سمير اليوسف : قصص جمال الغيطاني تحمل ملامح تجربته الروائية
قراؤنا من مستخدمي تويتر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك
شأن القصص القصيرة التي يكتبها الروائي، لم تعان قصص جمال الغيطاني الإجحاف، لكنها ظفرت من الاهتمام بالقسط الثانويّ. والحكمة تقضي علي القارئ المهتم بأعمال الغيطاني، عموماً، الشروع في قراءة بعض مجموعاته القصصة، مثل اوراق شاب عاش منذ الف عام و الحصار من ثلاث جهات . هنا قراءة في عالم الغيطاني القصصي.
في مجموعة اوراق شاب عاش منذ الف عام ، وهي كتاب الغيطانيّ الاولّ، نقع علي إيذان مبكّر بذلك الاسلوب السردي الطريف الذي اشتقه الغيطاني لنفسه وامتاز به، وإنه في هذه المجموعة وسواها ايضاً، مضي اولاً في استكناه بعض التيمات الأساسية لرواياته الفضلي مثل الزيني بركات و التجليات وسواهما. فشخصية الزيني بركات، والتاريخ الذي تحيلنا اليه إنما يظهران اولاً في قصة كشف اللثام عن اخبار ابن سلام من المجموعة الاولي.
وعلي اي حال سنكتفي في هذه المحاولة الموجزة بالتكهن في امر تطلّع السرد عند الغيطاني الي الظهور بمظهر ما ينتج من الإلهام، وليس الخيال او الواقع، في المعني التجريبي الملموس للكلمة. ويروق لنا الافتراض ان مثل هذا التطلع سمة لا يمكن إغفال توافرها في القصص اولاً، وفي الروايات لاحقاً.
فالراوي في قصص الغيطاني، المبكرة منها خاصة، هو ذاك الذي يمعن في أداء دور الشاهد علي عالم أصابه البلاء. وهو في سبيله يتخذ لنفسه هيئات ووظائف مختلفة، فيكون مؤرخاً، او مدوّناً او باحثاً منقباً او مستطلعاً ومخبراً، او غير ذلك من صفات تُجيز له الزعم أنه يقوم بعملية تأريخ او تدوين مباشرة، لحوادث فعليّة، او يبحث في اوراق ومخطوطات موجودة فعلاً. بيد ان غرض راوٍ كهذا ليس إنتاج قصة قابلة للتصديق، ولا إنتاج نسخة عن العالم الحقيقي، وإنما الزعم أنه يقف علي سرّ الطبيعة الفعلية لواقع الامور، ومن القدرة علي إبانة الحقيقة، بالمعني الميتافيزيقي.
ولا غرابة اذا ما ظهر الكثير من قصصه بمثابة كشفٍ لغائب وإفشاء لأسرار وعثور علي وثائق تاريخية سريّة الطابع. خذ علي سبيل المثال بعض القصص التي تمثل خيّر تمثيل الأسلوب الذي اشتهر الغيطاني به: هداية اهل الوري الي ما جري في المقشرة او ناطق الزمان او الحصار من ثلاث جهات او وقائع حارة الطبلاوي او غريب الحديث في الكلام عن علي بن الكسيح ... كل هذا يأتي في سياق سرد لا يني يحيل الحاضر الي الماضي، والمحليّ والخاص الي الكوني، والبسيط والعابر الي المعقد والابديّ، والماديّ الي الميتافيزيقيّ. فمثل هذا الرواي اشبه بصاحب رؤيا تخوّله اختراق الواقع اليوميّ، وفي الآن نفسه تجاوزه الي الكليّ وغير التاريخيّ.
وإذا ما بدا السرد الذي يأتيه في الكثير من القصص اشبه بخليط من الحوادث المرويّة تعتورها مناشدة او تعبير عن طموحات وأحلام ومشاعر، فهذا لأن الراوي ليس في الحقيقة مؤرخاً او مدوناً يحاول ان يقدم صورة عن العالم حقيقية، وانما لأنه كراوٍ صاحب رؤيا، تغيب عن ناظريه الحدود ما بين الذاتي والموضوعيّ، المدرِك والمدرَك، والعام والخاص. واذا بدا العالم في السرد مضطرباً وبالياً، فهذا لأن الراوي، من حيث كونه رؤيوياً لا يسعه النظر الي العالم الاّ من خلال إحساس ملازم بالقيامة.
وفي القصص التي ذكرنا، وغيرها، ينحو الراوي نحو مؤرخي القرن الخامس عشر، لا سيما ابن اياس، مدّعياً شهود حوادث جسيمة، ولكنه في الوقت نفسه غير غافل عن العادي والمبتذل من الوقائع. بيد ان صاحب الرؤيا يغلب علي المؤرخ وبما ينجم عن حال ترقّب لأمر طاريء تخترق السرد وتحدد إيقاعه واتجاهه. فيأتي السرد متسارع الايقاع، مضطرباً وغير صبور في الكثير من الاحيان، وكما لو انه إفادة شخص يحاول تسجيل اعظم قسط من الحوادث وبأسرع وقت ممكن قبل الزوال. ولكن عوضاً عن حفظ الصورة الاخيرة لما كان يوجد هناك، فإن السرد يبدو وكأنه يفعل ذلك الا لبعث إحساس بنهاية العالم. فلا يسع المرء ان يحس بأن مثل هذا السرد انما هو ذاك النوع الذي يميل الي التهام الواقع.
ولا شك في ان تفسيراً للاحساس بحال الترقب يمكنه ان يرد الي حقيقة ان السرد ينطلق اصلاً من حقيقة وقوع حوادث بالغة الشأن. وفي النهاية فإن القصص المعنية إنما ظهرت غداة هزيمة حزيران (يونيو) العسكرية، وكإعراب عن إحساس ساحق بأن الواقع السياسي والاجتماعي العربي من الهشاشة والوهن ما يجعل الانهيار التام وشيك الحدوث. ولا يمكن القارئ التقليل من اثر الهزيمة في كيفيّة السرد، ومن قدر اثره في المضمون نفسه. بيد ان الاحساس القيامي الذي يشمل السرد لا يبدو ناتجاً من محض حوادث تاريخية، مهما بلغت من الجسامة. وهذا محقق من خلال الاصرار علي إسقاط صور الماضي علي الحاضر.
وفي ضوء التلقائية التي تتمتع بها لغة السرد، فإن الإسقاط المعهود ليس مجرد محاولة مجازية الطابع لاستخدام التاريخ في تصوير الحاضر. فالتاريخ، ليس مجازاً هنا، والحاضر في هذا السرد ما هو الاّ تكرار لحوادث الماضي: انه العالم الخاطئ ذاته، منذ سقوط الإنسان وحتي اليوم.
الي ذلك فإن الاحساس بالطارئ الخطير مما يحكم وجهة السرد لا يخبو اثره في القصص اللاحقة مما لا تصوّره حوادث تاريخية خطيرة. فقصص مجموعات من مثل ثمار الوقت و نفثة مصدور و شطف النار ، حيث لا اثر بيّناً للغة النصوص التأريخية الكلاسيكية، تبدو اشبه بحكايات عادية منها الي الوثائق او المدوّنات التاريخية. مع ذلك فإن من العسير إغفال نزعة التعبير عن ترقب نهاية العالم الذي تصوّر.
علي ان هذا الاحساس القيامي لا يعدم الذريعة الاخلاقية. فهو لا يعتمد علي رؤية جماليّة خاويّة، ولا علي نظرة ميتافيزيقية الي الوجود تشاؤمية الطابع، وإنما عن يقين لا يتزعزع بغياب العدل. والسرد الذي يمضي متعجلاً في تصوير عالم آيل الي السقوط - او تدوين حوادث اذا ما انقضت فإنه لن يبقي لها اثر آخر يدل علي حدوثها - لا يستند الي دلائل مادية تؤكد حتمية السقوط المرتقب، وإنما يستوي علي اساس رؤيا تنص علي ان عالماً خالياً من العدل هو عالم من دون أسس راسخة تحول دون انهياره.
وأبعد من ذلك، فإن السرد اذ يمضي علي صورة تشي بأنه يحاول ان يلتهم الواقع، عوضاً عن التمثيل عليه، كما سبق القول، انما هو سرد يعرب عن رغبة في شهود نهاية عالم غارق في الجور، وعلي امل حلول الزمن الذي يعمّ فيه العدل الحقيقي الشامل. ولكن اذا كان الجور إنسانيّ المصدر ودنيوياً، فإن العدل المنشود ليس بعدل وضعيّ ولا هو قابل للتحقق عن سبيل البشر.
لا يتستر السرد في قصص الغيطاني علي الجائر والفاسد والمفتري. وهو لا يبخل في إظهار التأييد والتعاطف مع المسالم والمعتدي عليه. ان في هذا السرد نزعة تظلم وشكوي واضحة للعيان. غير ان هذه النزعة لا تبشّر بهزيمة الجائر والمعتدي من سبل دنيويّة ووضعية. وما هذا بالامر الغريب. فالسرد هنا مستلهم من نصوص تراثية سابقة علي العلمانية والحداثة، ومن ثم فلا بد من ان يستوي علي إيمان قدريّ راسخ. فكما ان الحوادث الموصوفة في السرد الكلاسيكي المعنيّ هي بمثابة إعراب عن ارادة سماوية، حتي وإن جازت عقلنتها تبعاً للعلاقة السببية، كذلك هو الامر في قصص الغيطاني.
غير ان النزعة القدرية التي تحكم النظر الي ما يجري في هذه القصص، لا تعود فقط الي الطبيعة التراثية للسرد، وانما ايضاً الي راوٍ لا يعوّل كثيراً علي الارادة الانسانية. فحتي حين يثور المظلوم علي الظالم، او يتحدي قوانينه ومشيئته، فإن الامر يبدو اشبه بتسليم قدريّ لضرورة لعب دور لا مهرب للمظلوم من لعبه (هذا، علي سبيل المثال لا الحصر، ما يمكن استشفافه من قصة مثل قصة القلعة ، من مجموعة إتحاف الزمان بحكاية جلبي السلطان ). فبحسب راوي قصصٍ كهذا، يبدو الاذعان والتسليم لإرادة اعلي، انسانية او ما فوق إنسانية، صفتين ملازمتين للفرد المسالم او المعتدي عليه. الي ذلك فإن راوياً رؤيوياً كهذا لا يمكنه ان يطمئن الي ما هو نتاج الارادة الانسانية، حتي وإن اتسم بالعدل. فمثل هذا العدل، وضعي وتاريخي علي ما هو عليه، ولا بد من انه طارئ وزائل. وفي بعض قصص مجموعتي نفثة مصدور و شطف النار ، نجد ان الراوي انتقل من موقع الشاهد (المؤرخ او المدوّن) الي موقع الفاعل صاحب المسؤولية، يحوطه حراس وأتباع، الاّ انه مع ذلك لا يشفي من النزعة القدرية التي تسلم بحتمية حدوث ما يحدث، او يتخلص من النظرة الرؤيوية التي تحضه علي استكناه الغامض والخفيّ والمتعالي علي الحوادث الفعلية.
ولا يعود من المستغرب بالنسبة الي راوٍ رؤيوي كهذا ان يعوّل علي إرادة سماوية، كثيراً ما تتمثل برموز دينية، شأن المهدي ، او غيره من الرموز القيامية، التي تتوقف سيادة العدل الحقيقي علي ظهورها، حتي وإن بشّر هذا الظهور بالزوال والنهاية اصلاً. والسرد الذي يتطلع الي ان يظهر بمظهر التعبير عن إلهام، لا وظيفة له ولا معني الاّ في قلب عالم لا أمل له بالخلاص الدنيويّ، حتي وإن بدا هذا العالم اشبه بذريعة لسرد يطمح الي ان يكون نتاج مصدر ارقي من الواقع والخيال معاً.(الحياة اللندنية)
التعليقات
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف