أخبار خاصة

إسرائيل- حزب الله: ميزان الإنتصار والإنكسار

قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

عام على الحرب الملتبسة وأخطاء التقدير المتبادلة
إسرائيل- "حزب الله": ميزان الإنتصار والإنكسار

إيلي الحاج من بيروت:شكل 12 تموز / يوليو 2006 ، يوم اندلاع الحرب بين "حزب الله" وإسرائيل، حدا فاصلاً في لبنان بين زمنين ومرحلتين ، فما بعده لم يعد كما قبله ولن يكون، لا في الجنوب والوضع الحدودي عليه، ولا في الداخل اللبناني ومعادلة الحكم فيه .وسواء أخطأ "حزب الله "التقدير السياسي عندما لم يقدر عواقب عملية اختطاف الجنديين الإسرائيليين التي نفذها خلف الحدود المرسومة دولياً ب" الخط الأزرق" لمبادلتهما بثلاثة أسرى لبنانيين، فلم يتوقع حربا اسرائيلية مدمرة للبنان ، او انه لم يأخذ على محمل الجد التحذيرات والمعلومات التي تلقاها عن خطط واستعدادات اسرائيلية لرد عنيف بعد العملية المماثلة التي جرت في غزة وأسفرت عن اختطاف الجندي جلعاد شاليط ، وبصرف النظر عن الأسباب التي أملت على الحزب ان يقطع جلسات" الحوار الوطني اللبناني" عند نقطة "الاستراتيجية الدفاعية" المتعلقة بمصير سلاحه ، وان يقطع هدوء الصيف الواعد بمليون سائح لتحل محله عاصفة "الوعد الصادق" ، أظهرت نتائج الحرب التي خاضها مع الجيش الاسرائيلي على امتداد 33 يوماً ان اسرائيل أخطأت أكثر منه في "التقدير العسكري" لقوة الحزب العسكرية وجهوزيته القتالية على خلفية عقيدية جهادية، وأثبتت قصورا استخباراتيا أكمله تخبط وارتباك في الخطط القتالية وفي الأداء العسكري على ما كشفت بعد الحرب "لجنة فينوغراد" في تقريرها.

هكذا قدر ل"حزب الله" أن يخرج من الحرب غير المتكافئة متباهياً بأنه منتصر. وحق له أن يعتبر نفسه منتصرًا، بمعزل عن "جيرانه" سائر اللبنانيين، لمجرد أنه لا يزال موجودًا لم تهزمه إسرائيل عسكريا ومحتفظاً بسلاحه، وإن كان غير ظاهر وفي الأنفاق . فبدل ان تعوّض اسرائيل خسائرها السابقة وتثأر عام 2006 لانسحابها مكسورة من جنوب لبنان عام 2000، وقعت في خسارة ثانية لا تقل فداحة.

وعندما أخفق الجيش الاسرائيلي في حسم سريع للحرب في غضون أيام كما اعتاد في حروبه العربية، أصيبت نظرية"الجيش الذي لا يُقهر" في الصميم وبعد أسابيع وأشهر من حرب تموز تأكد ان هذه الحرب أحدثت اهتزازا عنيفا في المؤسسة العسكرية الاسرائيلية وداخل المجتمع الاسرائيلي . ووصل الأمر الى حد ان الجيش فقد الثقة بنفسه، وان الاسرائيليين فقدوا الثقة بجيشهم وقوته الردعية.

وقد أجرت إسرائيل اعادة تقويم شاملة في المفاهيم والنظريات والخطط العسكرية والقتالية داخل الجيش استنادا الى "اخفاقات حرب لبنان"، في حين كان "زلزال تموز/ يوليو" يحدث تصدعات وتشققات داخل المؤسستين العسكرية والسياسية ويطيح رؤوسا كبيرة، من قائد الجبهة الشمالية وصولا الى رئيس الأركان دان حالوتس، ومن وزير الدفاع عمير بيرتس وصولا الى رئيس الوزراء ايهود أولمرت الذي وصلت شعبيته الى أدنى مستوى لرئيس وزراء اسرائيلي، وظل مصيره عالقا ومعلقا الى حين صدور التقرير النهائي للجنة فينوغراد...

والواقع أن ما حصل في اسرائيل نتيجة حرب الصيف الماضي وبعدها من تداعيات وارتدادات كان كافيا لتأكيد ان الحزب لم يخسر وان اسرائيل لم تربح في الحرب.

لكن اسرائيل التي خسرت في الميدان ربحت في السياسة . وما لم تحققه بوسائل عسكرية حققته بوسائل دبلوماسية وسياسية، في حين ان "حزب الله" الذي لم يخسر عسكريا لم يربح سياسياً، بل جاءت نتائج المعركة الدبلوماسية والسياسية غير مطابقة لنتائج المعركة العسكرية. ويعود السبب أولاً إلى ضغوط المجتمع الدولي التي رافقت ضغوطا عسكرية واجتماعية ونفسية هائلة على" حزب الله" وجمهوره وطائفته . طائفة أثبتت قدرة مذهلة على التضحية في سبيل "حزب الله" وأمينه العام السيد حسن نصرالله الذي يرفعه كثيرون من الشيعة إلى مرتبة التقديس.

لكن كل الإستبسال وكل التضحيات لم تمنع أن يؤدي مجمل الضغوط إلى قرار دولي حمل الرقم 1701 اضطر الحزب الشيعي إلى القبول به، وأتاح لإسرائيل ان تحصل على وضع لا سابق له على حدودها الشمالية، إذ تسلم الجيش اللبناني الحدود اللبنانية للمرة الأولى منذ أكثر من 30 عاماً مدعوما بقوات دولية معززة عددا وعدة ومهمات ، مما حشر نحو 25 ألف جندي على مساحة ضيقة لا تتجاوز 750 كيلومترا مربعا بين نهر الليطاني والحدود ، حيث بات الظهور المسلح ل "حزب الله" ممنوعاً ، وبموافقته.

وعنت هذه النتيجة أن "حزب الله" الذي يتلازم وجوده عقائدياً بامتلاكه السلاح والتنظيم العسكري نجح في الصمود وفي الخروج بشرف من المعركة. إلا أنه لم يستطع الاحتفاظ بوضعه السابق كما كان قبل عملية 12 تموز / يوليو ، كما أخفق في تحقيق مكاسب سياسية نتيجة لصموده واستبساله على أرض الجنوب.

عند هذا الحد برزت مفارقتان : الأولى إن حرب تموز/ يوليو تركت آثارا وانعكاسات واضحة على مجمل الوضع الاستراتيجي في الشرق الاوسط ، إذ زادت في تعثر مشروع الولايات المتحدة وتسببت في ارباك حليفها إسرائيل، ولو نجحت اسرائيل في إنهاء "حزب الله" لكانت أمور كثيرة تغيّرت في المنطقة كلها وليس في لبنان وحده . ورغم ذلك لم يجد الحزب سبيلا لمنع نشوء وضع "استراتيجي" جديد على الحدود اللبنانية- الاسرائيلية يبعده عنها، ولا يتناسب مع مصالحه وطموحاته وخصوصياته ودوره الاقليمي وموقعه المتقدم على جبهة الصراع مع اسرائيل.

أما المفارقة الثانية فهي أن الحزب الذي أعلن انتصاره "الإلهي" واعترف الخارج حتى إسرائيل نفسها بانتصاره العسكري ، لم يحصل على اعتراف داخلي بذلك ولم يعرف او لم تتح له فرصة ان يحوّل هذا الانتصار العسكري مكاسب سياسية في الداخل . او ان انتصاره كان من الحجم والوهج ما تجاوز الساحة اللبنانية وما فاق قدرة "الصيغة اللبنانية" الدقيقة في توازناتها وتعقيداتها السياسية والطائفية على تحمّل التبعات والأعباء.

وفي الواقع كان بقية اللبنانيين ، يتطلعون في معظمهم إلى الكارثة الإقتصادية التي أنزلتها بهم حرب لم يكن لها مبرر ما دامت إسرائيل باتت خارج الأراضي اللبنانية ، وبقيت مزارع شبعا التي ترفض سورية، حليفة الحزب وإيران ترسيمها من أجل تأكيد لبنانيتها وتسهيل عملية استعادتها للبنان عبر الأمم المتحدة . في المحصلة ، خرج "حزب الله" من الحرب بحجم إسلامي وعربي أكبر من لبنان ، أكبر بكثير من حجمه اللبناني في المعادلة الداخلية المحكومة بتوازنات سياسية طائفية ومعادلات توافقية.

بعد الحرب وأخطاء السياسة

بعد الحرب ارتد الحزب الى الداخل معيدًا ترتيب أولوياته وخططه. ووجد نفسه منخرطا في اللعبة السياسية الداخلية و "متورطا" فيها أكثر وباحثا عن دور سياسي أكبر في موازاة تراجع دوره المسلح وانكفائه القسري عن الجبهة الأمامية . كان يبحث عن ترجمة عملية لما يراه انتصاره وباشر عملية تصفية حسابات مع من لم يقف معه في معركته المصيرية ومن اتهمه الحزب بأنه تواطأ وتآمر. وهكذا تصدعت بعد الحرب الوحدة التي تجلت في الحرب بأبهى مظاهرها بين "شعب وجيش ومقاومة"، بفعل الانقسام السياسي الذي بلغ الذروة في واقع انشطاري بين فريق الغالبية أو قوى 14 آذار/ مارس الذي طرح البعد الاقليمي للحزب في المحور الإيراني- السوري ومخططاته التي لا تلائم لبنان، وفريق المعارضة أو قوى 8 آذار/ مارس الذي طرح البعد الداخلي في معركة المشاركة.

عندما بادر" حزب الله بعد الحرب الى طرح مطلب تشكيل "حكومة الوحدة الوطنية" " مع "الثلث الضامن " لتعطيل القرارات غير المتوافق عليها، كان يريد تحصين وضعه الداخلي وربما رد الجميل لحليفه الجنرال الذي كان البادئ قبل أشهر بالدعوة الى "حكومة وحدة وطنية" ووقف بجانب الحزب وراهن عليه. لكن الأكيد ان" حزب الله" قبل ان تضع الحرب أوزارها كان اتخذ قراره بقيام حكومة جديدة، وأن أول شيء يفعله بعد انقشاع غبار المعركة هو تغيير الحكومة، رئيسا وتركيبة، لأنه فقد الثقة بحكومة الرئيس فؤاد السنيورة ولم يعد يأمن لها بعدما اعتبر ان ظهره في أيام الحرب والمواجهة لم يكن "محميا"، وان الجبهة الخلفية كانت مخترقة "حكوميا وسياسيا" بخلاف ما كان عليه الوضع "شعبيا اجتماعيا وطائفيا"، مما سمح باستيعاب مشكلة النازحين بمئات الآلاف.

وبدا الحزب صاحب الخبرة والتجربة في المقاومة والأداء الناجح، المتمرس في فنون القتال وفي الحرب النفسية أيضا، في صورة مختلفة وأداء مختلف عندما دخل طوعا او مكرها لعبة المناورات والزواريب السياسية الداخلية، وتبيّن انه غير ملمّ وغير متمرس بها وتنقصه الخبرة التي راكمها حليفه رئيس مجلس النواب وحركة "أمل" نبيه بري. وشكّل الرئيس بري والسيد حسن نصرالله ثنائيا شيعيا ناجحا ومتكاملا: الأول بخبرته وحنكته السياسية وموقعه المحوري في الحكم وعلاقاته العربية والدولية، والثاني بقوته العسكرية وزعامته الشعبية وامتداده الاقليمي.

اتخذ الرئيس بري والسيد نصرالله قرارا كبيرا ومشتركا باستقالة الوزراء الشيعة من الحكومة . واتبعا هذا القرار السياسي بقرار إنزال الجمهور ، الشيعي أساسي، الى الشارع وتحديداً الى وسط بيروت قبالة مقر رئاسة الحكومة في السرايا لممارسة أقصى الضغوط على الحكومة ورئيسها فؤاد السنيورة عبر الامساك بالعصب السياسي الاقتصادي المؤسساتي للعاصمة. ولم يكن النزول الى الشارع مقتصرا على الاعتصام وانما تجاوزه الى تسيير تظاهرة سميت "مليونية". ولم يكن النزول إلى الشارع شيعيا صرفاً انما اتسم بتلوين سياسي وطائفي ساهم في توفيره الى حد بعيد موقف الجنرال عون الذي تطورت علاقته في سرعة مع "حزب الله" خلال عام من "تفاهم" الى "تحالف".

وخلال حرب الصيف ازدادت العلاقة رسوخا بسبب موقف عون الذي فاجأ" حزب الله" وجعله مدينا له، ثم جاءت تجربة الشارع التي كانت بمثابة تثبيت لهذه العلاقة في أول تلاقٍ وتفاعل لجمهورين متمايزين على أرض واحدة بعدما كان التفاهم" محصورا على مستوى القيادتين اللتين التقتا على "كسر" حال العزلة والحصار . وكان كل طرف يشكل حاجة للآخر: "حزب الله" أخرج عون من عزلته السياسية بعدما أقصي عن أولى حكومات ما بعد الخروج السوري من لبنان، وعون كسر الواقع الذي نشأ في آذار/ مارس ٢٠٠٥ والذي كان يضع الطائفة الشيعية في ضفة وكل الطوائف الأخرى في ضفة مقابلة.

لكن المعارضة المرتكزة على ثنائي شيعي شكله الرئيس بري والسيد نصرالله وعلى ثنائي ماروني شكله عون والوزير السابق الحليف لسورية سليمان فرنجية لم تنجح في تحقيق الهدف الذي نزلت من أجله الى الشارع أول كانون الأول/ ديسمبر ، وهو إسقاط حكومة الرئيس السنيورة. وبعدما كانت توقعت انهيار هذه الحكومة خلال أيام أو شهر على أبعد تقدير ، تبين لأركانها أنهم سقطوا في خطأ حسابات وسوء تقدير متعدد الجانب . فهم أساءوا تقدير موقف الرئيس السنيورة وصلابته وتصميمه وقدرته على الصمود والمواجهة بدعم من أكثرية نيابية ووزارية صلبة مرتكزة على ثنائي رئيس "تيار المستقبل" سعد الحريري ورئيس "اللقاء الديمقراطي" وليد جنبلاط، وثنائي رئيس الجمهورية السابق أمين الجميل ورئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع.

وأخطأت المعارضة بقيادة "حزب الله" في تقدير رد فعل الشارع السني على محاصرة السرايا ورئاسة الحكومة، مما أبرز احتمال تطور الوضع الى فتنة شيعية - سنية . وفاتها أيضاً التنبه إلى الموقف العربي المتشدد في دعم حكومة السنيورة وفي عدم تكرار التجربة العراقية، مع ما تعنيه من نفوذ ايراني وسيطرة شيعية، رغم أن المملكة العربية السعودية ومصر والأردن ودولا خليجية كانت وجهت إشارات واضحة إلى "حزب الله" بعيد 12 تموز / يوليو اندلاع الحرب، مفادها أنه يخوض "مغامرة" ولا يجوز له أن يتجاوز الحكومة ومؤسسات الدولة في الشكل الذي فعله بالمبادرة إلى الحرب مع إسرائيل.
وأصاب تشوه صورة السيد نصرالله التي رفعت في العواصم العربية قبل أشهر قليلة بوصفه بطلاً مقاوماً وغالباً لإسرائيل، وإذ به يصوّر عن خطأ أو عن صواب قائداً سياسياً- دينياً- عسكرياً في خدمة طموحات الجمهورية الإسلامية الإيرانية في قلب المنطقة العربية.

كذلك أخطأت المعارضة بقيادة "حزب الله" أيضاً في تقدير حجم الدعم الدولي لحكومة الرئيس السنيورة، والذي لا سابق له سياسيا واقتصاديا ودبلوماسيا، إلى درجة ان الوضع في لبنان بلغ درجات متقدمة من التدويل على كل المستويات، سياسيا بسلسلة من القرارات الدولية أهمها القرار 1701 ، واقتصاديا من خلال عقد مؤتمر باريس - ٣، وقضائية من خلال إقرار المحكمة ذات الطابع الدولي لمحاكمة قتلة الرئيس رفيق الحريري تحت الفصل السابع، وأمنية من خلال الإنتشار الدولي في الجنوب والإستعداد لضبط الحدود مع سورية سواء بوجود دولي مباشر أو غير مباشر عليها تطبيقاً لقرارات دولية صدرت وستصدر.

إخفاق القوة في الداخل

هكذا أخفقت خطة المعارضة بقيادة "حزب الله" في إسقاط الحكومة من خلال الاعتصام والتظاهر. فتحولت الى خطة بديلة أكثر خطورة في 23 كانون الثاني/ يناير بإعلان الاضراب والاقفال العام الطوعي في مناطق والقسري في مناطق أخرى عبر اقفال الطرق وإحراق الدواليب . لكن"حزب الله" سارع الى ايقاف هذا التحرك عندما وجد انه بدأ يلامس خط الفتنة التي أطلت برأسها بعد يومين في محيط جامعة بيروت العربية، وعندما لاحظ ان حلفاءه لا سيما في" التيار العوني" غير جاهزين وغير مجهزين لهذا النوع من التحرك الذي يقارب حد "العنف السياسي" حيث يتفوق عليهم في هذا المضمار أنصار "القوات اللبنانية"، وبسهولة.

عند هذه النقطة وصلت الأزمة السياسية الى طريق مسدود وسقطت في "المأزق الشامل . فالمعارضة استخدمت الشارع واستنفدته ولكنها لم تسقط الحكومة . والحكومة استخدمت الدعم الخارجي ونجحت في الاستمرار، ولكن على حساب "الاستقرار الداخلي الذي ازداد اهتزازه .
ولم تتوصل المبادرة العربية التي قادها الأمين العام للجامعة عمرو موسى إلى أي نتيجة . فظلت تدور في حلقة مفرغة من الجولة الأولى قبل أشهر التي دارت بين "حكومة ومحكمة" الى الجولة الثانية التي دارت قبل أسابيع بين "حكومة ورئاسة جمهورية" ولأي منهما الأفضلية والأولوية . أما المساعي السعودية- الايرانية فركزت على منع انفجار الأزمة أكثر مما ركزت على حلها ،وتحركت من خلفية قرار مشترك بالحؤول دون وقوع فتنة شيعية - سنية في لبنان، وعدم تحوّله "عراقاً آخر".

وعبرت الأشهر الماضية على امتداد سنة خلت بخطى بطيئة متثاقلة، وفي ظل وضع غارق في الاستنقاع السياسي والاستنزاف الاقتصادي واللااستقرار الأمني عبر أشكال متعددة من ارهاب وتفجيرات واغتيالات، وعلى شريط يمتد من الشمال الى الجنوب مرورا ببيروت ومعرجا على البقاع، ولم يحد من أخطار هذه الاختراقات الأمنية الا الجيش اللبناني ومبادرته الى التحرك الرادع . وخلال عام لم تسفر الاتصالات عن نتيجة ولم يحسن اللبنانيون حل أي مشكلة وأي خلاف. حتى بدا أن الوقت وحده هو الذي حل مشكلة المحكمة الدولية باقرارها في مجلس الأمن بعدما تعذر اقرارها من ضمن الأطر والمؤسسات الدستورية اللبنانية، وهو الذي حل مشكلة حكومة الوحدة الوطنية التي لم تعد ذات قيمة مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية التي تعلن نهاية دستورية طبيعية للحكومة الحالية.
الرئاسة ... كل الأزمة والحلول
وبات الاستحقاق الرئاسي المقبل يختزل الأزمة باستحقاقاتها وتفرعاتها باعتباره "استحقاقا مفصليا" في تحديد مسار الوضع اللبناني ومصيره في مستقبل قريب ولسنوات مقبلة، وحتى العام 2009 حدا أدنى ، وهو موعد إجراء الانتخابات النيابية التي تعيد تحديد الأحجام والأوزان ورسم الخريطة السياسية، التي على أساسها سيعاد تكوين السلطة للمرة الثانية بعد خروج الجيش السوري من لبنان.

لكن الأسباب التي حالت دون تمكن أي فريق من حسم الوضع لمصلحته والتي حالت دون توافق طرفي الصراع على مشاكل العام الماضي، هي نفسها الأسباب التي تحول دون أي حسم او توافق في موضوع انتخابات الرئاسة، إذ تتحكم المعارضة في ورقة نصاب جلسة الإنتخاب فيما تتحكم الأكثرية في ورقة الانتخاب. مما يعني أن معركة الرئاسة لن تكون آخر المعارك ونهاية الأزمة بل أم المعارك وبداية أزمة أكبر وأدهى، وان الأزمة اللبنانية مفتوحة على كل الاحتمالات والمفاجآت والسيناريوهات من الجيد أي التوافق على مرشح ، إلى السيئ أي استمرار الستاتيكو والوضع القائم الفاقد للشرعية من وجهة نظر كل طرف إلى الطرف الآخر، وإلى الأسوأ أي صراع حكومتين أو رئيسين. والمختصر أن أزمة لبنان ليست في الرئاسة فحسب، بل هي في معادلة : من يحكم لبنان ويديره بعد خروج سورية منه؟

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف