رياض ابو عواد: محاكمة "الحلاج" ماساة تنتهي بسخرية
قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
&
القاهرة: ينتهي العرض المسرحي التراجيدي "الحلاج" المقتبس من مسرحية شعرية كتبها الراحل صلاح عبد الصبور عام 1964 بعنوان "مأساة الحلاج" حول محاكمة شيخ الصوفيين حسين بن منصور الحلاج في العصر العباسي .. الى كوميديا تسخر من القضاء. وتقوم المسرحية، وهي من اخراج احمد عبد العزيز، على فكرة الاسقاط التاريخي استنادا الى حياة الحلاج المتهم بانه صاحب مذهب الحلولية بقوله "انا الحق". وقام نسيج العمل الفني على الحلولية التي تعتبر بدايتها احدى شطحات الشيخ الصوفي البسطامي الذي سبق الحلاج بعبارته الشهيرة "ليس في الجبة الا الله".
وقد ولد الحلاج في بلدة الطور قرب مدينة البيضاء في بلاد فارس عام 857 ميلادية وصلب عام 922، وتزوج من امراة واحدة فقط انحب منها ثلاثة ابناء وابنة واحدة.
واصدر قضاة المذاهب الاربعة حكمهم بصلب الحلاج بعد تقطيع اطرافه لطمس افكاره التي كان ينادي بها تقربا الى الله، وهي افكار دفعت عددا من الباحثين الى القول بانه حسين الاهوازي الاب الروحي لثورة القرامطة في القرن الثالث الهجري.
تبدا المسرحية بلقاء بين شيخي الصوفية ابو بكر الشبلي والحلاج لاستعراض مفهومين للصوفية، الديني الذي يبتعد عن الدنيوي ويعزل نفسه تقربا لله كما عبر عنه الشبلي، والاجتماعي الداعي الى رفع الظلم واطلاق الحريات وسد الحاجات الاقتصادية والمعيشية.
وفي مشهد اخر، يحذره تلميذه من نية حاشية الخليفة المقتدر بالله الاعتداء عليه واعتقاله تمهيدا لقتله اذ لم يتوقف عن نشر افكاره بين المهمشين والفقراء لكن ذلك لم يردعه عن لقائهم حتى قامت الخلافة باعتقاله.
ويتاكد الاسقاط التاريخي خلال مشهد الاعتقال حيث يظهر رجال الخليفة بلباس عصري في اشارة الى انتقال القمع من الماضي الى الحاضر.
ويكشف حوار الحلاج مع رفيقيه في المعتقل استمرار افكاره المنادية بالحرية والعدالة الاجتماعية ويبدي احدهما تاثرا في هذه الافكار بينما يحافظ الثاني على تمرده الفردي فيهرب من السجن ويحرض الناس ويقتل رجال امن حتى يتم قتله اثناء محاكمة الحلاج بايدي رجال الوزير.
ومن خلال هذه الشخصية الغنية في التاريخ والتراث العربي بنهايتها التراجيدية وابعادها الفلسفية والاجتماعية، يعكس المخرج، صاحب الرؤية والاسقاط التاريخي، المسرحية على الحاضر باعتبار ان افكار الحلاج ما زالت ضرورة للعصر الذي نعيش فيه.
ويبدو ذلك جليا في مشهد المحاكمة حيث يجلس ثلاثة قضاة على طبقتين من مدرج في حين يجلس في الطبقة الثالثة والاخيرة النموذج العصري لرجل المخابرات بنظاراته السوداء.
ويتم تحويل الصعود التراجيدي للنص المسرحي والشخصيات التي تاثرت بعقلية الحلاج الى جانب كوميدي يعري خلاله المخرج الشكل الصوري للقضاء بحيث يظهر من خلال المشاهد الكوميدية المتلاحقة ان وظيفة القضاة تكمن فقط في اصدار الحكم الذي حدده الوزير، اي قتل الحلاج.
ورغم ذلك، يفسح المخرج مجالا من الرفض عندما يفتح الباب امام احد القضاة للاعتراض على هذا النوع من المحاكمات لكنه لا يفتح امامه فرصة لمقاومة الفساد بل يدفع به للانسحاب من عضوية المحكمة.
وتنتهي المسرحية وجميع من دافع عنهم الحلاج بافكاره وترك اثرا في حياتهم يدورون حوله بعد تنفيذ الحكم خصوصا شيخه الشبلي هاتفين بكلمات تعبر عن ادانتهم لانفسهم وتخليهم عنه.
وركز النص المسرحي على الحوار الذي يقوده الحلاج (محمود مسعود) مع مريديه وتاتي حركة الممثلين منسجمة مع مضمون الحوار وديكور متواضع يحتل فيه خلفية المسرح هرم مدرج يتحول الى موقع لتجمع الرفاق ومنصات قضاء في اشارة الى التشكيل الاجتماعي بطبقاته الثلاث.
ويعتلي الهرم نموذجا لشكل ماسة يتغير لونها تبعا للاضاءة بين الازرق الحالم عندما يتحدث الحلاج عن احلامه بالتحرر والعدالة الاجتماعية الى الاحمر الدامي اثناء محاكمته ورواية المعتقل الهارب قصة حياته المأسوية.
واستكمالا للمؤثرات البصرية، قدم المطرب علي الحجار اغاني من تلحين امير عبد المجيد اعطت الحوار ابعادا جمالية تؤكد على مضمون افكار الحلاج.
التعليقات
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف