جوزف ايلي حبيقة يتحدث عن والده : لم يتوقع الاغتيال لأن الحاضر غير الماضي
قراؤنا من مستخدمي تويتر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك
التقيناه في مكتب والده، المكتب الذي التقى فيه الوفد البلجيكي قبل يومين من اغتياله. في الشكل "جو" (هكذا يناديه اصدقاؤه) لا يشبه كثيرا ايلي حبيقة، لكن ما ان يجلس الى مكتبه يتبدل هذا الانطباع بسرعة. مثله هو يتكلم بهدوء وبنبرة واثقة حازمة، حتى لتظن ان ايلي حبيقة لا يزال هناك، ومثله يحب القراءة والغطس والرماية والتزلج، ويؤمن ان الخوف ممنوع وكذلك الاستسلام، وان المستحيل ليس موجودا.
و"جو" ابن التاسعة عشرة (مواليد 10 تشرين الاول 1983) طالب سنة اولى في الجامعة الاميركية، اختار ادارة الاعمال اختصاصا اول والعلوم السياسية اختصاصا ثانيا بعد اغتيال والده. وعن رغبته في العمل السياسي يقول: استبق الامور اذا قلت انني سأخوض المعترك السياسي بعد اربعين يوما من وفاة والدي، ولا احد يعرف المستقبل.
وهذا حديثه:
* هل اخترت العلوم السياسية بعد اغتيال والدك؟
- لم افكر في الامر قبلا، طالما كان يوجد من يجنبني هذا الحمل، لذا جاء قراري بعد اغتياله. العلوم السياسية تفيد في امور عدة حتى في الاعمال. يهمني ان اكون على قدر المسؤولية، حتى الان لست معدا لذلك، واذا اخترت العمل السياسي يوما من اجل خدمة الشعب، سأمتنع عن ذلك اذا وجدت انني لن افيد بشيء.
* كيف تصف علاقتك بوالدك منذ الطفولة حتى اليوم؟
- اولا كنت بعيدا عن الاوضاع التي يعيشها، اذا سألته عن خدش في وجهه يعطيني اجابة مموهة. بعد انفجار المطرانية في زحلة عام 1987 وضع "جسرا" في فمه وصار يتكلم بصعوبة، لما سألته عن سبب عدم قدرته على الكلام اجابني بجدية: هذا لأنني كذبت عليك، وعليك الا تكذب في المستقبل. رفض دائما اقحامي في مشاكل عمله، وانا كنت افضل ان ادعه مرتاحا في المنزل.
* هل كان والدا قاسيا ام حنونا؟
- كان يعطي كل شخص قدر ما يستحق، لم يعط شيئا مجانا. لم يكن يمكنني ان اطلب منه شيئا لا احتاجه، لأنه يكره المزاجية. طالما اهتم بأن انجح في المدرسة والجامعة، وعندما ابرهن له عن جديتي عبر النتائج لم يكن يقصر البتة. بعد اتمامي الثامنة عشرة اشترى لي سيارة. كان يحب ان يراني رجلا اتحمل مسؤولية، يكره ان انام الى ساعة متأخرة، اذ يرى في ذلك اهمالا للمسؤوليات فيأتي باكرا ويوقظني. لكنه في المقابل لا يعاتب في حال الفشل اذا علم ان الشخص حاول فعليا وبذل جهده للنجاح. حنانه كان يظهره في الافعال اكثر من الاقوال، يضحي في سبيل من يحب حتى النهاية.
يكره "لا استطيع"
* ما ابرز الامور التي تعلمتها منه في حياته؟
- طالما اهتم بالطريقة التي أفكر فيها، لم يكن يحتمل الاستسلام والخوف وكان يكره عبارة "لا استطيع" عندما اقولها، فيجهد لأن اقوم بالعمل ليؤكد لي انه ما من امر مستحيل. كنت في صغري انزعج من رؤية العنكبوت، فجلب لي يوما عنكبوتا محنطا ووضعه في غرفة نومي على طاولة الدرس طالبا مني عدم نقله من موضعه. بعد اسابيع اعتدت عليه وتخطيت خوفي. لم يكن يحب ان التفت الى الامور السطحية بل الى الجوهر. حين ذهبنا لشراء سيارة انزعج مني حين رحت اسأل عن صوت الستيريو واللون، وطلب مني الالتفات الى& المتانة ومصروف البنزين وليس الى الامور السطحية. حتى شكله الخارجي لم يكن يهتم به، واناقته الدائمة التي عرف بها كانت بفعل اهتمام والدتي في اختيار ازيائه. هو لم يكن يكترث للمظاهر.
* هل كنتما تتحدثان في السياسة؟
- نتداول افكاراً، لم نكن نتحدث في السياسة اليومية. في صغري كان يردد على مسامعي انني حين اكبر سيكلمني على قضايا معينة، مؤكداً لي اني لا استطيع استيعابها في سني. كلما اسأله سؤالاً يجلب لي كتاباً ويطلب مني قراءته. كان قارئاً نهماً، وكان يعود الى الكتاب مراراً. يقرأ الكتاب قراءة اولية سريعة ثم يعود اليه تفصيلياً حين يحتاج اليه. بعض كتبه قديمة جداً يستعملها حتى في حياته الشخصية. لم يكن شخصاً عفوياً، بل كان يخطط بدقة ما يفعله ويقوله، من هنا فإن الحديث معه صعب، عندما يجيب يقدّر الاسئلة والاجابات المحتملة.
&
المد والجزر
* من خلال قربك منه، هل تعتبر ان والدك تعرّض لسوء فهم من الآخرين؟
- معظم الناس فهموه خطأ. كان يستوعب الامور قبل حدوثها وهذا ما يحصل عادة مع المفكرين الذيـن لا يفـهـمـهـم احـد الا بعـد اعـوام عـدة. افكـاره السياسية لم يكن يخفيها بل يقولها علانية.
* ما الافكار التي كنتما تتناقشان فيها وما اكثر ما اهتممت به في ايلي حبيقة؟
- كان يهمني ان اعرف كل شيء عن شخصية والدي، واشكر الله انني في العامين الاخيرين استطعت ان اتناقش معه في امور كثيرة واستطعت فهمه. قبلها كان يخاف الا اتمكن من استيعابه على غرار كثير من الناس، في اختصار كلّي فهمه. النقطة الاهم التي كنت اسأله عنها تناولت التغيرات التي طرأت على شخصيته اثناء ممارسته الشأن العام. كان يقول لي: اذا تغيرت المعطيات علينا ان ندرك كيفية التعامل مع الظروف المحيطة والا نفشل. ثمة امر لم يقدره بعض الناس ولم يتمكنوا من فهمه، فهذا الانسان بدأ حياته جندياً وترك فكر الحرب والصراع الجسدي ليتكلم على السلام. اراد والدي ان يلقي الجميع سلاحهم ويختاروا السلام. والحقيقة انه لم يكن يواجه احداً ويخاصمه من دون سبب، كانت لديه اقتناعاته. شخصياً انا فخور به وبما انجزه في مراحل حياته كلّها. كان ايلي حبيقة يتحكم في مجريات الامور، حتى لو كان في البحر كان قادراً على التحكم في المد والجزر. بمعنى ان والدي لم يدخل السلام لانه كان امراً واقعاً، بل ساهم هو في صنعه. لو اراد اكمال الحرب لكان فعل، فلماذا لا يقدّر احد هذا الامر؟ لا اعرف؟
* هل كان يحب ان تتعاطى العمل السياسي؟
- كان يدرك صعوبة العمل السياسي ويقدر القلق الذي يسببه، لكنه طالما ردد على مسامعي: مهما فعلت كن اكيداً من الطريق الذي تسلكه، واعلم انك ترفض خيارات عدة لتختار هذا الطريق دون سواه.
&
كتاب كوبرا
* ما كانت ردة فعله في المنزل عندما صدر كتاب روبير حاتم (كوبرا) "من اسرائيل الى دمشق" وكيف تعاملت شخصياً مع الموضوع؟
- لم يكن يأتي بحقيبة العمل الى المنزل، حتى لو فرض الامر نفسه. نتكلم هنا على انسان استثنائي، قد يكون قلبه محروقاً وهو يطلق النكات. نحن في العائلة نتضامن في الايام الصعبة. قبل صدور الكتاب كانت نشاطاتنا مختلفة، ونلتقي يومين للغطس وممارسة الهوايات.
في احد الايام رآني اقرأ الكتاب، فعبس في وجهي وقال لي: لم اكن احب ان تقرأه. اجبته ان كتاباً لن يبدّل رأيي فيه، فنبهني الى ان الكتاب قادر على اثارة شكوك لدي... حين لاحظت ضيقه، رحت اتصل به يومياً بعد عودتي من الجامعة و"افتعل" النشاطات كي ابقى الى جانبه، لافهمه ان رأيي فيه لن يتبدل وانني صرت قريباً منه اكثر.
* ألم تشك فيه يوماً؟
- ولا مرة واحدة.
*هل كان يتوقع ان يموت اغتيالا؟
- كان يعلم ان لديه اعداء، واحتمالات الاغتيال موجودة من زمان، لكنه كان يعتبر ان الحاضر غير الماضي، فمنذ زمن لم يتعرض احد للاغتيال. شخصيا عندما خرجت الى البلكون وشاهدت الدخان المتصاعد ظننت ان ثمة مولدا محروقا، ولم اتوقع للحظة انه انفجار.
*هل اعدك يوما لهذا الاحتمال؟
- لو حدثني في الموضوع لما كان المي اقل مما هو اليوم. كان والدي يعرف ان الامر لن يفيد فلم يجعلني احيا في هذا الخوف، لم يكن يفعل ما لا يفيد.
*من وراء اغتيال والدك في رأيك؟
- لا اريد اتهام احد واستباق التحقيقات الجارية.
* ما اخر حادثة تذكرها عنه؟
- آخر حادثة اثرت فيّ كثيرا حصلت قبل مدة فقد حدث انني اخذت السيارة قبل ان احصل على رخصة قيادة وقصدت اصدقاء لي في المنصورية من دون علمه. في الطريق تعرضت لحادث كبير استوجب دفع مبلغ 2400 دولار للشخص الذي تضررت سيارته. وبعد الحادث سألني: هل علي دوما ان اتحمل مسؤولية اخطائك؟ واتفقنا على ان ارد له المبلغ بالتقسيط، فكنت اعيد له شهريا مبلغ 400 دولار من مصروفي الخاص. وعند دفعي للقسط الاخير سحب المبلغ كاملا من جيبه قائلا لي: هل ترى؟ انت شاطر بالادخار.
اكثر ما كان يكرهه والدي الاتكالية وعدم تحمل المسؤولية. واذكر اني كنت في الـ14 عندما عين وزيرا، فقصدت الوزارة طالبا العمل معتقدا اني سأتسلم مركزا مهما، فطلب مني مساعدة السكرتيرات والموظفين على تصوير الاوراق التي يحتاجون اليها في العمل. كما عملت معه في نادي الغطس، وكنت انقل قناني الاوكسيجين من السادسة صباحا حتى الرابعة بعد الظهر، واذا تهربت، كان يحسم من راتبي. لما بلغت الثامنة عشرة طلبت منه توظيفي فرفض طالبا مني الاتكال على نفسي، ولما حظيت بوظيفة في مصرف لم يصدق الامر وظن أنني امزح. ثمة نقطة مهمة في شخصية والدي قلة يعرفونها، لم يكن يحب ان يساعده احد. اثناء اصابته في كتفه قبل اغتياله منعه الطبيب من تحريك يده اليمنى طوال اربعين يوما، فكان يرفض ان يقود احد سواه السيارة مستعملا يده اليسرى، حتى انه كان يرفض ان تناوله الخادمة في المنزل ابريق الماء مفضلا جلبه شخصيا.
* هل تستطيع ان تسامح قتلة والدك؟
- قد ابقى حاقدا عليهم، لكن اكثر ما يهمني هو عدم نسيان هذه الجريمة في يوم من الايام.
مارلين خليفة&(نقلا عن "النهار" البيروتية)&
&
التعليقات
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف