أخبار خاصة

تحية لضحايا حرب لبنان

قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

تحية إلى كل ضحايا حرب لبنان في ذكراها ال31
مريم الكردية وعاشقها

إيلي الحاج

أذكرشارل .
كان رفيقي في الصف المدرسي مدى خمس سنين وكنا بعمر العاشرة تقريباً عندما التقينا، لكننا لم نتحول صديقين لاختلافات كثيرة بيننا في الطبع والسلوك والتفكير. وحين اندلعت الحرب عام 1975 كان من الأُول الذين حملوا السلاح ونزلوا الى الشارع والمتاريس وسيرة الموت. أنا بقيت بعيداًَ، لكنني كنت أشارك في جنازات رفاق صفي الذين مات نصفهم خلال المعارك المتنوعة، حتى اليوم أذكرهم فرداً فرداً ويخطر ببالي أن أكتب قصصهم جميعاً، الأحياء والأموات، لأنها تستحق ألا تضيع .


شارل واحد منهم . إلا أنه ما كان ليطفو بالحاح على سطح ذاكرتي لولا مصادفة غريبة استوقفت تفكيري وجعلتني أراه في أحلامي مرارا منذ أيام وأعيش قصته كما حدثت، من الأول.
كنت ماشياً، بعد ظهر، في شارع الحمرا على الرصيف الممتد من أمام مقهى "الويمبي" باتجاه وزارة الاعلام، متطلعاً معظم الوقت الى الأرض، لأن هناك ورشة حفرت الطريق وبعض الرصيف منذ أشهر ولم تنته وإذا لم يتنبه الماشي تماماً فيمكن أن يقع في حفرة أو يرتطم بحجر ضخم . لذلك لم أرَ امرأة تتوسط فتاتين يقتربن مني ماشيات في الاتجاه المعاكس، إلا عندما أصبحن بمحاذاتي تماماً.
بطرف عيني لمحت عينَي المرأة ، خضراوين تملآن وجهها الأبيض وتصلان حتى شعرها الأشقر الطويل.
في لحظة قفز أمامي شارل .
كنّ قد أصبحن خلفي بخطوتين أو ثلاث فجمدت في مكاني مستديرا ًنحوهن ، وسمعت نفسي كما لم أفعل طوال حياتي مع امرأة غريبة في الشارع أناديها باسمها بصوت عالٍ : " مريم؟!". فالتفتت نحوي باستغراب وتوقفت، وقبل أن أسلم عليها سألتني : " من أين تعرفني؟". فأجبتها أنها وأهلها كانوا يسكنون حتى أول مرحلة من الحرب في حيّنا في الأشرفية ( شرق بيروت).
هزت رأسها متعجبة جدا" وقالت :"صحيح ، ولكن كيف تذكر اسمي؟".
شعرت بأحراج وأنا أقول لها أنني كنت رفيق شارل و"هل تذكرين شارل؟". فأجابت وهي تحدق في وجهي كأنها تنقب في الذاكرة :" من زمان... زمان". وتطلعت خلفها حيث الفتاتان تنتظرانها على بعد أمتار وأمارات الدهشة والريبة على وجهيهما ، وبدا واضحا أنها هي أيضاً شكت في أمري فرمت كلمة "العفو" خلفها بتعجّل ومشت نحوهما كأنها تهرب.
وسمعتهن "يبربرن" في شأني بينما أكملت طريقي مفكرا بشارل.
كنا في الحي نسميها مريم الكردية وكانت أجمل فتيات الحي تبهرنا جميعا بعينيها الساحرتين ولاشيء في مظهرها وثيابها يوحي أنها كردية ، وحدها لهجتها كانت غريبة الى حدٍ ما . لكنها اختفت فجأة وعرفنا لاحقاً أن أهلها خافوا الحوادث والانتقامات الطائفية وغادرت معهم في ليلة ليس فيها ضوء قمر.
بعد ذلك كلما التقيت شارل كان يحكيني عن مريم وألاحظ أنه فقد مرحه وروح السخرية اللذين كانا يميزانه وبات مجرّد شاب كئيب.
ومع أنه كان يعدّ من المقاتلين الشرسين والمسيّسين، بدا يوماً بعد يوم أنه لم تعد تهمه المعارك ولا السياسة ولا شيء ولا أحد في الحياة إلاّها. وكلما فتح سيرتها أمام رفاقه كانوا يسخرون من الكردية وأهلها وتعلقه الشديد بها. وأذكر أنه أطلعني مرة على خطة ، خيالية طبعاً، وضعها للتسلل بسلاحه إلى "بيروت الغربية" ( بلغة الحرب وذاك الزمن) وتخليصها من أهلها الذين كانوا يرفضون أن تتزوجه، لكنه لم يكن قد تمكن من إقامة اتصال بها ولا تحديد مكان سكنها.
وآخر مرة التقينا جلسنا على كرسيين في المقهى الصغير الوحيد الذي ظل يفتح في الحي خلال الساعات الصباحية فحسب تلك الأيام، وأخذ يحكيني عن مريم الكردية ومعاناته المستمرة منذ شهور.
وأضاف أنه يفكر بالانتحار ولم يعد يتحمل الحياة من دونها.
ظننته يمزح ، فأجبته وأنا أقوم عن الكرسي أن هذه أفضل فكرة في رأيي ولا أرى حلاً أحسن. وكنت أضحك في سري ولا جلد لي على سماع الخبرية نفسها، فودعته بسرعة.
ولم أدرك معنى هزة رأسه مراراً والأسى يغمر وجهه.
في المساء أخبروني أن شارل أطلق النار على رأسه في المتراس المشرف على ساحة الشهداء حيث كان في نوبته وحيداً.
وقد شاركت في جنازته في اليوم التالي. أذكر أنني بكيت وأن رفاقه أطلقوا رشقات نارية كثيفة في الهواء، وصوره كانت على كل جدران الحيّ...
لكنني أرجح أن مريم الكردية لم تعرف .
كان عليّ أن أخبرها عندما التقيتها قبل أيام في شارع الحَمرا.

البوسطة ... ومن هناك تأججت الحرب

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
حتى تكتمل العبرة ، لا بد من تأريخ محايد
احمد المغربي -

من الناحية الأخرى لما كان يسمى المنطقة الشرقية ، كنا في الغربية ننظر إلى المسيحي من الكتائب أو الأحرار على أنه ليس من البشر... فهو إما قناص للمارة من النساء و الأطفال أو يقصف عشوائياً بدون رحمة أو مقاتل (إنعزالي) يجب قتله أينما وجد ،، و كأن مقاتلينا كانوا بمنتهى النزاهة !! بل كانوا حملان وديعة و بنادقهم ترمي الورد و ليس الرصاص ،، هكذا أراد إعلامنا ( الوطني )أن يصور الأحداث .و لكن ثبت أن إعلام الطرفين كان مزيفاً و كان سياسيي الطرفين يعملون وفق برامج محددة ، أما الشباب من ضحايا الحرب فقد كانوا الوقود الرخيص لها (تحت ذرائع حماية الدين و الوطن و الوحدة و الديموقراطية الخ...) واقع الأمر أن الفريقين استخدما كل الوسائل الدنيئة و اللاأخلاقية لسحق الطرف الآخر. من هنا يحتاج الأمر لسرد الأحداث عن طريق جهة ذات ضمير حي لتؤرخ للأحداث كما حصلت دون مزايدات هذا الطرف أو ذاك ، مع ضرورة ذكر الخلفيات الإقليمية و الدولية و العقائدية بل و المافيوية التي كانت تتحكم في قرارات كل طرف.

Many sad stories
Malcolmd -

There are many stories about the war in Lebanon, and about thousands of innocents were killed based on their Ids, and had nothing to do with any politics. I remember a Lebanese classmate told me how Christian right wing militia in Eastern Beirut killed his brother, because he said something against Israel and one of its allies in that militia. This student always seems depressed. He does not know the whole story of Lebanon, but he knew that his family has to suffer because they were Muslims living in a Christian neighborhood, and the Christian right wing whom they allied with Israel and America that time wanted to dominate Lebanon kept giving them a hard time and caused them to leave the country during the war as many other families. I remember this student responding about a Quranic text calling to treat Christians fairly, and be tolerant with them that the teacher needs to go to Lebanon and see when the Christians are the majority how they will treat you. This friend told me once that he will never forget or forgive, because it was unfair. Israel and America are enemies and there is no reason for any one to work for them, and I don''t see the majority of Lebanese equating Syrians to the Americans or Israelis. My Lebanese friend never asked for revenge, but his heart will never be clean after the unfairness and suffering he faced. Many sad stories about the Syrian regime helping what are called now -Syrian enemies-, Syrian regime had killed many Lebanese and Palestinians to serve the American and the French agenda that time and protect the right wing militia. Look at the Lebanese people need to understand that the tie to the western agenda will bring them destruction and sadness. Many sad stories

Very nice article
rabih -

thank you Elie for these nice columns. I look forward to read more and more of what you write.

داخل كل قلب مقاتل انسان
جورج الهاني -

قصة محزنة ومؤثرة بالفعل يا صديقي ايلي ، وهي تُسقط مقولة أن المقاتلين هم مجرّد قتلة وأشرار لا قلب لهم ولا عاطفة تجاه الآخرين ، وشارل صديقك الذي لا ولن تنساه هو عيّنة من الشباب الطيّبين الذين يجب أن نتذكّرهم بإستمرار ونصلّي من أجلهم لأنّ من يقتله قلبه النابض بالحبّ والمحبة خير ممن يقتله شرّه وحقده للآخرين . رحم الله شارل ورحم جميع الشهداء الأبرار في ذكرى الحرب اللعينة التي أفقدتنا الكثير من الأهل والأحباء .