ثقافات

الذكرى الخامسة لرحيل المفكر القصيمي 7:رسالة دكتوراه (من اصولي الى ملحد)

قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
المفكر الراحل عبد الله القصيمينظراً لما مثله المفكر السعودي عبدالله القصيمي من حضور فكري فاعل على مستوى الوطن العربي، ولما كان لاطروحاته ومؤلفاته من أهمية أثرت معارك ثقافية، فقد تناولوه عدد من الدارسين والباحثين بالعديد من الدراسات والأبحاث، وحظي بدراستين أكاديميتين تناولتا حياته وفكره، تعرض " إيلاف" لهاتين الدراستين:
الأولى : تقدم بها الأستاذ احمد السباعي، ونال بها شهادة الدكتوراة من كلية الفلسفة والعلوم الإنسانية بجامعة الروح القدس (الجزويت) في لبنان، وعنوانها" فكر عبدالله القصيمي" وقد أشرف عليها الدكتور خليل الجر، وذلك في عام 1979، وقد اشتملت الدراسة على ثلاثة فصول، على النحو التالي: الفصل الأول وعنوانه" المؤثرات في فكر القصيمي" وتضمن مؤلفات القصيمي الدينية، أما الفصل الثاني فتناول العناصر التالية: الكون في فكر القصيمي، الوجود الإنساني في فكر القصيمي، عبثية الوجود الإنساني، فكر القصيمي السياسي والجمالي، فكر القصيمي الديني، أما الفصل الثالث فقد تحدث فيه الباحث عن الإلحاد الإنساني النزعة عن القصيمي، ثم خاتمة وفهرس المحتويات، وقد جاءت الدراسة في (527) صفحة من القطع الكبير، ولم تنشر بعد.
أما الرسالة الثانية فقد تقدم بها الباحث الإلماني يورغن فازلا، وعنوانها" من أصولي إلى ملحد" إذ استطاع الدكتور فازلا فازلا ، بعد بحثٍ دام أشهراً أن يلتقي بالمفكر السعودي عبدالله القصيمي ، المقيم بالقاهرة ، ليطرح عنه رسالة دكتوراة ، إلا أن القصيمي اعتذر عن ذلك ورفض رفضاً قاطعاً الحديث معه ، لأنه يرى أن ليس هناك من ضرورة ، إلا أن الباحث الألماني نجح أخيراً في إقامة اتصالات مع أشخاص مقربين جداً من القصيمي ، فتمكن بذلك من حضور حلقة النقاش الأسبوعية& التي كان يعقدها القصيمي في منزله بالقاهرة ، وبذلك استطاع أن يُنجز عنه رسالة دكتوراة ، استغرق إعدادها ثلاث سنوات من المقابلات والحوارات الدائمة معه في منزله بالقاهرة .
رسالة الدكتوراة هذه ترجمها إلى العربية محمود كبيبو ، ونشرتها دار الكنوز الأدبية ببيروت مؤخراً ، ويرى الباحث / فازلا فازلا ، الذي سبق له وأن عالج في رسالة الماجستير أحدَ أهم كتب القصيمي التي أثارت ضجة كبيرة وهو كتاب " هذي هي الأغلال " ، يرى الباحث أن الهدف من هذا الكتاب هو تقديم تكملة وتوسعة لتاريخ الفكر العربي الحديث ، ولهذا الغرض تناول كاتباً ارتبطت سيرة حياته أكثر من سبعين عاماً بهذه الحياة الفكرية واتصل من خلالها بجميع التيارات الدينية والسياسية في العالم العربي ، ودخل معها في كثيرٍ من الأحيان في نزاعات حادة ، ويرى المؤلف فازلا أن الشيء المُميز في حياة الكاتب العربي السعودي عبدالله بن علي القصيمي هو أن سيرته تمثل نموذجاً متناقضاً كلياً لـ" أتجاه الأسلمة " فلقد تطور القصيمي من مؤيد قوي لحركة التجديد الوهابية عبر الاقتراب من المواقف العلمانية إلى ممثل لأكبر أشكال النقد الديني تطرفاً وحدةً وبشكلٍ لم يسبق له مثيل على الإطلاق في العالم العربي ، إضافةً إلى ما شكلته مؤلفاته التي تجاوزت ( 20 ) مؤلفاً من أهمية بالغة ، إذ أثارت بعد نشرها نقاشات عامة واسعة النطاق، شارك فيها عدد من أشهر ممثلي الحياة الثقافية الحديثة في العالم العربي، مما أكسب الكاتب شهرة واسعة، وبذلك شكّل القصيمي مراراً محور نقاشات إسلامية داخلية بالغة الأهمية .
ثم تناول الباحث كلمة الانشقاقDISSIDENTENTUM في الثقافة الإسلامية استناداً إلى أحكام شرعية، ثم تناول تاريخ الزندقة في الإسلام ، كشكلٍ من أشكال الخروج عن التعاليم الدينية المركزية في العصر الإسلامي المبكر، وقال أنها أُطلقت على أولئك الذين اعتنقوا الإسلام اسمياً ، لكنهم ظلوا يمجدون في الخفاء المانوية وغيرها من الديانات الإيرانية القديمة، ونتيجةً للمحنة التي عمت في العهد العباسي فقد توسع مفهوم الزندقة ليشمل كل الناس الذين يدعون إلى أفكار تقليدية أو غير شعبية أو مشوهة سياسياً ، ويستطرد الباحث فازلا قائلاً : وبصرف النظر في أن عقوبة الارتداد لم تطبق في الماضي ولا الحاضر، فإن علماء المسلمين ما زالوا مختلفين إلى أبعد الحدود حول تحديد الموقف الذي يصبح فيه المسلم مرتداً ، وبما أنه لم يوجد أبداً في التاريخ الإسلامي هيئة دينية عليا، كما في الكنيسة، فقد كان من الصعب إثبات الانحراف عن " الخط الصحيح " أيّاً كان شكل هذا الخط، فلقد كانت كل مدرسة فكرية دينية قادرة من حيث المبدأ على اعتبار موقفها هو الصحيح واتهام خصومها بالخروج عن الخط القويم أو بالزندقة !! .
تناول الباحث فازلا في الفصل الأول من كتابه نشأة القصيمي وسيرته التعليمية، وتنقله في العديد من الدول لطلب العلم والبحث، حتى استقر بالأزهر، الذي يمثل أعلى مؤسسة تعليمية في نظام التعليم الإسلامي فقد شكّلت للقصيمي هدفاً رفيعاً جداً على طريق مسيرته التعليمية، إلا أن خيبته كانت أكبر من الواقع الذي ينتظره والذي يتخلف اختلافاً كلياً عن التصور المثالي الذي كان القصيمي قد تخيله، إلا أنه استطاع أن ينهي دراسته في جوٍ تميّز بخصومات متواصلة بين الأزهريين، وفي عام 1930 أتخذ القصيمي موقفاً في الخلاف الحاد الذي نشب بين الدوائر المؤيدة للوهابيين - والتي كان القصيمي محسوباً عليها - وبين قيادة الجامعة، وكان من بين علماء الأزهر البارزين الشيخ يوسف الدجوي الذي لمع بشكلٍ خاص في دفاعه عن شعائر تكريم الأولياء الصالحين ضد الهجمات الوهابية ، لذلك أصدر القصيمي عام 1931 أولَ كتابٍ له بعنوان " البروق النجدية في اكتساح الظلمات الدجوية " وهو يتضمن نقاشاً مستفيضاً لحجج الدجوي .
أدى هذا الكتاب إلى ردة فعلٍ عنيفة وقاسية لدى قيادة الأزهر التي قررت طرد القصيمي من الأزهر، لا سيما وقد رأوا طالباً شاباً أجنبياً يتجرأ على مهاجمة عضو في هيئة كبار العلماء وقد وصف القصيمي الدجوي بأنه أرسطو عصره !! لذلك شنّ القصيمي هجومه على الأزهر وأصدر كتابين هما ( شيوخ الأزهر والزيارة في الإسلام ) و ( الفصل الحاسم بين الوهابيين ومخالفيهم ) .
بعد طرد القصيمي من الأزهر تفرغ لشن هجوم على الكاتب محمد حسين هيكل، أحد أشهر ممثلي الليبرالية المصرية، وذلك بعد أن كتب هيكل كتاباً أسماه ( حياة محمد ) الأمر الذي جعل القصيمي يصدر كتاباً وسمه بـ ( نقد كتاب حياة محمد لهيكل ) أتهم القصيمي من خلاله هيكلاً بأنه ينكر أن يكون لمحمد القدرة على صنع المعجزات، وذكر لذلك مثالين هما : الإسراء والمعراج وشق صدر محمد، كما ذكر القصيمي أن هيكل لا يعترف إلا بمعجزة وحيدة فقط هي نزول القرآن على محمد، فالله جعل القرآن المعجزة الكاملة ولم يكن محمد بحاجة إلى معجزات خارج القرآن، ثم تطرق القصيمي من خلال كتابه أن هيكلاً تناول محمد كرجل دولة وقائد عسكري، ولم يتناوله كرسول ناقل للوحي، وفي عام 1936 وهو العام الذي اعترفت فيه الحكومة المصرية رسمياً بالمملكة العربية السعودية أصدر القصيمي كتابه " الثورة الوهابية " وكان هدفه في ذلك الدعوة إلى تأييد الدولة السعودية الفتية وتحسين صورة الحركة الوهابية أمام الرأي العام المصري& .
وفي الفصل الثالث الذي عنونه الباحث فازلا فازلا بـ (الطريق إلى الانشقاق ) تحدث الباحث أنه مع حلول عام 1940 انتقل القصيمي في مؤلفاته التي كان يطغى عليها النقاش الإسلامي الداخلي إلى تركيز اهتمامه على ما يعيشه العالم الإسلامي من تخلف في المجالات الاقتصادية والسياسية، إذ بدأ لديه النقد الذاتي الإسلامي الحاد، وذلك عندما أصدر كتابيه ( كيف ذل المسلمون ) و ( هذه هي الأغلال ) حيثُ ركز على ضرورة تحرر الفرد من التصورات الدينية التي تعيق تفتح شخصيته، الأمر الذي جعل القصيمي يقترب بصورة متزايدة من المواقف العلمانية، وبالتالي بدأ في شن هجوم مباشر على التصورات الطوباوية للسلفية الوهابية، ويرى الباحث فازلا أن كتابيه هما خط الفصل الفكري بين أيديولوجيا القصيمي الوهابية وهجومه اللاحق على كل ما هو ديني .
يرى القصيمي في كتابه الأغلال أن المسلمين يقفون أمام خيارين لا ثالث لهما : إما أن يستفيدوا من التراث العلمي للبشرية أو أن يبقوا متخلفين جهلة، ولكي يتخلصوا من الركود الذي هم فيه ما عليهم إلا أن يعرفوا أنه لا يوجد معرفة ضارة ولا جهل نافع ! وأن كل الشرور مصدرها الجهل وكل الخير مصدره المعرفة، ثم يذكر أن الشريعة الإسلامية هي أول نظام قانوني في تاريخ البشرية أعطى المرأة حقوقاً مكفولة، وأنهى معاملتها كسلعة يملكها الرجل مستشهداً بأحاديث نبوية يثبتُ من خلالها أن المسلمين الأوائل لم يفصلوا بين الجنسين، كما يستشهد بآيات قرآنية تدعو إلى تعليم المرأة وترفض حصرها في المجال المنزلي ، ومع ذلك كله لم يتمكن الإسلام من الحيلولة دون أن يفرض الرجل أنانيته ويسلب المرأة أقوى سلاح كان يمكنها بواسطته أن تصبح مساوية للرجل، ألا وهو العلم، مؤكداً القصيمي أن علم النفس الحديث أثبت وبصورة قاطعة أن النساء الساذجات غير المتعلمات تسيطر عليهن الشهوات الجنسية والغرائز الطبيعية غير المقيدة سيطرة كاملة، وذلك لأن كل ما لديهن من طاقة روحية وجسدية مسخرة لهذه الغرائز لعدم وجود دوافع أُخرى كالسعي لطلب العلم مثلاً يقول القصيمي ( لم يحدث أن عالماً أو أديباً أو شاعراً أو غير هؤلاء استطاع أن يكون شيئاً عظيماً إلا والمرأة من ورائه تدفعه وتلهمه وتلهبه وتعطي حياته الوقود والحرارة ولهذا فإنه لم يقع في التاريخ أن أمة أبدعت في الحياة ونساؤها مقبورات في المنازل مبعدات عن المجامع وعن الشؤون العامة ) ولعل من أهم الأغلال التي تناولها القصيمي في كتابه الضعف الشديد للقوة الدافعة في العالم الإسلامي والتي يعود سببها من خلال رؤية القصيمي إلى انتشار الأفكار التي تدعو إلى الزهد! إذ بسبب الإعراض عن الدنيا ضعُف طموح الناس وتولد لديهم الشعور بأنهم غير قادرين على أداء الأعمال العظيمة التي تتطلب كثيراً من الطاقة وقوة العزيمة، ولذلك فقدوا القدرة على مجاراة الشعوب، وضرب لذلك مثلاً في قريش التي يعتقد أنها تصلح لأن تكون قدوة في حبها للحياة الدنيا واحتقارها للفقر والعوز، مما جعلهم يتوجهون للتجارة على عكس ما يفعله أحفادهم الحاليين الذين ما عادوا يفعلون أي شيء سوى الانتظار حتى يجيء موسم الحجاج ليكسبوا من ورائهم!، هذه الرؤى وغيرها في كتاب الأغلال أثارت ضجةً كبيرة في أوساط الكتاب ، ففي الوقت الذي رأى فيه بعض الكتاب المصريين آنذاك أن كتاب الأغلال يصلح لأن يكون برنامجاً للتعليم الوطني وخطةً ناجحةً للإصلاح ، شنّ بعضُ الكتاب هجوماً عنيفاً على القصيمي وتوالت المؤلفات التي ردت عليه سواءً في مصر أو خارجها، ثم طالبت بعض الجمعيات الإسلامية بطرد القصيمي من مصر، وصدرت فتوى من خارج مصر أباحت دم القصيمي! لذلك توارى القصيمي عن الأنظار .
وفي الفصل الرابع يُشير الباحث فازلا إلى أن القصيمي بعد كتابه " هذي هي الأغلال " أقتصر ظهوره فقط في حلقة نقاش تجري في أوقات دورية في كافتيريا العمدة وكان يحضرها العالم السلفي عبدالحميد الغرابلي والعالم السعودي محمد نصيف والكاتب خالد محمد خالد وغيرهم، وأشار إلى أنه أنتقل في مسكنه إلى ضاحية حلوان وكان بجواره مقر بعثة الطلاب اليمنيين الذين كانوا يواصلون تعليمهم الثانوي والجامعي في مصر والذين سرعان ما التقوا بالقصيمي فاعجبوا به وبأفكاره، إلى أن حيكت مؤامرة ضد القصيمي دون دراية منه أدت في النهاية إلى طرده من مصر وأشار الباحث إلى أن من الأمور التي كانت وراء إبعاد القصيمي من مصر أن الأمام أحمد قد طلب رسمياً من صلاح سالم ترحيل القصيمي من مصر فغادرها القصيمي إلى بيروت .
في بيروت تعرف القصيمي إلى عدد من المثقفين الذين كان كتابه " هذي هي الأغلال " يلقى في أوساطهم تقديراً عالياً فحصل القصيمي على التشجيع منهم والدعم لمتابعة التأليف والنشر، وكان من أبرز الداعمين له سهيل إدريس صاحب مجلة " الآداب " والناشر قدري قلعجي الذي أعطى القصيمي زاوية في مجلته " الحرية "، وفي عام 1956 ألغت الحكومة المصرية أمر إبعاد القصيمي عن مصر وسمحت له بالعودة إلى أسرته بالقاهرة، إلا أن عددا من المثقفين اللبنانيين بعثوا برسالة إلى الأديب المصري طه حسين وكان وقتها وزيراً وطالبوه قائلين له ( ينتمي موقعو هذه الرسالة إلى المثقفين اللبنانيين الذين يعرفون السيد عبدالله القصيمي رائداً للفكر الحر في العالم العربي وكاتباً غير عادي وهم في أمس الحاجة إلى ريشته البليغة ومنطقه السليم لكي يحققوا أهداف التجديد التي تنادي بها هذه الريشة، وهم يتوجهون إلى الدكتور طه حسين عميد الأدب العربي بسبب موقفه القيادي وتأثيره الكبير على الرأي العام في مصر ويرجونه باسم الفكر الحر الذي يطالب به بصفته شخصية أدبية قيادية أن ينظر في قضية السيد عبدالله القصيمي الذي أقيمت ضده دعوة أيديولوجية طرد بسببها من البلد الشقيق .. إلى آخر الرسالة ) .
وفي الفصل الخامس من الدراسة تناول الباحث فازلا أعمال القصيمي المتأخرة، أي ما بعد عام 1963 وذكر أن المناخ الفكري السائد في القاهرة كان من الصعب على القصيمي فيه أن يستأنف كتاباته في النقد الديني، إذ أنه مع نهاية الحرب العالمية الثانية كان الخطاب الإسلامي قد فقد كثيراً من وزنه وأهميته، ذلك أن أولوية المسائل الاجتماعية والتركيز على المشاكل المتعلقة بقضية الاستقلال أدت في النقاش العام إلى إرغام التيارات الإسلامية على الانضواء تحت لواء ثقافة الدولة المفروضة من فوق وفي إطار دولي جديد، إلا أن الباحث فازلا يُشير إلى أن ثلاثة من أبرز أصدقاء القصيمي قد لعبوا دوراً مهماً حينما طالبوه بالعودة إلى النشر وهم : طالب الحقوق المصري إبراهيم عبدالرحمن ورجل الدولة اليمني أحمد محمد نعمان والناشر اللبناني قدري قلعجي.
يُشير الباحث إلى أن كتاب أصدره القصيمي بهذه الطريقة هو كتاب " العالم ليس عقلاً " عام 1963 ثم ألحقه بكتابين هما " هذا الكون ما ضميره" و " كبرياء التاريخ في مأزق " ونشرت مقتطفات من هذه الكتب في الملحق الأدبي الأسبوعي في جريدة النهار التي هي أكبر الصحف اللبنانية آنذاك وأهم منبر للمثقفين النقديين والتقدميين العرب، كما نشر في الملحق نفسه دراسات نقدية لهذه الكتب مما أعاد القصيمي مرةً أخرى إلى مركز الضوء في الحياة العامة اللبنانية، كما يشير الباحث إلى أن الهزيمة التي تعرض لها العرب في حزيران 1967 قد زادت من أهمية القصيمي وبالتالي زادت شعبيته ولقيت آراؤه صدى واسعاً في لبنان، لذلك أعيد طباعة كتابه " العالم ليس عقلا " في ثلاثة أجزاء ثم نشر القصيمي كتابيه " أيها العار .. إن المجد لك " و " فرعون يكتب سفر الخروج " ويشير الباحث إلى أن القصيمي أصبح في تلك الفترة فيلسوفها الذي تنوقلت أفكاره على نطاق واسع، ثم تناول الباحث مجموعة مختارة من الموضوعات والمواقف التي تعرض لها القصيمي والتي اتسمت بكثير من التعقيد والتشعب واقتصر الباحث في اختياراته على الأقوال التي لقيت الاهتمام الأكبر لدى النقاد من جهة والتي كان القصيمي نفسه يصفها في مركز اهتمامه من جهة أخرى، ويُشير الباحث إلى أن القصيمي في أغلب كتاباته بعد عام 1963 يصف العرب وتاريخهم بعبارات " التخلف والرجعية والضعف " كما يكثر من استخدام التعبيرين المتضادين اللذين وضعهما المؤرخ ابن خلدون وهما ( البداوة والحضارة ) لكي يصف جميع صفات العرب بأنه غير حضارية، إضافةً إلى ذلك فقد شكك القصيمي بعد هزيمة 1967 تشكيكاً جذرياً بالأسطورة السياسية التي هي عبارة عن وحدة العالم العربي، ثم تناول الباحث جانباً من النقد الحاد الذي تعرضت له كتب القصيمي وأعمال المتأخرة والتي دارت مناقشتها على صفحات المجلات اللبنانية مثل " العلوم " و" الآداب " ومحلق صحيفة النهار والتي كتبها كتاب ونقاد من داخل لبنان ومن أبناء شبه الجزيرة العربية ومن عرب المهجر، وفي آخر فصول الدراسة تحدث الباحث عن " ستار الصمت " الذي أسدله القصيمي على نفسه بعد عام 1977 وذلك بعد إصداره لكتابه " العرب ظاهرة صوتية " والذي هو آخر أعمال القصيمي التي لقيت صدى واسعاً في العالم العربي، إذ بدأ القصيمي بمرحلة الانسحاب إلى الحياة الخاصة، وتساءل الباحث عن السبب الذي دفع القصيمي إلى الوصول إلى هذه العزلة، مُبيناً أن انتهاك المحرمات المركزية للحضارة الإسلامية لا يمكن أن تكون وحدها السبب في ذلك، فالقصيمي لم تطبق ضده أبداً أحكام الشريعة الإسلامية كما أنه لم يحاكم استناداً إلى قوانين التجديف على الرغم من أن القانون يفرض عقوبات على مهاجمة الأديان، ويعلل الباحث بأن القصيمي نفسه قد رغب بالانسحاب من كل ذي صلة بالأوساط الثقافية المصرية، عدا ندوته الأسبوعية التي يعقدها في منزله والتي يحضرها شخصيات سياسية وثقافية بارزة على مستوى الوطن العربي وذكر الباحث منهم الكاتب سيد القمني والبحرينية فوزية رشيد واليمني عبدالله جزيلان والسفير اليمني احمد الشجني ورجل الدولة احمد نعمان واحمد عبدالرحمن جابر، وهم من الطلبة اليمنيين الذين تعرفوا عليه أثناء دراستهم في مصر .
&

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف