"الماء كلّه وافد اليّ" للشاعر العراقي كاظم جهاد
قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك
&
مقال للناقد صبحي حديدي
أنتِ تبتلين بالحزن الذي يأتي فجأةْ
غادَرَتنا
سفنْ الأمواتِ، والاحياؤ مروا
دون أن يلقوا تحايا الذاكرة
خلف عينيكِ سماء ماطرةْ
بدم السر الذي أدعوه حبّي
وسماءٌ
خلف عينيكِ أشسميها البراءةْ.
وكاظم جهاد من ابرز مترجمي الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا، ولغله افضل المعلقين على الفلسفة التفكيكية، ليس في ميدان تطبيقاتها النقدية والجمالية فحسب، بل ايضا في مستواها الفلسفي الصرف والاكثر مشقة وتعقيدا و..ثوابا! لكن جهاد لم يتوقف عند دريدا وحده، بالرغم من انخراطه في التعريف بالتفكيكية كان كفيلا بصرفه -وعلى نحو مشروع تماما- عن متابعات اخرى في ميادين الفلسفة والاداب والنظرية الادبية على امتداد القارة الاوروبية. لقد قدم جيل دولوز وفيليكس غواتاي، وترجم جان جينيه وفرناندو بيسوا واكتافيو باث وأوديسييوس ايليتس وخوان غويتسولولو ورينيه شار، كما نشر في فصلية "الكرمل" حوارات معمقة دائمة الاهمية مع كبار المفكرين الفرنسيين.
وهو، أخيرا& ناقدا ودارسا للادب والنظرية الادبية، ولقد سبق لي ان اعتبرت كتابه "أدونيس منتحلا" خصوصا في طبعته الثانية المنقحة والمزيدة، عملا نقديا جادا يستهدف اضاءة جملة مسائل نظرية تتصل باشكالية التنلاص وتشابه النصوص، والاستحواذ الادبي، والترجمة وموقع الشاعر الكبير، وما الى ذلك، كذلك اعتبرت اننا بحاجة ماسة الى مثال الحفر الذي ينطوي عليه كتاب كاظم جهاد لاننا، ببساطة، بحاجة ماسة الى الحفر في باطن انتاج أدونيس وأي مبدع اخر من عياره. والىاستكشاف اشرار مشروعه الشعري، والى التعود على معايشته كمبدع (كبير وبالغ الخطورة) ينتمي الى صف البشر وليس الى بانثيون من نوع ما يريد البعض حجره فيه.
ولقد كنت وما ازال، اشفق على شعر كاظم جهاد من ضغوطات تلك الاشغال الثقافية العريضة والمتعددة، وأتساءل عما اذا كان من اليسير ان يكتب المرء الشعر وهو غارق حتى اذنيه في كل هذه "المعرفة" عن الشعر والنظرية الادبية. واذا كانت سويّة الشعر الرفيعة في المجموعة تكذّب الكثير من ظنوني، فانني مع ذلك وجدت لهذه الظنون بعض الاساس حين قرأت الاشارة الى صدّر بها جهاد قصائد المجموعة. انه، ببساطة وبوضوح، يقف موقف الناقد قبل ان يسلم قصائد المجموعة الى قارئها.
وهو يقول في الفقرة الثانية من تلك الاشارة: "على كونها منتخبات، فالصفحات التالية هي كل ما اتمسك به من محاولاتي في الكتابة الشعرية السابقة للعام 1994. وهي تضم، فيما تضم، قصائد "سردية" واخرى "تأملية" من النوع المعروف& في الشعر الغربي الحديث والذي ما برحت القصيدة العربية محجمة ازاءه. كما ادخلت فيها قطعا من النثر الفني (يميزها القارئ من طبيعة النبر) ولدت مع القصائد ولم "تشأ" الافتراق عنها" وليس الأمر أنني اختلف مع هذا "التشخيص" النقدي للقصائد. اذ انني في الواقع اتفق معه تماما، بل الأمر انني أجد في هذا التشخيص محاولة من الشاعر لزج القارئ في قراءة واحدة بعينها، وتضييق نطاق القراءات الاخرى (التي ينبغي ان تظل مشروعة ومُشرعة) اذا لم نتحدث عن استبعاد تلك القراءات دفعة واحدة.
والناقد الكامن في أعماق كاظم جهاد الشاعر يتدخل، ثانية، في تركيب المجموعة من حيث تقسيمها الى "أبواب" اذا جاز القول. وفي توزيع القصائد على تلك الابواب وفق اعتبارات ذات صلة بالموضوعات وحدها، وليس في ضوء سيروراتها التطورية (كما يمكن ان تدل عليها تواريخ كتاب القصائد)، أو سيرورتها الاسلوبية (كما يمكن ان تدل عليها اللغة، وخيار التفعيلة أو قصيدة النثر، وطبيعة تقطيع النص الى سطور او فقرات متصلة، وما الى ذلك).
وليس الأمر ان القصائد تخضع الى قسرٍ من نوع ما في الانضواء داخل أبواب موضوعاتية، أو ان بعضها يجانب القسط الأعظم من خطوط المعنى "التصنيفي" المفترض الذي تعلنه عناوين الأبواب -هنا أيضا- ان القارئ يساق سلفا الى نوع من التفاوض الالزامي مع خطوط المعنى تلك، قبل ان يقبل بها أو يعترض عليها او يعيد تركيب القبول او الاعتراض في مساقات مختلفة خاصة بالقرئ وحده. وكما يحق له ان يفعل. قد يختط القارئ لنفسه ما يشاء من خطوط اخرى ناجمة عن قراءات اخرى، بوحي من خصائص القصائد ذاتها وقد استقبلها القارئ بذاتها وفي حد ذاتها، فحررها بذلك من سلطة الشاعر وجبروت التسمية.
وأبواب توزيع القصائد تسير هكذا:
* المجموعة الاولى "مرثية نفسي وقصائد اخرى" وتحتوي على ثلاث قصائد مكتوبة في عام 1986 ورابعة في عام 1990، اثنتين منها في شكل التفعيلة واثنتين في شكل قصيدة النثر، واحدة متوسطة الطول وثلاث طويلة نسبيا. لكن ما يجمعها، وعلى نحو وثيق في الواقع، هو موضوع رثاء الذات تحديدا، كما في القصيدة الاولى "مرثية نفسي":
كاظما يا عزيزي
يا صديقي الوحيدْ
أنت منْ من تعيد في قلبه الطرقات
وتنام على حزنه الرحبِ كل المدنْ
ها أنا أشرب اليوم نخبكْ
أتذكر موتكَ في كل لحظة
يوم ئجت وحيداً
تفتش عن ممكن للصداقةْ
وتبحث في الكتب النادرةْ
عن صدى قلبكَ المستغيثْ
وعن ملجأ للياليكَ...ها أتذكر موتكَ...
غير ان القصائد سرعان ما تضع القارئ في حل - تام أو شبه تام- من موضوعة رثاء الذات تلك، على اتساعها وثرائها واتضاحها. وبدل "مرثية نفسي" عنوان القصيدة الاولى، قد يقرأ القارئ "أغنية نفسي" لانه انما تجاوز موضوعة التأمل الوجداني الرثائي الى موضوعة التأمل الغنائي الذي يبدأ من الذات المفردة لكي ينتهي في ما يشبه الذات الجَمْعية البانورامية، ولكي يستبدل النبرة الميتافيزيقية بأخرى ملحمية وانشادية، تبررها على نحو خاص تلك البرهة الكثيفة المركبة التي تختتم القصيدة، حين يتحد المفرد بالمصير الجماعي:
أخوتي أمس أبصرتهم في فضاء الحروبْ
يعبرون من الحلم نحوي
بملامح شائهة ووجوه غزاها الحريقْ
آه كم كان صعبا عليّ
أن أميز أوجه من نحتوا بيديهم
نهارات روحي!
آه كم كان يصعب ألا أرى
في تجاعيدهم والبكاء المخيف
الذي يتصعد من كل نبرةْ
غُربتي - وخرابي!
المجموعة& الثانية هي "أغاني جنون الكائن وقصائد أخرى" وتحتوي على 26 قصيدة قصيرة ومتوسطة وطويلة (بينها قصيدة "تكريس الكيان أيا كان عدمه" التي تتألف من 19 قصيدة فرعية وتعد أطول قصائد المجموعة)، وهنا أيضا يدهشنا ذلك الرباط الوثيق الذي يجمع القصائد وفق موضوعها (أو ربما موضوعاتها) التأملية والبَوْحية والفلسفية، والرباط الثاني الناجم عن الزمن القصير لكتابة هذه القصائد (1988-1990) والرباط الثالث المتمثل في اقتصار الشكل على قصيدة النثر دون التفعيلة. غير ان القارئ حر، كما هي حاله دائما، في اذلهاب ابعد بكثير من تداعيات المفردات الثلاثية للموضوعة التي تنتظم الباب (أغاني، جنون، الكائن) سوااء في ابعادها الشعورية الذاتية الخاصة بالشاعر وبمحطات هنا او هناك من سيرته، او تلك الفلسفية العامة التي تتنامى من حول تلك المحطات وبوحي من تعاستها مع الاخر في العالم الخارجي.
ولعل القارئ، سوف يمارس حالة اضافية من "تغريب" الموضوعة بأسرها، فيقتادها الى منطقة أخرى جديدة تماما. مفاعيل القربة الجمالية لكائن يحدث أنه، في ان معا، وغريب ومنفي وجواب افاق عوليسي... والحال أن لجوء القارئ الى تحويلات من هذا النوع ليس سوى الوجهة الاخرى من عمليات التمرد على خطوط المعنى المعلن في عنوان الباب، الامر الذي يصعب ان يتحقق في غياب تلك العناصر الجمالية الرفيعة التي تمنح القصائد سلطة مستقلة عالية التأثير، وتسلّح القارئ بالقدرات التأويلية الكفيلة بالتصالح مع تلك السلطة وحُسْن استثمارها اثناء القراءة فور الفراغ من قراءة واستبطان وقبول العنوان الكبير الذي يقول: هذه هي أغاني جنون الكائن.
ستعود الى داركَ مع الفجر
حاملاً أسلاب معارككَ الليلية
ستكون حاورتَ جميع الأحجار
وتخاطبتَ والشجر
ستكون ملأت الطرق بصراخٍ وحشيّ
لم تسمع المدن مثله
ستفترض للمدن بلاغة خفية
وتهب للبحث عنها
ستكون البجع البودليري
وستدمى على الثلج قوادمكَ ومنقارك
ستحاول الطيران رافضا السقطة
صانعا، لو احتجت، من ضلوعك رايات.
وغني عن القول ان هذه القصيدة نشيد أخاذ وعميق حول المقاومة الانسانية وليس العدم، حول عذابات اجتراح الوجود وليس جنون الكائن في تيه العماء، وحول الصعود نحو شرط الحرية بدل المراوحة الانسانية او السقوط الى درك التسليم.
الاقسام الثلاثة التالية ("عراقيات"، "تدابير سفر قادم" و"من قصائد الدبابات") تشهد حالة مماثلة من علاقات الشد والجذب بين القارئ والشاعر- الناقد من جهة، وبين القارئ ذاته وقد حرر القصيدة وحرر الشاعر من شخصية الناقد الكامنة عميقا في خياراته التبويبية. ولكني سوف اكتفي بأمثلة المجموعتين الاولى والثانية، مشدداً هنا على ان سلطة الناقد انحصرت في هذه العمليات بالذات- عمليات تركيب المجموعة، وهندسة توزيع القصائد في أبواب، واختيار عناوين للأبواب تتدخل في التأويل أو تفسر القراءة- وفي هذه العمليات وحدها.
القصائد، من جانبها، ظلت مستقلة في شعرياتها وجمالياتها وخصائصها الاسلوبية، أولا، أن أشدد على تفصيل كنت قد تطرقت اليه في صدر هذه القراءة، وأعني مستوى النضج الذي تحلت به قصائد كاظم جهاد المبكرة ( التي أعترف انني لم اكن قد اطلعت على أي من نماذجها)، وكيف تبدو تلك القصائد بمثابة نذير بليغ حول مجمل الاعتمالات الشعرية التي شهدتها تجربة الشاعر على مسار يكاد يقارب ثلاثة عقود، وكيف يتوجب ان نضعها في الحسبان، كلما تعين ان نتوقف عند هذه النماذج بوصفها أجنة مدهشة لما ستسفر عنه خيارات كام جهاد اللاحقة.
واذا كانت قصيدة "زرقة" المقتبسة اعلاه، مثالا ساطعا على قدرات كاظم جهاد في بناء عمارات ايقاعية اخاذة عن طريق استخدام شكل التفعيلة، فان عشرات قصائد النثر التي تضمها المجموعة تكشف بدروها ضروب متشعبة في بناء عمارات ايقاعية رفيعة عن طريق الصيغ المألوفة المقترنة بايقاعات النثر ( التوازي، والتكرار، والتنظيم المقطعي، وهندسة الصورة، والتحكم بأطوال السطور وبطرائق تقطيعها..) وكذلك عن طريق التوظيف الخاص لعلامات الوقف، وتأخير او تقديم الجملة، والضبط التشكيلي البارع للعلاقة بين الحروف (الجر والنصب والنداء) والافعال (الماضي والمضارع أساسا). والحالات الاعرابية الخاصة (اسم الحال، في قصيدتي "ايروتيكا" و"سباحة" بصفة خاصة)، وربط المقاطع عن طريق تكرار مفردة او عبارة استهلال (كما هي حال مفردة "عندما" في الصقيدة الممتازة "قصيدة عندما" وعبارة "المجد لكَ" في القصيدة التي تحمل الاسم ذاته).
كذلك تتمتع القصائد، بفصاحة عالية، ليس من المألوف ان نجدها مصفاة هكذا من اعباء الاشتقاق المصطنع او التركيب الثقيل او الالعاب القاموسية المجانية، وعلى نحو بالغ السلاسة، وضمن تركيبات بارعة وهادئة النبر والأداة، في وسعنا ان نقرأه يقول : "هنا أنتذا قائدا للصهاوي" أو: "ألا سكوتا ولتدعوني أتحدث/ عن القلب مفصودا في أيامه" أو "حتام يا ترى سوف يتأخر الارتطام"، أو "واذا الليل عسعس، واذا الصبح/ تنفس/ فستكون مزودا للقصيدة"، أو: "يا صاح، خِلْعَتَهُ علينا، وعطيّته"، أو "تلمح الآن في نفسكَ في لعبة الأضوية/ تلمح الآن نفسك في مهمه الطرقات".
وفصاحة كاظم جهاد تتفادى الشعوذة القاموسية لأنها أساسا لا تلجأ الى "نحت" المفردات بقدر ما تعيد احياءها ورصفها في سياقات قادرة على توليف وعي تجاوري يشمل معنى المفردة مثل موقعها في التركيب، دون ان يعني ذلك أي حرص على تعبيد طريق القارئ الى الدلالة. وفي المثال الاخر تبدو مفردة "مهمه" صلة وصل معجمية (خفيّة) بين المفازة والطرقات، وصلة وصل دلالية (خفية بدورها) بين الأضوية والطرقات. ولكنها جزء من سياق تجاوري تشترك في صناعته عبارة "تلمح الآن نفسك" اسوة بالتقابل التنابذي بين مفردة شائعة مثل "أضوية" قد تردد رجع التعبير العامي، ومفردة نادرة مثل "مهمه" قد يفوت القارئ ادراك معناها المعجمي.
ولعل هذا الانشغال الجاد على فصاحة اللغة الشعرية يفسر نهوض العديد من القصائد على موضوعة "الفن الشعري" التي تعد واحدة من اكثر الموضوعات شيوعا- وصعوبة- في تاريخ الشعر على امتداد القرون. هنالك قصائد عن الكلمات، وقصائد اخرى (كثيرة) عن الشعراء واشارات ايلهم (رامبو، ريلكه، السياب، بودلير، بيرس) وطائفة ثالثة من أعباء الشاعر، وعن "هبوط القصيدة" او "في الطريق الى القصيدة" أو " سر الموسيقى" والقصيدة الطويلة "تكريس الكيان أيا كان عدمه" تحمل عنوانا فرعيا هو "سيرة شعرية" كما تحمل ثلاث قصائد العنوان الموحد "فن شعري" بينها الثالثة التي تقول:
ناشراً، كالصياد، زَرَدَ لغته، يقتنص الشاعر، في الفضاء المتوالد بضربة من عصا ألمه، أكوانا أثيرة. من كل واحد يصنع منزلا لسواه، واذ يكتمل التكوين يعود الى داره الوحيدة الممكنة؛ مشغل أحزانه. السعادة درّة نادرة في هذا المجموع. لا يتنكر لها إذ تجيء. بيدَ ان غيابها لا يربكه. المعرفة الفرحة هس مسعاه. لكن من أجل المعرفة الفرحة تكفي رجاحته. وهذا بالذات، في الزمن الذي هو أبداً لقمة لا تسوغُ، يكمن سخاؤه.
وهذه مناسبة للتعليق، ثانية، على مسألة المعرفة العريضة بالشعر وبفن الشعر، هذه التي تمكن الشاعر في كاظم جهاد من تذليل ضغوطاتها التي لا يكف كاظم جهاد الناقد عن ممارستها. وفي "الماء كله وافد اليّ" نشر الشاعر زرد لغته دون ان يتنكر لمعرفة الناقد، ولكن أن يمنع الشعر من التفاوض الدائم مع القارئ حول حقوق انتصار الشعر، وانتصاره الصريح البيّن في الواقع.
اشارات
"الماء كله وافد اليّ" المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت وعمان، 1999، 172 صفحة.
صدرت الاثار الشعرية لارتور رامبو، بمقدمة نقدية وحواش وشروحات مستفيضة، عن دارالمتنبي بالتعاون مع منظمة اليونسكو، عام 1996.
نقل كاظم جهاد عددا من مقالات دريدا الاساسية، جمعت في كتاب بعنوان " الكتابة والاختلاف" كما نقل "صيدلية افلاطون" الذي يعد واحدا من أعمال جاك دريدا الأصعب والأهم.
&
التعليقات
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف