا يستغل البعض وضعي كمطلقة... وتتابع بحرقة والدموع تملأ عينيها:
بدأوا يعاملونني باستخفاف وازدراء ويرددون على مسامعي كلمة "مطلقة"، لماذا لا أعامل برحمة واحترام، وهل كوني مطلقة يجب أن أدفن في الحياة، أي عدل وأي دين هذا الذي يجيز هذه المعاملة.
*السيدة ريما م. تقول: إن الطلاق لا ينهي مشاكل المرأة بعد وقوعه واستلامها ورقة الطلاق، حيث تكتشف أن المرأة المطلقة تعاني من ظلم المجتمع الذي يحملها تبعات فشل الحياة الزوجية وتدمير الأسرة وتشريد الأولاد. والى جانب المجتمع، نجد الأهل الذين يتأثرون بالبيئة الاجتماعية المحيطة بك، فالمرأة المطلقة من وجهة نظر المجتمع والأهل لا تستحق إلا اللوم والمهانة كونها امرأة فاشلة لم تستطع الحفاظ على بيتها وزوجها.. هكذا ببساطة وكأنه كتب على المرأة المطلقة أن تعيش وتتحمل تبعات زواج فاشل وظالم، زواج غير عادل لا يمكن لآدمي على وجه الأرض أن يقبل بظروفه.. المرأة تجرب المستحيل قبل أن تصل الى مرحلة تستنفذ فيها كل الوسائل بحيث لا يعود أمامها من خيار إلا طلب الطلاق، فما ا لعيب والعار في ذلك طالما لم تأتي على فعل ما يخدش الحياء ويخالف الدين.. لما كل هذا الحصار على المطلقة.
*السيدة سحر ف. تقول: المجتمع الشرقي ينظر الى المرأة المطلقة نظرة دونية، يحتقرها ويزدريها، والمطلقة في مجتمعاتنا تعاني من صنوف شتى من الظلم الاجتماعي.
وتتابع السيدة سحر قائلة: مجتمعاتنا لا تهتم كثيراً بتقصي الحقائق عن الأسباب التي أدت الى الطلاق، فالرجال في مجتمعاتنا وبنسبة أكثر من 70% هم من يتحملون مسؤولية الطلاق ومع ذلك تجد المجتمع يحمل المرأة مسؤولية الفشل ومسؤولية تشريد الأسرة وعلى خلفية كم هائل من المعتقدات والموروثات يعامل الأهل المطلقة بكم هائل من المحرمات والممنوعات مما يلحق بها أذى نفسي ويعرضها للانهيار العصبي وعلى خلفية هذا الوضع ترى الكثير من المطلقات يعشن صراع داخلي ويقلن في داخلهن "يا محلى قهر الأزواج" على الأقل هناك لا تشعر أنك في سجن و تستطيع الحركة أو التصرف بحرية.. ومن هنا أعتقد أن المرأة يجب أن تعتمد على نفسها ويجب أن تستقل بحياتها حتى لا توقع نفسها مع أهلها بمشاكل لا قبل لها بها فعندها تكون قد خرجت "من تحت الدلف لتحت المزراب"، المرأة قادرة على أن تخرج نفسها من حصار الأهل والمجتمع بأن تكون قوية ومستقلة وتعتمد على نفسها.
*الأخصائيون في علم الاجتماع يقولون، إن المرأة عندما تحصل على الطلاق تعتقد أنها حصلت على حريتها المقيدة، ولكن سرعان ما تكتشف هذه المرأة بأنها وقعت أسيرة لاعتقال الأهل والمجتمع باعتبار أن الطلاق عار اجتماعي بكل ما ينطوي عليه ذلك من نظرة ازدراء للمرأة المطلقة كونها امرأة فاشلة ومرفوضة اجتماعياً.
إن عودة المرأة المطلقة الى بيت أهلها لازال لا يحظى في مجتمعاتنا بالقبول الاجتماعي مما يضطر المطلقة أن تفرض على نفسها نوع من العزلة الاجتماعية تخفيفاً لنظرة المجتمع وظلمه ما أمكن، وإن هي لم تبادر الى فرض هذه العزلة فإن الأهل والمجتمع وبأشكال عديدة سيدفعها وبالتدريج الى فرض هذه العزلة.
فالمطلقة في مجتمعاتنا، تطاردها الإشاعات وتصرفاتها تحت أعين مجتمع قاهر ولا يرحم. فهل يعقل مثلاً أن تعيش امرأة مع رجل فظ ومنحط الأخلاق فقط مراعاة لقانون العيب وخوفاً من ألسنة الناس.
لاشك أن نضج المجتمع وتحرره، ووعي الأسرة يؤثر في نظرة وتعامل الأسرة والمجتمع مع المطلقة.. فالمنطق يقر بأن المطلقة في نهاية المطاف هي كائن بشري وقع ضحية لزواج مستحيل وبالتالي لا مناص من حماية هذه المرأة الضحية ودعمها نفسياً ومعنوياً.. وإلا فإن الأهل يدفعون بابنتهم المطلقة الى حدود الدمار النفسي بالحصار والضغوط الممارسة عليها.