جريدة الجرائد

سمـير جـعـجـع مجـرم أم قـديـس وراء القضــبان؟

قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

&
تحقيق مارلين خليفة
من هو الدكتور سمير جعجع؟ سؤال يبدو اساسياً في هذه المرحلة بالذات، اذ بعد غيابه الشخصي عن المشهد السياسي اللبناني صار الرجل، بشخصيته وآرائه ومواقفه، عرضة للتأويل والتفسير، بين صورة المجرم التي يمثلها لأعدائه، وصورة القديس التي يراها فيه محبوه، نقطة التقاء واحدة، هي المبالغة، والكثير من الشخصانية في النظرة. ما هو وجه سمير جعجع الحقيقي، انساناً وقائداً عسكرياً وسياسياً؟ بما ان جعجع ممنوع عن الكلام، ولاسيما السياسي منه، كانت العودة ضرورية الى اشخاص عايشوه من الاهل، والاصدقاء الذين آثر بعضهم عدم ذكر اسمه، والمفكرين السياسيين الذين اسهموا في بناء نظرته الى لبنان.
شخصيات وثيقة الصلة بـ"الحكيم"، تميط اللثام عن جوانب منسية من شخصيته، وتوضح ما التبس من اقتناعاته.
&
شهدت مدينة بيروت ولادة سمير جعجع في 26 تشرين الثاني عام ،1952 في منزل متواضع في حارة المجادلة في الشياح مؤلف من غرفة ومطبخ ومنتفعاتهما. الوالد فريد، معاون اول في الفرقة الموسيقية في الجيش والوالدة ماري ربة منزل تهتم بأولادها الثلاثة سمير وجوزف ونهاد. وكان سمير يقول في عائلته انها "من العائلات المارونية الممارسة للطقوس في شكل حرفي: الصلاة صباحاً ومساء، والقداس نهار الاحد تحضره العائلة مجتمعة". وهو تابع دروسه الابتدائية في مدرسة مأوى العجزة الماروني، ثم في مدرسة Ecole Benild في فرن الشباك، وهي خاصة ومجانية، انتقل بعدها الى المدرسة الرسمية حتى صف العلوم الاختبارية.
لم يخجل سمير جعجع يوماً بعائلته، او بأوضاعه المادية حتى بعدما صار "قائداً". "لأن الانسان الذي يجهل ماضيه او يتناساه او يخجل منه فاشل حتماً، والذي يعتقد ان المال والمناصب والشعارات الفارغة تصنع بطلاً مخطئ جداً بحسب ما نقل عنه.
طيلة مرحلة دراسته كان شقيقه جوزف (دكتور في جامعة ميريلاند) رفيقه الدائم. وهو يروي "ان سمير كان يضجر دائماً في المدرسة، اذ طالما أحب التحدي والمواضيع التي تحتاج الى مناقشة وكان ميّالاً الى العلوم، بعيداً من المواد التي تتطلب حفظا او تكراراً ببغائياً. خارج المدرسة كان "عفريتاً" في حركة لا تهدأ". ويضيف: كنا مرة عائدين الى الضيعة ليلاً يرافقنا ابن خالتي، فرأينا اعمى يفتش عن مأوى لينام، فتوجه اليه سمير وهو لا يتجاوز الـ15 من عمره وسأله عن وجهته فأخبره ان لا احد يقبل ايواءه، فأمسك بيده ونحن نتبعه وراح يبحث له عن غرفة ولما وجدها طلب من صاحبها ايواء الاعمى على ان يأتي والدي ليدفع له في اليوم التالي، وهكذا كان".
بعد انتهاء المدرسة، دخل الشقيقان الجامعة الاميركية في بيروت "بحكم ان والدي كان في الجيش الذي يغطي نصف القسط، اما النصف الآخر فأمنته لنا منحة لمدة 3 اعوام من لجنة جبران خليل جبران".
احب سمير تحقيق حلمه المتمثل بمعالجة الفقراء فاختار الطب، ثم انتقل الى الجامعة اليسوعية بعد اندلاع الحرب وأنهى دراسة الطب العام وأراد التخصص، اما في مكافحة السرطان او في الجراحة العامة. لكن اندلاع حوادث الشمال حال دون ذلك".
لم يكن سمير بعيداً من الاجواء المشحونة في لبنان تلك الآونة، اذ انضوى في خلايا كتائبية ضمن مصلحة طلاب الكتائب وهو بعد في صف البرفيه، رغم ان ميول العائلة شمعونية. وطالما اهتم بتنظيم الانتخابات الطالبية في المدرسة، وبرز لديه منذ البداية حلم تحويل حزب الكتائب الى حزب ذي عقيدة لبنانية شمولية تاريخية تفسر التاريخ والجغرافيا. اما مرحلة دخوله الفعلي الى حلبة الصراع فلندعه يرويها: "استهوتني السياسة مذ كنت في العاشرة، فكنت اشاهد التلفزيون وأسمع الاخبار وأرى كميل شمعون وبيار الجميل وصائب سلام يتحدثون، ولطالما تمنيت التعرف اليهم او مصافحة احدهم على الاقل، مفكراً كم عملوا وتعبوا حتى وصلوا الى ما هم عليه (...) اما الاسباب المباشرة لدخولي الحرب، فكانت& ان التنقل عام 1975 على الطرق كان خطراً، وغالباً ما كنت انام في الجامعة وكنت في نهاية السنة الرابعة في الطب، وقد اعطينا فرصة شهرين في الصيف، اي حزيران وتموز ،1976 فذهبت الى بشري لزيارة اهلي، وفي الليل هاجم الفلسطينيون المنطقة واحتلوا شكا، وقرعت الاجراس، وقيل لنا ان الفلسطينيين في طريقهم الى بشري. هكذا شاركنا في الحرب، وبدأت حياتي في القوات اللبنانية".& (من حديث الى جريدة "العمل" في 3 حزيران 1988).
شهدت معارك شكا بداية صعود جعجع بعدها تسلم قيادة جبهة الشمال محولا مجموعات مشرذمة الى قوة مقاتلة. وبدأت شخصيته القيادية تبرز، وصار عنده عسكر يأتمرون بأمره.
الى مهب النار
انخراط سمير جعجع في التنظيم الذي أسسه بشير الجميل دفعه الى خضم أحداث كثيرة لا مجال لتفاصيلها. فقد كان مسؤولا عن منطقة الشمال، لكنه ما لبث ان غادرها بعد عملية اهدن وتهجير كتائب الشمال، متوجها الى دير القطارة الذي كان في الوقت عينه ثكنة.
ميزاته القيادية دفعت المسؤولين عنه مرة اخرى الى وضعه في واجهة منعطفات خطرة ومنها حرب الجبل، يومذاك اختارته هيئة الاركان في "القوات اللبنانية" لمنع التجاوزات وامساك الوضع العسكري المتدهور في انتظار صعود الجيش. فآمن جعجع آنذاك بضرورة تثبيت الوجود المسيحي في الجبل من دون تحدي الدروز. وقد نجح في احتواء الممارسات والتجاوزات التي كانت تحصل ميدانيا.
الجبل أحرقه مرة ثانية: اكتشف في تلك المرحلة النقص في وجود فكر سياسي، وصدم من رجال السياسة وفسادهم وتركيزهم على مصالحهم الخاصة. وانصبت نقمته الابرز على حزب الكتائب و"القوات اللبنانية" ورئيس الجمهورية آنذاك أمين الجميل، واعتبر ان المسيحيين لم يخسروا المعركة عسكريا بل سياسيا. وقال حين عاد من الجبل: "كانت المعركة خاسرة منذ البداية لان كل الدروز كانوا يحاربون ضد بعض المسيحيين. وحدة الدروز كانت سببا لانتصارهم، وتشرذم المسيحيين سبب هزيمتهم". لذا أراد الشروع في الاصلاح الداخلي.
كان جعجع صاحب شخصية خجولة نوعا ما، يكره الفوضى والفكر المشتت والاساطير السياسية في الوسط المسيحي. وهو اعتبر ان المجتمع اللبناني لا يمكنه ان يجد الخلاص من خلال بطل واحد، بل على المجتمع ان يخلص نفسه. السياسيون اللبنانيون خيبوا أمله، لكنه حمل الاحترام لعدد منهم كفؤاد بطرس وكميل شمعون ولطالما قدّر فؤاد شهاب.
ورفض جعجع رغبة الشيخ أمين الجميل الذي انتخب رئيسا للجمهورية بعد اغتيال شقيقه بشير، في اعادة "القوات" الى بيت الطاعة الكتائبي فكانت انتفاضة 12 آذار 1985 بالتحالف مع الياس حبيقة وكريم بقرادوني ولم يلبث حبيقة ان التف على الانتفاضة بعدما مد جسورا مع السوريين، لينجز الاتفاق الثلاثي، فيسقطه جعجع لاحقا ويصبح قائدا لـ"القوات اللبنانية" عام .1986
وبدأت مرحلة القيادة، وظهر الوجه الآخر لجعجع صاحب الشخصية المتناقضة والمركّبة. بعد سيطرته على قيادة "القوات اللبنانية" أراد تحويلها من ميليشيا الى مؤسسة، لا سيما ان الحرب طويلة مما كاد ان يؤدي الى انتفاضة ضده، لكنه استكمل الورشة. وتميز جعجع القائد بانسجامه مع القاعدة القواتية التي شعرت بأنه يعبّر عن توجهاتها، وهو ركن دوما الى رأيها قبل اتخاذ اي قرار. وتكمن أهميته بالنسبة الى القواتيين في انه، مثلهم، طالع من طبقة متوسطة وفقيرة. يقول أحد اصدقائه القريبين: "كنا نتماهى به، وقد اثبت لنا ان انسانا فقيرا ليس طالعا من عائلة اقطاعية يستطيع بجهده وتضحياته ان يصل يوما ما ويكون زعيما سياسيا. هذا الواقع كان أساسيا.
لم يكتف جعجع بتنظيم المقاومة العسكرية، بل اهتم ايضا بالاجتماعية والثقافية والاعلامية، فأنشأ "مؤسسة التضامن الاجتماعي" التي ضمنت التقديمات الاجتماعية للفقراء والمهجرين، والنقل المشترك. وقدّم منحا مدرسية، ومساعدات لاجراء عمليات القلب المفتوح، وأنشأ "المؤسسة اللبنانية للارسال" وسواها. ونجح في غضون عامين في جعل "القوات" لاعبا اساسيا في السياسة اللبنانية، معتبرا انه في انتظار الحل الذي لا يأتي الا بالتحاور بين الاطراف اللبنانيين، ينبغي ان يكون "المجتمع المسيحي" قويا كي يقبل به على طاولة المفاوضات.
لم يقبل، بعد انتهاء عهد الرئيس امين الجميل، برئيس يفرضه السوريون، لذا طرح شعار الرئيس التوافقي الذي يرضي الاطراف كافة لكن الانتخاب الرئاسي لم يحصل، فعين الرئيس الجميل قائد الجيش العماد ميشال عون رئيسا للحكومة الانتقالية رغم خلافه معه.
"حرب الالغاء"
وقد أيد العماد عون، رغم عدم اقتناعه بـ"حرب التحرير"، نظرا الى انتفاء شروطها الضرورية. دعم عون كي يتجنب التوتر والتصادم مع الجيش. لكن الحرب التي تلت وسميت حرب "الالغاء بين عون والقوات ما لبثت ان انهكت الطرفين، وانتهت بدخول القوات السورية قصر بعبدا.
هل كان جعجع قادرا على تجنب هذه الحرب التي ادت الى نتائج كارثية على المسيحيين ولم يفعل؟
يحلل كريم بقرادوني (كان نائبا لجعجع) الوضع السياسي والميداني الذي كان قائما آنذاك بوجود شرعيتين، الاولى تستند الى الجيش والثانية الى المقاومة. ورغم تكرار جعجع انه لن يحصل اي صدام مع الجيش ما دام هو قائدا للقوات، فقد انجرّ الى الهوة.. وبعد الخلاف في 14 شباط قال جعجع: "بيمون الجنرال". لكن الجرة كانت انكسرت بين الرجلين وانعدمت الثقة. وادرك الاثنان ان الاقتتال مؤذ لهما "لكن صراع القوى كان اقوى من صراع الارادات، وتغلّب منطق القوة على منطق الارادة". كما يقول بقرادوني.
ان قبول سمير جعجع باتفاق الطائف لم يأت انتقاما من الجنرال عون بل لشعوره بالخطر الداهم الذي يلحق بلبنان ومسيحييه جراء استمرار الحرب: "لقد كان مقتنعا بأن اي حل هو جيد مهما يكن سيئا، اذ يوقف الحرب ويعيد المؤسسات الدستورية، ولا سيما ابقاء موقع رئاسة الجمهورية للموارنة"، يقول بقرادوني ويضيف: "بعد ذلك لم ينقلب سمير جعجع على الطائف بل اراد تطبيقه، وهنا حصل سوء فهم من جانب السلطة لوجهة نظره: عقدته الاساسية في رفضه الدخول في الحكومات كانت في رغبته عدم الظهور انه قاتل عون ليصبح وزيرا. سوريا والحكم آنذاك لم يفهما هذه النقطة واعتبرا ان رفضه التوزير هو رفض للطائف ايضا". ويرى: "ان جعجع لم يفهم المرحلة الدقيقة آنذاك والتي لا تحتمل التحفظات، اذ حصل انقلاب حقيقي وجرت تفاهمات اقليمية جديدة بعد حرب الخليج واهمها التقارب الاميركي - السوري، ولم يستوعب كفاية التوازنات الاقليمية التي تبدلت عما كانت قبل الطائف.
ورغم البريق الذي رافق صعود نجم سمير جعجع في قيادة القوات اللبنانية والانجازات التي قام بها في المنطقة الشرقية، الا انه في مرحلة المواجهة مع الجنرال ميشال عون ظهرت صورة القوات باهتة وغير محبوبة لدى كثير من سكان المناطق التي تسيطر عليها. واستقطب الجنرال عون في خطاباته والشعارات التي اطلقها الشارع في شكل لافت، رغم ان هذه الشعارات كالحرية والاستقلال والسيادة هي نفسها التي حاربت من اجلها "القوات".
ما سر هذه الصورة البشعة للقوات في تلك الفترة؟ يعزو بقرادوني هذا الامر الى 3 اسباب:
1- الصورة الموجودة لجعجع لدى الرأي العام كمسؤول عن التهجير في الشمال والجبل، في حين انه لم يكن مسؤولا عن الاثنين.
2- فرض القوات رسوما وضرائب وهي امور غير شعبية، رغم استفادة الناس منها.
3- السبب الثالث يتمثل بتعب الناس من الميليشيات، وسمير جعجع لم يتسلم القوات الا عام 1986 وكان عمرها 10 اعوام. وقد تمكن الجنرال عون من التقاط هذا الامر وظهر مظهر رجل الدولة الذي يريد الغاء الميليشيات، فكان هذا الانجراف الشعبي وراءه. الى ذلك حمل سمير جعجع وزر الموافقة على اتفاق الطائف".
&
مبادئ "القضية"
ثمة طروحات سياسية عدة اثارت لغطا حول سمير جعجع، فاتهم برغبته في التقسيم وانشاء وطن مسيحي. ولعل الفيديرالية هي من اكثر المشاريع اثارة للجدل. ويوضح واضع فكرة الفيديرالية امين الشؤون السياسية السابق في القوات امين ناجي ان غاية جعجع من البحث عن شكل من اشكال اللامركزية السياسية يتمثل في اقامة عيش مشترك بين اللبنانيين يزيل فتيل التصادم بينهم وابقاء لبنان في حدوده الحالية. لم يفكر جعجع في ارساء دولة مسيحية بل توخى تنظيم الوسط المسيحي ضمن الدولة اللبنانية الواحدة وهو امن انه من المستحيل اقامة دولة مسيحية في الشرق. فاما يقوم لبنان في جغرافيته البشرية الحالية واما انه غير قابل للحياة. الى ذلك لم يرفض جعجع البدائل من الفيديرالية اذا كانت توفر الحرية لكل المجموعات اللبنانية. اما عن نظرته الى المسلمين فيقول ناجي: "انها نظرة الى شريك في الوطن، ينبغي التوافق معه على نظام حكم يوافق الجميع، فلا يشعر احد بالخوف او بالغبن". ورغم ايمانه: ان العلمنة هي الحل، لم يدع اليها كونها تلقى معارضة من الشارع الاسلامي. ووقف ايضا ضد الغاء الطائفية السياسية لأنه اعتبر ان شعار الغاء الطائفية السياسية هدفه تركيب طائفة سياسية معينة لحكم لبنان، وهذا ما اراد الخروج منه. ورأى ان طرحي العلمنة والطائفية مفخخان ويكرسان الطائفية السياسية.
ويرى ناجي انه لم يكن لجعجع نظرة عدائية بالمطلق حيال سوريا ونقطة الخلاف معها تمثلت بالحفاظ على سيادة لبنان واستقلاله واذ اعتبر ان السياسة السورية، كما مورست، لم تكن تحافظ على كرامة لبنان لذا وقف ضدها. ويكشف ناجي ان جعجع ارسل كتابا الى الرئيس حافظ الاسد يعرض فيه نظرته الى العلاقات اللبنانية - السورية وهي علاقات طيبة تقوم بين دولتين عضوين في جامعة الدول العربية.
فلسطينيا، يعتبر ناجي انه يجب الفصل بين القضية الفلسطينية التي طالما اعتبرها جعجع قضية محقة، والممارسات الفلسطينية في لبنان، وكان ضد الكفاح المسلح المنطلق من لبنان. وطالما اعتبر انه "اذا كنا على خصام في وقت مضى مع سوريا والفلسطينيين، فهذا لا يعني ان نضع العرب جميعهم في الخانة عينها، والدليل اننا اقمنا افضل العلاقات مع العراق وعدد من دول الخليج". وفكك سمير جعجع العلاقات التي كانت قائمة بين القوات واسرائيل، ومعتبرا ان العلاقة الماضية مع اسرائيل تشكل عبئا على الحركة السياسية للقوات اللبنانية، ورأى انه "اذا كان لدينا اخصام نواجههم فمن الافضل التوجه للتحالف مع العرب الاخرين من هنا نشأت على ايامه علاقات وثيقة مع العراق".
متى يخرج سمير جعجع من السجن؟ ولماذا اتخذ قرار انهائه سياسيا؟
يقول ناجي: "كان سمير جعجع يشكل عقبة تحول دون تحقيق المخطط السوري الموضوع للبنان، وطلب منه ان يصمت فلم يفعل، كان مطلوبا منه ايضا ان يوافق ويوقع كل ما جرى منذ اعتقاله الى اليوم وهذا ما كان ليوافق عليه. ويوم يوافق سمير جعجع، لا سمح الله، على الدخول الى "الحظيرة" يخرج من السجن، لذا اعتقد انه من المستحيل خروجه ما دامت التوازنات السياسية مستمرة وهو لم يتنازل عما يؤمن به ويعمل لأجله".
الجانب الانساني
باطني الى اقصى الحدود هو سمير جعجع لا تعرف يمينه بأفعال شماله ويقول عنه بقرادوني: "لا يكشف سره ولا لعبته، ولا احد يقدر على اختراق فكره ونياته، لذلك كان الجميع يخافونه. لا يحب ان يجادل في قرار اتخذه اذ يكون قد اشبعه درساً: سمير كلي absolutiste ينظر الى الامور في المطلق، يصعب عليه وضع اقتناعاته في نسبية النقاش لأن النقاش هو النسبية، وفي هذا الاطار طبعه قريب من طبع الشيخ بيار الجميل". ويستطرد بقرادوني: "عند دخول سمير جعجع الى السجن كان الناس يخافونه اكثر مما يحبونه، وبعد دخوله السجن صاروا يحبونه، اكثر مما يخافونه".
يقرأ الادب الذي يستخلص منه عبرا اجتماعية وسياسية، ويميل الى التحليل والنقد، وهو قارئ نهم يطالع التاريخ والفكر السياسي والفلسفة واللاهوت. كان يقرأ الانجيل والقرآن وطالما اهتم بأن يفهم الاسلام كعقيدة ودين ودنيا يتابع الحركات الاسلامية في العالم. ويحفظ عن ظهر قلب مقاطع من الكتب. من جهة الاكل لم يكن متطلباً يحب الاكل اللبناني، ويستلذ بتناول الشوكولا لاسيما "راس العبد" مع البيبسي.
ساخر من الطراز الاول، رغم عداوته مع كثير من الاشخاص، لم يعمد يوماً الى التجريح بالكرامات، مكتفياً بعرض الوقائع وتحليلها. حساس لا يظهر عواطفه، "كنا نعرف - يقول بقرادوني - تأثره بعد فترة حين يستعيد بانفعال حادثة معينة اثرت فيه". ومن سيئاته انه متصلب حين يتخذ قراراً ولا يسأل عن شيء، مجازفاً في تطبيقه، وان على حساب حياته، واضعاً مصلحة القضية والقوات فوق كل اعتبار. وكان يغرق في التعليل وتحليل التفاصيل، ويبالغ احياناً في الجدية في مواضيع لا تحتاج الى مقدار كبير من الاهمية.
يملك سمير جعجع قدرة استثنائية على التأقلم مع اصعب الظروف، حتى مع عزلة السجن ووحشته "وفي رأيي (بقرادوني) ان سمير جعجع انتصر على سجنه اذ استوعبه وصار السجن جزءاً من شخصيته. وصار السجن بالنسبة الىه جزءاً من مسيرته الشخصية والقيادية. وأعتقد انه بصلواته وتأملاته يخرج من السجن يومياً محرراً نفسه".
ويبقى سؤال: "ماذا غيّر السجن في سمير جعجع الانسان؟
يجيب بقرادوني الذي يزوره مرة في الشهر: "صار اكثر انسانية. السجن جعله يكتشف البُعد الانساني للأمور ويتعرف الى الآخر الذي كان يمثل العدو في الماضي. دخل السجن كمصارع واكتشف في داخله محبة الانسان، صار اقل قساوة وحقداً وأنانية".(النهار اللبنانية)

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف