الأردن 2005:حكومتان وذبحٌ زرقاويٌّ
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك
الأردن 2005 .. الملك "متى أعتمر الشماغ تعرفوني"
حكومتان ونصف لشعب غير آبه وذبحٌ زرقاويٌّ
كابوس الطرد هذا خيم على أعناق أعضاء البرلمان المنتخب قبل عامين، وأمضى ألـ 110 نائبا يتقلبون في مناماتهم آناء الليل وأطراف النهار حيث لا عمل لهم طوال إجازة الصيف والإجازة الاضطرارية التي منحها لهم الملك وهم يتحسسون رؤوسهم منتظرين "صدور المرسوم الملكي بخلعهم من عهدة ثقة الشعب بهم".
ولعل نواب الأردن أكثر الناس في العالم فرحا بغياب شمس 2005 المودّع، ففي آخره استراحوا وتنفسوا الصعداء حين راضاهم الملك مفتتحا دورتهم التشريعية بدل حز حلاقيمهم بإرادة ملكية سامية تعيد كل منهم إلى ديرته "إما خائبا أو مدحورا أو راضيا مرضيا"، وكان الملك الأردني جمع في مطلع الصيف نواب الأمة وأعيانها الذين يعينهم في مجلسه الشق الأول في البرلمان وأعضاء الحكومة والمستشارين في القصر الملكي كافة.
ومن دون أن يعلم جميع من حضر إلى الديوان الملكي، وبالطبع كلهم حضروا، دخل عليهم الملك في صالة محشورة، إذ بعد تحية السلام عبر الريموت كونترول، أخذ الملك ناصية الحديث لربع ساعة من الزمن كانت كأنها دهرا صبت فيه جهنم على رؤوس كل من حضر أعينا ونوابا ووزراء ومستشارين، لقد كان غضبا ملكيا عارما، افجع من تسونامي على صدور الحضور الذين أتوا من دون معرفة الأسباب.
في الخطاب ذاته قلب الملك حتى لأقرب الناس إليه ظهر المجن و"متى أضع العمامة تعرفوني"، وفي الحديث وضع جلالته ليس النقاط فوق الحروف، بل حشر كل واحد منهم وكل سلطة من السلطات في خانة الاتهام ولم يسمح لهم كافة بفرصة الدفاع عن أنفسهم، ثم حين لم يودعهم لا مصافحة ولا تحية، توجه إلى المطار ومن هناك مسمما شطر الرفيق فلاديمير بوتين في زيارة كانت الثالثة له لموسكو منذ اعتلائه العرش، لم يتفوق عليها سوى زياراته الإحدى عشر للبيت الأبيض حيث الصديق جورج بوش الإبن.
في العام 2005 ، جرب الأردن ثلاث حكومات، ففي إبريل استقالت حكومة فيصل بن عاكف الفايز من بعد عام ونصف على تشكيلها وخلفتها حكومة الأكاديمي عدنان بدران التي تشاكست من حيث لا تحتسب مع أهل البلاد الأصليين الذين حرمت جنوبهم وباديتهم من الحقائب الوزارية، حيث اتهم تيار الإصلاح البريء بالتورط في "الفضيحة"، وكان أن تراجع بدران وعدّل حكومته آتيا بوزراء من الجنوب والبادية، حتى استطاع نيل الثقة البرلمانية بعد تهديد من 51 نائبا بعد منحها للسبب المذكور، ولكن الضحية العلنية الذي راح على مذبح التصادم كان واحدا من أهم رموز الإصلاح والعمل الاقتصادي المنفتح وهو وزير التخطيط باسم عوض الله الذي نعاه الملك يومها حيا برسالة موجهة لرئيس الوزراء عاب فيها على رجالات الحرس القديم سياساتهم المرفوضة والممجوجة في اغتيال الشخصيات.
لم يطل عهد حكومة بدران الذي اعترف بعد مغادرته الكرسي الرئاسي عائدا إلى معامل البحث، بأنه حين استدعي أول مرة للقصر الملكي لم يكن يدرك لماذا هذه الدعوة الملكية المفاجئة لأكاديمي يعيش وراء ستار، وهو قال لمقربين منه "والله لا اعرف مسبقا أن سيدنا سيكلفني بتشكيل الحكومة". وذهبت الحكومة بخيرها وشرها، وكأنها دخلت من ذاك الباب وخرجت من هذا الشباك، على رأي المثل الشعبي.
وأخيرا، جاءت حكومة معروف البخيت، العسكري المحترف والاستراتيجي والسفير واللاعب المهم في مفاوضات السلام مع إسرائيل من وراء ستار، لقد مهد الملك عبد الله الثاني لمجيء حكومة البخيت بطرد عشرة من مستشاريه (قيل أنهم استقالوا، لحفظ ماء الوجه) ولقد كان الملك ينتظر ليس من هؤلاء الاستقالة وحسبن بل من الحكومة ومجلسي الأعيان بعد تلك "الصفعة التي وجهها للجميع في قصر رغدان قبل ثلاثة اشهر من مجيء حكومة البخيت.
ويبدو أنه بطرد المستشارين، واستقالة حكومة بدران أو إقالتها لا فرق، فكأنما الملك هز العصا بوجه مجلس النواب المنتخب المناكف دائما، فهو استبق ذلك بفض الدورة الاستثنائية سريعا، ثم بإرجاء دعوة البرلمان في دورته العادية لشهرين، هذان الشهران كانا زمنا عبوسا للنواب كافة، حيث الهلع سيد الموقف والسيف الهاشمي مسلط على رقاب نواب الشعب، ففي خطبة الصيف الغاضبة خاطب الملك النواب "إذا أنتم لستم راضين عن الحكومة، فإن شعبي الذي أعرفه جيدا غير راض عنكم أنتم نوابه".
فقط قبل 24 ساعة من الموعد الدستوري لانتهاء تمديد الإجازة المفروضة، جاءت رسالة من الملك عبر موظف في التشريفات لرئاسة مجلس الأمة فحواها "جهزوا أنفسكم سيدنا سيلقي خطاب العرش غدا مفتتحا دورتكم العتيدة". قبل ذلك بثلاثة أيام كان الملك كلف "رجل الثقة" كما يسميه معروف البخيت بتشكيل الحكومة الجديدة، وكأنه بذلك قال له "إبشر الثقة بجيبك يا معروف، فلا تقنع من نواب الأمة بما دون النجوم، فهي آتية لك على طبق من الماس ودر وديباج ملكي".
وإليه، فإن العام 2005 أيضا شهد إطاحة مديرين لدائرة المخابرات العامة وهي الذراع الأمني الضارب، الأول كان المشير سعد خير الذي ظل للسنوات الخمس الماضي أقو رجل في المملكة بعد الملك، حتى أنه هو الوحيد الذي كان يسمح له بالتدخين على سبيل المثال علنا أمام الملك وفي أروقة الديوان الملكي، وخلافا لكل القوانين الدولية الصارمة، كان يمارس التدخين على متن طائرة الخطوط الجوية الأردنية الملكية. وهو أيضا الوحيد الذي كان يشارك من دون كل رجالات الدولة الكبار في لقاءات الملك مع زعماء عالميين مثل بوش وبلير وبوتين وشيراك وشارون وزعماء عرب كالقيادة السعودية والرئيس حسني مبارك ومحمود عباس وبشار الأسد.
ذهاب سعد خير يظل سرا كبيرا وبالتأكيد لن يعرف إلى حين من الدهر، أما ذهاب خليفته اللواء الحقوقي فمعروف الأسباب من دون شرحها، فبكل ما عند سميح عصفورة من فهم قانوني وأدب جم حيث هو الذي حاكم مدير المخابرات القوي الأسبق سميح البطيخي المعتقل حاليا في منزله الفخم في العقبة، فإن ما يؤخذ عليه هو "رقته الأمنية"، هذا فضلا عن أنه في الأوان الخير ظل زارا دائما للأطباء لوعكات تضطره للتقاعد والراحة، حتى آلت قيادة المخابرات الآن لثالث رجل خلال عام وهو اللواء محمد الذهبي وهو شقيق الطيار نادر الذهبي قائد سلاح الجو الملكي السابق ووزير النقل السابق ورئيس هيئة مفوضي العقبة.
وأخيرا، ومع المحاولات الجريئة في الأردن لجذب الاستثمار العربي والأجنبي وهي حققت جزءا كبيرا من النجاح، حتى أن كل المملك الهاشمية تكاد تصبح منطقة عالمية حرة، فإن الإرهاب الذي لا أرض ولا وطن ولا عقيدة طاوله مرتين في أهم مفاصل الاستثمار، الأول بصواريخ كاتيوشا اطلقت على ميناء العقبة وامتدت إلى بوارج أميركية كانت راسية هناك ثم ميناء إيلات الإسرائيلي.
أما الثانية، وهي كانت الأشد إيلاما ودموية، حين شنت هجمات انتحارية ضد ثلاثة فنادق تعتبر من الفنادق الجاذبة للمستثمرين، كما أن السياحة ذاتها توفر دعما ماليا كبيرا وتكاد تكون الدخل الثابت المستمر الذي يدعم الميزانية العامة للدولة. وكان أبو مصعب الزقاوي الأردني المولد والأصل والجنسية والمحكوم ثلاث مرات بالاعدام لتورطه بجرائم تمس أمن الدولة وراء تلك العمليات الدموية التي راح ضحيتها 62 قتيلا وما لايقل عن مائة جريح.
وأخيرا، فإن ممارسة الزرقاوي الذي ينتمي لقبيلة بني حسن الكبيرة في شمال الأردن لذبح الأبرياء على أرض وطنه ومن بني جلته شكلت ولا زال تحديا كبيرا لكل الأجهزة في المملكة الهاشمية وليس الأجهزة الأمنية وحدها، فالإعلام مسؤول ووزارة الأوقاف مسؤولة وكذا حال وزارة التربية والتعليم العالي ومؤسسات تشجيع الاستثمار والسياحة وكل مؤسسة أو هيئة تتحمل مسؤوليتها في هذا الاتجاه، إذ أن ما علمته (إيلاف) هو أن المؤسسات والفنادق والمطاعم وكل الجهات التي تجذب الزوار والسياح ورجال الأعمال كانت وجهت لها تعليمات صارمة وواضحة في سنوات سابقة بتطبيق إجراءات أمنية ذاتية بمشورة مع الأجهزة الأمنية الحكومية وبتعاون منها، لكن هذه المؤسسات لم تلتزم بشيء ولم تعط آذانا صاغية لذلك خشية تحملها نفقات مالية من جيبها.