أخبار خاصة

الشياح وجهُ الليلِ المُباح

قراؤنا من مستخدمي تويتر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك

حسن المصطفى موفد إيلاف إلى لبنان:خفافا ضربوا بأرجلهم الأرض وهرعوا. المسافات الشاسعة راحوا يشقونها كالخيل النافرة. يمنون أنفسهم بالنجاة، ويحمدون الرب على الحياة الجديدة التي كتب. الجنوب المشتعل، كانت نارهُ برداً وسلاماً عليهم، كما كانت لإبراهيم. قانا لم يعلقوا على صليبها، ولم تلبسهم الملائكُ تاج الشوك على رؤوسهم. مسحوا عرق الخوف والتعب، الضحكات تبادلوا، فكان للعناق و"الدبكة" نصيب. هم الآن في "الشياح" التي من دخلها كان آمنا. الشياح التي غناها خالد الهبر، وأنشدها مظفر النواب في دفتر المطر:
"ولماذا بعتم لغة البيت، وفيها الشياح وأهلي.. وأخي في مطر الليل!
اثار ماتبقى من قصف الشياح بعدسة ايلاف وكان لهم النوم، وكان السقف أيضا لهم كما بَشَرَ ووعد مظفر. نوم سيغني له مارسيل خليفة "تصبحون على وطن"، وسقف من شد دفئه التصق بالأجساد وأطبق عليها.
الهاربونَ من الموت، لم يعلموا، أنهم هربوا منهُ إليه. والحيُ الآمن الذي بقي -طيلة ما يزيد على الثلاثة أسابيع من بدء الهجوم الإسرائيلي على لبنان-، حصنا حصينا لم يفارقه أهله، وفتحوا أبوابه وقلوبهم أمام أقاربهم وأصدقائهم من النازحين، هذا الحي غادره عدد كبير من العائلات، بعد أن اصطبغ بأحمر الدم، وامتلأت رئتاه برائحة الموت، وأسلم عدد كبير من أهله أرواحهم دون عودة. أطفال ونساء ومدنيين، شهداء دونوا اسم الشياح إلى جوار مروحين والقاع والغازية وباقي المآتم التي لا تنتهي.
شارع واحد يفصل بين حارة حريك والشياح. شارع ظنه الكثيرون برزخا يفصل بين الجنة والنار. نارُ رعب حارة حريك وبئر العبد، وجنةُ أمان الشياح. اعتقادٌ بناه كثيرون لعلمهم أن لا مربعات أمنية لحزب الله، ولا مراكز أمنية، ولا قيادات تنظيمية تقطن حيا يُعتبرُ معقلاً تاريخيا لحركة "أمل" وزعيمها رئيس مجلس النواب اللبناني، الأستاذ نبيه بري، الذي ترى صوره وشعارات حركته تملئ المكان، أكثر من صور نصر الله ذاته.
تاريخيا، تعتبرُ الشياح هي الضاحية الأولى لبيروت، حيث يعود تاريخ وجودها لما يزيد على القرن ونيف من الزمان. فلم يكن موجودا آن ذاك لا بئر العبد، ولا حي ماضي، ولا حي معوض، ولا معظم أحياء ضاحية بيروت الجنوبية.
قِدمُ المنطقة التاريخي، جعلها حاضرة لكثير من العائلات الشيعية، وأخرى مسيحية. لكن الأخيرة نزحت في معظمها خلال سنوات الحرب الأهلية التي اندلعت العام 1975، وكانت شرارتها الأولى بعين الرمانة، المنطقة المسيحية، التي تتبع إداريا وعقاريا للشياح، عندما استهدفت مجموعة مسلحة "بوسطة" ركاب، وقتلت وجرحت من فيها.
كنيسة مار مخايل، الواقعة على أطراف الشياح، والتي شهدت لقاءً تاريخيا في 6 شباط من هذا العام، بين زعيم التيار الوطني الحر، الجنرال ميشال عون، وأمين عام حزب الله، السيد حسن نصر، كانت ثمرته توقيع "وثيقة التفاهم"، بين الطرفين، وهي الورقة التي يراها كثير من المراقبين أتت بمثابة الضمانة للتماسك الداخلي بين الساحتين المسيحية والشيعية، وأسست لتماسك وطني تجلى في أزمة الحرب الحالية، مانعة فتنة متحققة من الوقوع، هذه الكنيسة تعد أبرز علائم الوجود المسيحي في المنطقة، لما لها من بعد رمزي في سني الحرب الأهلية، ولذا، لم يكن غريبا أن عمد حزب الله وحركة أمل إلى تطويقها وحمايتها عندما اندلعت حركة احتجاجية من قبل مجموعات غاضبة من أهالي الضاحية، احتجاجا على بث حلقة من برنامج "بسمات وطن"، على شاشة قناة LBC اللبنانية، اعتبرت في نظر جمهور المقاومة مسيئة في حق نصر الله.
طيلة الحرب الأهلية اللبنانية، كانت الشياح منطقة تماس في المنطقة الفاصلة بينها وبين عين الرمانة، حيث تتمركز هنالك قاعدة شعبية وعناصر مسلحة للقوات اللبنانية المنحلة، بقيادة الدكتور سمير جعجع، ما حول طريق صيدا القديم، لخط فاصل بين المنطقتين، الإسلامية والمسيحية، يتبادل فيه المسلحون القنص وإطلاق النار.
بالرغم من انتهاء الحرب الأهلية، ووجود عدد من المسلمين يسكنون ويملكون عقارات في عين الرمانة، إلا أن هذا الصراع التاريخي، تراه يتجدد بين فينة وأخرى. فعندما انتخب نبيه بري رئيسا لمجلس النواب اللبناني في دورته الحالية، أطلق محبوه النار في الهواء ابتهاجا وفرحا، ما أدى لاستثارة الجار المسيحي، وحصول اشتباكات بين الطرفين. ذات الإشكال الأمني حصل، وإن كان من الطرف الآخر هذه المرة. فعندما صدر قرار بالعفو عن الدكتور سمير جعجع، أطلق مريدوه النار والألعاب النارية ابتهاجا، الأمر الذي استثار الجار المسلم، ليشتبك الطرفان من جديد، وليتدخل الجيش لفض النزاع وتطويق المنطقة.
قصة طويلة للشياح، وتاريخ مليء بالدم والنزاع. فالمعارك لم تقتصر مع القوات اللبنانية، بل جرت بين عناصر من حركة أمل وحزب الله أبناء الطائفة الواحدة. فالحركة تعتبرُ المنطقة معقلا تاريخيا لها، وعمقا شعبيا لا يمكنها التخلي عنه، وترى في حزب الله الابن الذي تمرد على أمه. المعارك التي كانت تنشب بين فينة وأخرى بين الطرفين وحِدتِها، خلقت استقطابا ثنائيا داخل الشارع الشيعي. لكن هذه الثنائية ما لبثت وبدأت في التلاشي شيئا فشيئا، مخففة من احتقانها القديم، إلى أن حقق حزب الله اختراقا حقيقا في الشياح بعد العام 1996، متوجا إياه العام 2000، بعد تحرير الجنوب اللبناني، متزامنا مع صعود نجم السيد حسن نصر الله، وامتداده شعبيا كرمز شيعي إسلامي بالدرجة الأولى، ورمزا لبنانية أنجزر التحرير، مع ملاحظة هامة، وهي أن الحزب وبالرغم من قدرته على الامتداد، لم يعمد إلى إلغاء حركة أمل، أو استثارتها، أو الاستئثار بساحتها، مفضلا التعايش المرن معها، ضمن قراري حزبي سياسي عالٍ بذلك.
ما تقدم لا يعني أن حزب الله كان غائبا عن معقل نبيه بري، فالتاريخ يروي أن أمينه العام السابق، السيد عباس الموسوي، عاش فترة من حياته هناك، إلى جوار مسجد الإمام الحسين. كما أن السيد حسن نصر الله، درس في مدارسه. كما أنه في 16 حزيران 1985، قرأ السيد إبراهيم السيد، رسالة حزب الله، وبيانه الأول الذي وجهه إلى عامة الناس شارحا مبادئه، وكان أن قرأ هذا البيان هناك.
المرجع الشيعي اللبناني، السيد محمد حسين فضل الله، كان له حضوره في الشياح قبل الفصيلين السابقين. وفي بداية الثمانينات من القرن المنصرم، نفذت عناصر عميلة لحزب البعث العراقي محاولة اغتيال فاشلة لفضل الله، وهو في طريقه لإلقاء درس ديني في حسينية الشياح، إلا أنه نجى منها.
وقبلها، وفي العام 1980، نقل السيد حسن الشيرازي إلى حسينية الشياح، حيث غسل هناك، بعد أن اغتالته مجموعة تعمل لصالح المخبرات العراقية.
وتقليديا، ضمت المنطقة عددا من شيوخ الدين الكلاسيكيين منهم: الشيخ محمد حسن قبيسي، والشيخ عبد الكريم شمس الدين، والد الإمام محمد مهدي شمس الدين. كما وُلد فيها القانوني والنائب السابق إدمون نعيم، وسكنتها قبل أن تبلغ مجدها، الفنانة هيفا وهبي.
الشياح التي تحتضن مقبرة "روضة الشهيدين"، حيث جثامين عدد كبير من رجال المقاومة، يقطعها شارعان رئيسان: الأول باسم عبد الكريم الخليل، أحد الرموز الوطنية وشهداء الاستقلال، والثاني باسم أسعد الأسعد، سليل العائلة البرجوازية العريقة، والذي يمتلك قصرا في ذات الشارع. وحديثا اخترقت المنطقة جادة هادي نصر الله، والممتدة من مستديرة شاتيلا، وصولا إلى عمق الضاحية الجنوبية.
استهداف مبنى سكني في الشياح، يقرأه البعض في سياق العقاب الجماعي الذي تمارسه إسرائيل على اللبنانيين عامة، والشيعة خاصة، ضاربة إياهم وفي أكثر من مكان. فيما يراه آخرون رسالة موجهة إلى رئيس المجلس النيابي نبيه بري، فبعد عاصمته في الجنوب مدينة "صور"، هاهي عاصمته في ضواحي بيروت تضرب، عقابا له على مواقفه المتصلبة، ودفعه الرئيس السنيورة، والحكومة اللبنانية إلى اتخاذ مواقف متقدمة، وتحالفه مع حزب الله، وتمثيله إياهم في المفاوضات السياسية الجارية.
أيا تكن أسباب استهداف الشياح، وأياً يكن الهدف السياسي من ورائه، فإن معرفة علة ذلك لن تعيد الأموات إلى مقاعدهم الأثيرة، ولن تنفخ الروح فيهم من جديد.
مجزرة أتت مكملة لسابقاتها، وكثير هنا، برغم وجعهم، يعرفون أنها لن تكون خاتمة الأحزان.

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف