ثقافات

صورة تقريبية للعالم الاخر (2)

قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك
&
حسونة المصباحي
فقد تقدمت لامتحان الشهادة الابتدائية مرتين غير اني لم أنلها فخاب أمل عائلتي فيّ وبات والدي ينعتني بـ "الولد العاق"، ولم يكن ذلك بالأمر المثير للعجب. ففي ذلك الوقت، كانت تلك الشهادة التي لم تعد تسوى الان شيئا يذكر، مفتاحا للمستقبل، وللنجاح في الحياة. بدونها تظل الابواب مغلقة امام الانسان خصوصا اذا ما كان من ابناء القرى الفقيرة النائية مثلي أنا. والحقيقة اني لم اكن فالحا في الدراسة. وكان ترتيبي دائما سيئا. وقد رسبت مرتين. وما وصلت الى السنة السادسة، سنة التقدم لنيل الشهادة الابتدائية، الا بشق الأنفس. لذا لم أتفاجأ لما سقطت في الامتحان مرتين. بل لا بد ان اعترف لم أعبأ بالامر كثيرا حتى وان كنت قد حاولت ان اظهر عكس ذلك. ففي ما بيني وبين نفسي، كنت اقول بانني يمكنني ان افلح في مجال اخر خصوصا في الاعمال اليدوية التي برعت في البعض منها في سن مبكرة. وهذا ما حصل. فبعد ان تعلمت الحلاقة عند واحد من امهر الحلاقين في العلا، ركبت الحافلة وتوجهت الى القيروان. وهناك عملت في محل مشهور للحلاقة وسط المدينة، يأتيه ابناء العائلات الكبيرة. بعد سنتين فقط فتحت محلا خاصا بي فترفهت احوالي واحوال عائلتي وظفرت برضى والدي خصوصا بعد ان رممت بيتنا القديم واضفت له غرفتين وأحطته بسور مثلما يفعل الاعيان بمنازلهم.حدث ذلك وانا في سن العشرين، أي في تلك الفترة التي توطدت فيها علاقتي بعبد الحفيظ فاصبح يزورني في القيروان بينوقت واخر فنقضي اوقاتا ممتعة في المطاعم وفي بار وسخ اسمه بار "السعادة" اغلق قبل خمسة اعوام بسبب معركة بالسكاكين حدثت داخله وكادت تفضي الى اكثر من قتيل لو لا تدخل الشرطة. وفي الصيف كنا نذهب الى سوسة فنقضي هناك يومين او ثلاثة لا نكاد نصحو فيها من السكر. ونادرا ما كنا نذهب الى العاصمة لأن عبد الحفيظ لم يكن يحتمل لا هواءها ولا ضجيجها ولا ناسها. فاذا ما دخلناها تعكر مزاجه، وتوترت اعصابه، واربدت سحنته فيبيت شخصا لا يطاق التحدث اليه والجلوس معه وكان دائما يقول:"عندما ادخل العاصمة يدخلني الشيطان فيفسد نفسي". وفي زياراتي الى قريتنا، كنت ألازمه في الليل والنهار فلا نفترق الا في ساعة النوم. وهي عادة ما تكون عند الفجر. وكان يرتاد مجالسه التي يقيمها في بطن وادي "الجباس" ووادي "مرق الليل" في الربيع والصيف اناس ظرفاء من مناطق مختلفة. اما في الشتاء فكان يقيمها في العلا عند واحد من أعز اصدقائه اسمه محمود مات قبل نحو ثلاث سنوات على ما اظن. وكان بشعا، شديد النحافة، أعش العينين، بقامة ضئيلة لا تتجاوز المتر والستين. غير انه كان لاذع اللسان، حلو النكتة، ماكرا مثل ثعلب..وكان قد طلق مرتين لذا لم يعد يعبأ بالنساء. فاذا ما سألأه& احد عنهن حرك يده كما لوانه يستمني واجاب "يدي هذه تكفيني حتى الممات!" فيستلقي الناس على ظهورهم من الضحك. وكان عبدالحفيظ يقول له بصوته الكسلان الذي يزداد كسلا عند الشراب:"لولم يخلقك الله يا محمود لخلقتك انا ذلك ان مجالسي بدونك لن يكون لها لا معنى ولا رائحة ولا طعم". فيرد عليه محمود: "وأنا اشكر بلاد السودان التي بعثت بك الينا!". فيضحك عبد الحفيظ ويسأله: "ومن قال لك اني من السودان؟". فيجيبه محمود: "لون بشرتك"!" فيغمض عبد الحفيظ عينيه نصف اغماضة ويهمس وكانه يخاطب نفسه: "لوني لون الليل.. والليل في كل مكان!" غير ان الشيء الذي اذهل الجميع هو ان عبدالحفيظ صاحب اللسان الذي "يغزل الحرير" كما اصبح الناس يقولون استطاع ان يروض احمد ولد الطاهر. اقول "روض" لأن هذا الاخير كان شبيها بحيوان بري تربى في الجبال والغابات فبات صعب المراس، لا يطيق الاقتراب من بني ادم ولا الخوض معهم في الحديث. فهو دائم التوحد بنفسه، يجلس في بار العلا عند الساعة الواحدة ظهرا، ويظل يشرب ويدخن ساهما الى ان ينتصف الليل. عندئذ يتحرك باتجاه بيته. لكن في الطريق يدركه التعب ويثقله الشراب فيتوسد ذراعه وينام تحت زيتونة فلا ينهض الا عند قبل منتصف النهار وبعده بقليل. ولانه لا يرى جدوى في مواصلة الطريق، فانه يعود الى بار العلا ليجلس في ركنه المعتاد فلا يفتح فمه الا لطلب شراب، واكل من النادل خليفة الاعور الذي يحرص حرصا شديدا لابعاد كل من تسول له نفسه الاقتراب منه. وكان احمد ولد الطاهر قد امضى اربعة اعوام في العاصمة طالب في الجامعة الزيتونية. ويقال ان عائلته التي كان هو ذكرها الوحيد (له ست اخوات ما زلن على قيد الحياة حتى هذه الساعة) كانت على يقين بانه سوف يكون صاحب شأن في يوم من الايام. محاميا او قاضيا او فقيها مهابا اذ انه ابدى منذ الطفولة المبكرة نبوغا وفطنة لا مثيل لها عند انداده وحتى عند من يفوقونه سنا. وكانت له ذاكرة قوية حتى انه حفظ القرآن في وقت قياسي الشيء الذي شجع والده وكان من اغنياء منطقتنا على ارساله الى القيروان ثم الى العاصمة. وعندما توفي جاء هو لحضور جنازته. وانتظر الناس ان يعود لمواصلة دراسته غير انه لم يفعل ذلك. فلما طالت اقامته في القرية جاءه البعض من اعيانها لاستفساره عن السبب غير انه صدهم بحدة قائلا:" هذا أمر لا يعني احدا غيري!". فتركوه وهم في حيرة من أمره. وشيئا فشيئا انغمس عبد الحفيظ في الشراب فلم يعد يصحو منه الا نادرا. عندئذ شرع الناس يروجون حكايات غريبة عنه، فالبعض يقول انه عاشر في العاصمة فتيان سوء ألهوه عن دراسته فانصرف عنها ليغرق في حياة اللهو والمجون الى ان طرد من الجامعة بسبب ذلك. والبعض الاخر يؤكد ان وراء المسألة غانية جميلة لعبت بعقله وجيبه ثم تخلت عنه لتنصرف الى رجل اخر اكثر منه مالا ووسامة. فكانت النتيجة ان عمت بصيرته، واختل توازنه، واسود مزاجه فبات على هذه الصورة المرعبة، صورة الرجل الذي يدمر نفسه يوميا تدميرا منهجيا كما لو انه يرغب في ان يرحل عن الحياة الدنيا في اقرب فرصة ممكنة. وكان الامام أشد الناس اغتباطا واستياء من سلوكه فكان يهاجمه ويندد به في مجالسه الخاصة والعامة، فلما أمعن في ذلك، جاءه احمد ولد الطاهر وهو خارج من صلاة الجمعة وقال له والناس كلهم يسمعون: "ايها الامام، أنا أعلم منك بأمور الدنيا والدين لذا يمكنني ان اقول لك بان ما تفعله أنت من خير هو لي، وما أنا افعله من شر هو لك انتّ!، فاسوّد وجه الامام وبدا عليه الارتباك. ومن ذلك اليوم لم يعد يذكر سيرته لا بخير ولا بشرّ!.
ويوما ما أفقنا فاذا بأحمد ولد الطاهر صديق حميم لعبد الحفيظ يلازمه غالب الاوقات، ويضحك عاليا لطرائفه. فاذا ما زها مجلسهما، احتضنه بحرارة قائلا: " انت والله يا عبد الحفيظ شيطان جميل!" فيرد عليه عبد الحفيظ: "وأنت ايضا يا أحمد!" ثم ينفجران ضاحكين، ضاربين الارض بأقدامهم.وحين يغيب عبد الحفيظ عن بار العلا يومين او اكثر يتعكر مزاج احمد ولد الطاهر وينفد صبره فينادي حميد، الصبي القابع امام البار في انتظار زبون& يلمع حذاؤه ويضع في كفه أزيد مما يكسبه في النهار بطوله ثم يقول له:"اذهب وانت وأئتني بذلك الشيطان الجميل ولا تعد الى هنا الا به!". فيكون الامر كذلك. ومع مرور الايام، أخذ أحمد ولد الطاهر الذي قبل ذلك ينفر منه نفورا شديدا يخشى مجالسنا في بطن وادي "الجباس" ووادي "مرق الليل". وكان يبهج ليالينا واسمارنا بحكاياته الكثيرة عن العاصمة، وعن باراتها ونسائها وفسّاقها. فاذا ما انتشى قرأ علينا اشعارا في الغزل والخمر، وبالرغم من اننا لم نكن نفهم منها الا القليل، فانها كانت تطربنا كثيرا. وكان هو يقول لنا:"لقد وجدت في الخمر ما اغناني عن مواصلة دراسة الفقه!". فيقول له عبد الحفيظ: "ونحن نحمد الله ونشكره لانه قربك منا وابعدك عن الفقهاء!". فينهمر ضحك الرجال على بطن الوادي مثلما ينهمر المطر الغزير.
ولم يكن عبد الحفيظ زينة المجالس فقط، بل زينة الاعراس ايضا. ولانه كان يتقن الغناء والرقص والضرب على الطبل وعلى البندير والعزف على القيثارة فانه اصبح يشرف على فرقة موسيقية ذاع صيتها لا في منطقتنا وحدها بل في جميع المناطق الاخرى البعيدة عنا. واصبحت العائلات تفاخر بحضور هذه الفرقة وصاحبها في الاعراس التي تقيمها لابنائها وبناتها. ولأن ندماء عبد الحفيظ كانوا يتبعونه حيثما كان، فان الشراب بات امرا عاديا في سهرات الاعراس. بل بدونه لا يحلو ذلك. وهكذا دخل قريتنا امر لم نكن متعودين عليه من قبل ان ان الشراب كان محرما في حفلات الاعراس. والذي يتجرأ ويأتيها سكران، كان ينبذ من قبل الجميع، ويسبب لنفسه ولعائلته قضيحة يظل يعاني من تبعاتها وقتا طويلا. ولكن ها عبد الحفيظ واصحابه يطوون صفحة الماضي بسهولة ويسر دون ان يخدشوا مشاعر الناس، مقنعين اياهم بلا أي جدال حول الموضوع بان الشراب ليسبغيضا ولا كريها ولا خطيرا لا على الاخلاق ولا على الدين، بل يمكن ان يجعل حفلة العرس اكثر حرارة وانسيابا وخفة والمدعوين اشد طربا وغبطة وزهوا. والعائلة التي ترفض هذا الامر الجديد وتعارضه، تصبح مهددة بالمقاطعة، بل يمكن ان تتحول حفلة العرس التي تقيمها الى شيء شبيه بمأتم. وهذا ما كاد يحدث لعرس البرني، وهو من اندادي، وكان لا يزال من اقرب الناس الى نفسي. فقد رفض الحاج مبروك المعروف بتزمته وانغلاقه وتجهمه الدائم، حضور عبد الحفيظ وفرقته عرس ابنه قائلا:"لقد طفت حول الكعبة، وقبلت قبر الرسول،وشربت من ماء زمزم لذا لن اسمح للفاسقين بتدنيس بيتي!". ثمدعا فرقة من قرية اخرى يقودها رجل يابس، ذابل الصوت، قبيح السحنة، فلم يأت لحفلة العرس في ليلتها الاولى غير بعض الفتيان الفضوليين. مرت ساعة، وتلك الفرقة تغني اغاني سمجة، وتعزف الحانا قبيحة لم يتجاوب معها، احد من الحاضرين. فلم يلبث الفتيان الفضوليين ان غادروا الحفلة غير اسفين ولم يتبق غير اهل البيت وبعض الاقارب كان جلهم يتثائبون ضجرا. وكانت ام الزين، والدة البرني تراقب المشهد بعينين دامعتين، فلما لم تعد لتتحمل ما كانت ترى وما كانت تسمع، وقفت في باحة البيت وصاحت في زوجها الجالس امام عتبة الغرفة الخاصة به: "أيرضيك أن تحوّل زواج ابنك الى مأتم!؟". فلم يتكلم. فصاحت فيه ثانية: "اذا ما أنت لم تسمح لعبد الحفيظ وفرقته بالقدوم فسوف اترك هذا البيت ولن تر وجهي بعد اليوم!". عندئذ نهض الحاج مبروك. اسرج فرسه ثم ركبها وقال بنبرة المهزوم:"افعلوا ما تشاؤون.. أما أنا فلن اعود الى هذا& البيت الا بعد انتهاء العرس!". في نفس تلك الليلة جاء عبد الحفيظ وفرقته واستمرت السهرة حتى مطلع الفجر. فكان عرساً من ابهى الاعراس التي شهدتها قريتنا في ذلك الصيف البعيد. صيف 1970. (يتبع)
--- بالاتفاق مع المؤلف تنشر هذه القصة الطويلة على ثلاثة أجزاء ---
&بريد القسم الثقافي في ايلاف culture@elaph.com
&

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف