إيلاف+

جداريات كنيسة سيستين لميخائيل انجلو

قراؤنا من مستخدمي تويتر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك


ملحمة في تمجيد كرامة الإنسان


موسى الخميسي من روما: تعقد اجتماعات كرادلة الفاتيكان في كنيسة السيستين داخل حاضرة الفاتيكان حيث تجري انتخابات البابا الجديد. وهذه الكنيسة هي اشهر كنيسة في العالم لما تحويه من جداريات فخمة رسمها الفنان الايطالي ميخائيل انجلو.
المرة الأولى في تاريخ الفن المعاصر التي تمكن العودة فيها الى الأشكال الحقيقية التي رسمها الفنان الإيطالي ميخائيل انجلو( 1475- 1564) الذي كان له الدور الكبير في جعل فن عصر النهضة الايطالية( 1250- 1550) يخط فواصل عديدة للتيارات الفنية في تلك الحقبة المزدهرة في تاريخ تطور الفن الانساني، فمع انه استدار كغيره من فناني عصر النهضة الى الإنجيل ليبحث عن موضوعاته لسطوح أعماله الفنية ومنحوتاته، الا انه مثل الواجهة المتقدمة لتلك الأحداث، ولتلك المواقف البطولية التي التزم بها في حياته السياسية والاجتماعية والفنية، والتي تمثلت في تحالفه مع المصلحين من جماعة " سافونارولا" وفي دفاعه عن مدينته فلورنسا ضد الأعداء والخونة في الداخل والخارج، وكذلك مواقفه من عائلة آل مديشي التي حكمت الامارة، وتقديره لكتابات شاعر ايطاليا العظيم دانتى اللكيري وتقديره العميق لتراث مدينته، كل ذلك جعل منه فنانا عظيما يمثل بكل جدارة عصر النهضة، وأستاذ لجميع التطورات التي ألحقت بواقعية هذا العصر.
لقد استطاع ان يمزج القصص الديني بما يعن له من خيال، رابطا جسد الإنسان بعقله وروحه، مستغلا الفراغ بقدرة لم يسبقه اليها أحد من قبل للإيحاء بكثرة الشخوص، وفي اتساع المساحة، هاجرا فكرة تزيين السطوح بالتصميمات الزخرفية المقتبسة عادة من عالم الأشكال النباتية، مقسما السطح الكلي لهذه الجدارية الفخمة الى ما جاءت به فلسفة الشكل عند الفيلسوف الإغريقي أفلاطون الذي تأثر بأفكاره، أي مؤمنا بوجود قوة خارقة تعلو قوة الإنسان وتوجه نشاطه هي قوة الإلهام، فمزج بين اللاهوت التقليدي الذي تسيطر عليه فكرة فلسفية ودينية موحدة.
ألوانه الأولى بعد عملية الترميم التي استمرت ثمان سنوات متواصلة، خرجت سليمة ومعافاة ومن دون أتربة ودخان المشاعل القديمة التي كانت توقد باستمرار داخل تلك القبة المستطيلة، والتي أضحت طبقة دهنية عازلة فوق الجداريات التي قام فيها الجسد الإنساني بدور مهم في تمثيل الدراما الهائلة لهذه التحفة الفنية الفريدة من نوعها في العالم، والتي يزورها اكثر من خمسة ملايين شخص كل عام.
الجداريات كانت تنظف بين الحين والآخر بواسطة ذيول الثعالب مرة كل عامين، الا ان المسئولين في دولة الفاتيكان اتخذوا قرارا سنة 1980 بأجراء حملة ترميم كبيرة وذلك بعد ان تعمقت الشقوق في سطوح الجداريات، وقد أجرى الفاتيكان حينها اتفاقا مع مجموعة من اشهر المرممين الإيطاليين، وكذلك مع إحدى الشركات اليابانية للتلفزيون يقضي بدفع التلفزيون الياباني الى دولة الفاتيكان ما قيمته ثلاثة ملايين دولار مقابل مرافقة بعثة تلفزيونية مؤلفة من طاقم مخرجين ومصورين تضم اشهر مصور فوتوغرافي هو( كومورا) الذي سبق ان صور لوحات الفنان ميخائيل انجلو ومنحوتاته التي طبعت في كتب ملونة وتجمع الآراء على انها افضل الصور الفوتوغرافية التي ظهرت لحد الآن.
واعتبرت عملية الترميم إحدى مقاييس التحديث من اجل الأحياء الاثاري لكل ما يمت بالإرث الفني، لكون الموروث الفني ليس مجرد شاهد على الماضي، بل انه التاريخ الموصول بحاضر ومستقبل كل شعب من الشعوب.
قسم ميخائيل انجلو جداريته التي تبلغ مساحتها الكلية اكثر من ثلاثة آلاف وخمسمائة متر مربع تضم ثلاثمائة شخصية، الى ثلاثة أجزاء رئيسية الجزء الأول أطلق عليه اسم " القمرية" كان الفنان قد رسمه ابتداء من سنة 1508 حتى سنة 1512 ميلادية، وكان يرسم كل جزء قمري بثلاثة أيام وبشكل مباشر، من دون اعداد تصاميم مسبقة، وقد كتب الى أخيه في حينها رسالة يشرح له معاناته وجهده المضني فيقول( اعمل بجهد جسدي مضن، وبعدم قناعة، ومن دون نقود..) اما الجزء الثاني فقد أطلق عليه اسم" الدورات" والجزء الثالث أطلق عليه اسم "العدالة".
قسم الجدارية الى الأشكال الهندسية الأفلاطونية هي( المثلث) و( الدائرة) و( المربع) ثم عاد فقسم التكوين الى ثمانية أجزاء تلعب فيها كثافة الضوء دور كبير تغطي أدناها واشدها قتامة التوشيحات الثماني المثلثة، وتوشيحات الأركان الأربعة على شكل مقرنصات، وتشمل الثانية الفراغ المحصور بين التوشيحات المثلثة والمنطقة الثالثة العليا المخصصة للوحات التسعة الرئيسية. وتواكب هذه التقسيمات من الناحية الرمزية، مستويات الوجود الأفلاطونية الثلاثة: عالم الوهم والخيالـ وقد مثله الفنان بالإنسان غير الملهم الذي يتلقى الوحي، وصوره في أدنى مستويات على التوشيحات المثلثة الثماني، وعالم الصيرورة المادي المتغير ومثله بأنبياء العهد القديم والعرافات الوثنيات الذي يتوسطن بين الإنسان والخالق بحكم ملكاتهن العقلية، وصور قصة الخلق والإنسان في المساحة العليا والتي تطل من خلال التقسيم المعماري من أعلى مستوى.
وتحكي هذه الجدارية العديد من الموضوعات الدينية المعروفة التي وردت في التوراة والإنجيل، مشاهد الطرد لادم وحواء من الجنة، الغواية التي تعرضا لها، خلق حواء، مشاهد مراحل الخلق، اليابسة والماء، النور والظلمة، سفر التكوين، ظهور الكون وغيرها من الموضوعات الدينية.
اما جدارية يوم الحساب في الواجهة الأمامية من المصلى رسمها ميخائيل انجلو عام 1536 وازيح الستار عنها عام 1541، أي بعد ثلاثين عام من إزاحة الستار عن جداريات السقف المصلى، وكان عمر ميخائيل انجلو 60 عاما، رسمها تنفيذا لرغبة البابا بولس الثالث الذي خلف البابا كليمت، وكان البابا بولس الثالث آخر الباباوات المنتمين الى الحركة الإنسانية المتحررة التي قادت عصر النهضة، وقد ترعرع في أحضان المجون والفساد، الا انه أبدى تعاطفه مع رجال النهضة الحديثة المولعين بأحياء الآداب والفنون الكلاسيكية وإشاعة روح الفردية. وتتالف لوحة يوم الحساب من 229 لوحة وتعد اكبر جدارية في عصر النهضة تغطي مساحة قدرها ستة عشر مترا ارتفاعا في أتثنى عشر مترا عرضا، توزعت رسومها على ثلاثة أقسام وفق نظرية التثليث الافلاطوني، اعلاها مملكة السماء التي يتوسطها المسيح والى جواره العذراء ومن حوله كوكبة من الرسل والأنبياء المذكورين في التوراة يحيط بهم عدد من الشهداء والقديسات والعرافات الوثنيات.
هناك كوتين الأولى يبدو فيها رهط من الملائكة، والأخرى رهط يحمل الصليب الذي عذب عليه المسيح، واسفل الكوتين جمع من القديسين العمالقة الأجسام، وفي الوسط نرى جمعا غفيرا من البشر، وقد انتهى حسابهم، قسم منهم يرتقي الى الجنة، والقسم الآخر يهبط الى النار، وهناك ملائكة ينفخون في الصور، وثمة ملائكة ثلاثة في يد واحد منهم كتاب يضم الحسنات وفي اللائكة الآخرين كتاب السيئات، في الأسفل يبسط ( خارون) مملكة في العالم السفلي حول نهر ستيكس يوم القيامة، ويبدو السيد المسيح في جلال وعظمة وهو يرفع يده اليسرى في إشارة تبعث الرعب في قلوب العصاة الذين صب عليهم جام غضبه مشيرا بيده اليمنى الى الطائعين ليروا الجرح الدامي بجنبه.
عندما طلب منه بعض رجال الكنيسة تغطية بعض المناطق العارية في أجساد القديسين قال ميخائيل انجلو( قولوا للبابا انها مسالة هينة، ولكن دعوه يصلح العالم فالصور سرعان ما يتم إصلاحها) ذلك انه كان يعتقد بان جسم الإنسان ومسال
( العري) هي جزء من العمل الفني، ففي الفن لا يوجد الا الناس، والناس في أعماله أناس حقيقيون تكتنفهم الحياة العضوية، فهم اكثر عظمة من الحياة. لقد ركز هذا الفنان على الطبيعة العامة الاجتماعية للفن أراد من خلال جدارياته واعماله الفنية التشكيلية والنحتية ان يتحدث حديثا مباشرا الى المجتمع، ويجسد الحياة ويكشف عنها، وهو بكل ما قدمه يعتبر أستاذ للشجاعة الإنسانية جعل من فنه جزءا من التيارات الساخطة في الحياة، رافعا الى أقصى درجة تراث عصر النهضة الذي يجعل الفن حاملا للفكر الإنساني، رافعا فيه نقدا اجتماعيا عميقا للحياة الفاسدة التي كان يراها بين اكثر الناس قوة، ومحاربا من اجل كرامة الفن.
لقد انقطع ميخائيل انجلو من تواصله برسم هذه الجداريات عدة مرات، كان اشهرها فترة سفرته الطويلة الى مدينته فلورنسا، من اجل بناء التحصينات الدفاعية عن استقلالية المدينة التي كانت امارة مستقلة، ضد قوات الغزو الأجنبي التي حاصرتها من اجل احتلالها، الا انه وخلال عمله كمعماري يقوم بإعداد التحصينات والدفاعات العسكرية، اكتشف خيانة بعض القادة، فهددوه بالقتل، مما اضطره للهرب والعودة الى روما لمباشرة عمله.
الجداريات التي أجريت عليها عملية الترميم وامتدت نحو ثمان سنوات متواصلة لتقفز بها الى 400 سنة خلت
عندما يقف الزائر في كنيسة سيستين داخل حاضرة الفاتيكان، ويتطلع نحو الهيكل فانه يجد الواجهة بأكملها تغرق في كتل من الألوان يلف قاعة الكنيسة الطويلة العالية التي تحمل كل زاوية ومنعطف إيحاء تقدمه هذه المجموعة الهائلة من الرسوم التي تتناثر في فضاءات زرقاء تتناثر فيها الغيوم الراعدة جنبا الى جنب طوفان الأجساد البشرية العارية المجهدة، المتعانقة، المتشابكة، والتي تنذر بان ما تراه العين هو نهاية العالم، وان الحساب الأخير جاءت ساعته.
لقد جسدت هذه الجدرايات الفخمة التي اسقط عنها الفنان الكبير ميخائيل انجلو القواعد الفنية التقليدية، الفوضى العارمة لارواح البشر وهي تنطلق من قبورها، متدفقة بقوة وعنفوان وكأنها نهر جارف من الأحاسيس والمشاعر وطلبات الاستغاثة، فهي تتحرك على أربعة مراحل تلفها جميعا حركة دائرية فريدة من نوعها في صياغة الأعمال الجدارية التي شاعت في فترة عصر النهضة الايطالية( 1250 – 155) ويطلق عليها اسم ( الفريسكو) او الرسم على الملاط المبتل الذي يجف حتى يصبح الرسم جزءا من الجدار نفسه، وقد نسب اكتشافه الى مفتتح عصر النهضة جيوتو، وهذا النوع من افن يتسم بالبساطة بكونه طريقة سهلة وسريعة ورخيصة لتغطية جدران الكنائس واصبح يفضل على النحت والفسيفساء التي تعد من الأعمال الصعبة والشاقة.

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف