جريدة الجرائد

أحمد مطر: "طواطم" على لائحة التحطيم

قراؤنا من مستخدمي تويتر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك

في مجموعتها القصصية الأولي "الطوطم" تستوقفنا الكاتبة القطرية الشابة نورة محمد فرج، ببصمة خاصة تطبع قصصها العشرين كلّها، برغم ما يبدو ـ لي علي الأقل ـ من تفاوت في مستويات وأزمان كتابتها. أبرز ما يحدّد هذه البصمة: صياغة تغسل الجملة، وتقتصد في التعبير متطلبة من الكلمات أقصى غناها في أقصى زهدها. ويستند هذا الاختزال إلي طاقة صبر، فهو قد يبدو هيّناً، لكنّه ليس كذلك. إنه،بكل تأكيد يحتاج إلي كثير من الجهد، كما انّ البساطة في التعبير ليست أمرا سهلاً، بل هي ثمرة تعب، فليس ثمّة أصعب من الكتابة البسيطة، وهذا بالطبع مشروط بأنّ تكون للعبارة دلالتها العميقة الرّاسخة، وهو ما حاولت الكاتبة الوفاء به قدر جهدها.
وتبدو موضوعات القصص بعيدة عن التصنيف الجاهز لكتابة المرأة فالكاتبة فيها انسان يتكلم بأصوات مختلفة، معبرا عن قضايا جمعية.
ومن طبيعة تلك الموضوعات وطريقة صياغتها تلوح لدي الكاتبة علامتان ظاهرتان هما القراءة الكثيرة والوعي الحاد. ولا أراني مخطئا إذا اعتقدت بأنّ سطورها القليلة المكتوبة تخفي وراءها مئات الصفحات المقروءة. ولست اعني، قطعا، ان كتاب نورة خارج من رحم كتب اخري، أو انّه مخلوق يحمل سمات أحد أسلافه.. صحيح انّ التأثر متضمّن في اللاّوعي، لكنّ الواضح انه تأثر كلّي، وانّ النحلة التي ألمت بالأزهار لم تجلب خلطة من الرحيق، بل جاءت بشيء آخر: هو العسل الخاص بها.
وقصص (الطوطم) مهما بدت بعيدة عن الواقع، فهي بمعظمها مشدودة إليه بقّوة، ومتفاعلة مع تفاصيله، ومتمّردة علي غلظته، لكنها تعبّر عن كل ذلك بالرمز، طمعا، ربما، باستنقاذ الهيبة الفنية.
وأقول بمعظمها لأنني اخمّن انّ بعضها قد كُتب فعلا، وبقصد، بقوة الخيال وحده، مثل سياج خرافي لنوازع الطفولة والصبا. ولا بأس عندئذ في آن يكون لهذه الفئة من القصص عالمها الختامي المقصود لذاته.. أما غالبية القصص فتبدو مبنيّة بوعي مسبق علي مستويين، مثل حافلة لندنية، فإذ هي تبدو لا واقعية للناظر من طبقتها العليا، حين يراها تمشي في الهواء بلا سائق، فانه حين يمعن النظر إلي أسفل، سيتأكد من انها تمشي علي الأرض، وانّ فيها وحولها حشودا اخري من الناس، وان هناك من يقودها بانتباه.
وليس بوسع الكاتبة، وقد اختارت الرمز غالبا، إلا ان تكون محكومة بالعمل علي مستويين ظاهر وخفي، ولأنّ الأمر يتعلّق بقصة لا بأحجية، فإننا نستطيع تلمّس حجم الصعوبة في تحقيق الموازنة الدقيقة المطلوبة بين هذين المستويين، فهي في هذا السبيل مطالبة بإقامة معادلات موضوعية بينهما تتيح للقاريء مفاتيح أو أبوابا مواربة لبلوغ المغزي.
ودون ذلك فإنّ الرمزية ستخلي مكانها للغموض، وهي ليست هو، فيما شرط الثناء علي رشاقة العبارة وبساطتها هو ان تكون قادرة علي توصيل حمولتها، فإذا انغلق النصّ علي ذاته اصبحت علاقة القاريء به مجرد لعبة احتمالات.
وينبغي الحذر هنا من ان كثرة الاحتمالات ليست دائما مظهر غني للنص، بل يمكن ان تكون زحاما خانقا يقتله.
وما يحمد للكاتبة، انّها في كثير من قصصها قد تمكّنت من تقليص فضاء التفسيرات، وحقّقت قدرا طيبا من الموازنة بين الظاهر والخفي.
ففي قصّة (الطوطم) مثلا، سعت الكاتبة إلي تحطيم سلطة خرافات سالفة ألبستها السذاجة ثوب القداسة، وجرّدها الوعي منه.. وتعدّت ذلك إلي القول بأنّ الطواطم يمكن ان تكون من صنع الحاضر أيضا، وأنها يمكن أن تتنكرّ بثوب الحداثة لإخفاء خرافتها القديمة، والأخطر من هذا أنّها يمكن ان تتكاثر بالاستنساخ.
وفي (حال هذه المدينة) قد تبدو الجرأة عالية عند تناول علاقة غير سويّة بين فتاتين إحداهما تملك الشراسة وروح الهيمنة، والأخري لا تملك إلاّ ضعفها وكنز عفّتها.
لكنّ الجرأة الأكبر تلوح في مستواها الثاني.. العابر من القضية الاجتماعية إلي القضّية السياسية، ومن العار الفردي إلي العار العام. وكأنّ الكاتبة تدعونا إلي إخلاء الإطار من صورة الفتاة، واستبدالها بصورة الدولة، أو بصورة البلاد، أو بصورة العالم الثالث، معلّقة في الجّو سؤالا منطقيا حول مسألة غير منطقية: ما وجه التكافؤ في التحالف القائم بين النملة والفيل؟!
أمّا (القلعة) وهي القصة الأطول في المجموعة، فقد قسّطتها الكاتبة، بحكم طبيعتها المقتصدة، إلي عدّة لوحات صغيرة ترامت ما بين داخل القلعة وخارجها... بين غربة داخلية وغربة خارجية، بين جدران ظلالها القاتمة تمنع عنّا الشمس، وفضاء أشجاره الكبيرة لا تمنحنا الظّل.
بين مكان نعرف لغته لكنّه لا يسمح لنا بالسؤال، ومكان يتيح لنا حريّة التساؤل لكننا لا نعرف لغته.
وإذا كان الداخل قد استأثر بالنصيب الأوفي من لوحات القصّة، فلأنّه المكان الذي نعرفه جيدا، ولأنّه من قبل ومن بعد مكاننا نحن، ولا خلاص لنا من المأزق إلاّ بإصلاح أحكامه، ومسألة تغيير هذه الأحكام مهما بدت ثقيلة وصعبة، هي أخفّ وأسهل من السعي للخلاص بتغيير العالم كلّه.
يبدو بطل هذه القصة حائرا في نهايتها، يطرح سؤال وجوده بحرقة، فيما هو واقف في منخفض بين عالمين:
ماذا سأفعل؟ أأعود إلي القلعة سجينا معاقبا، أم أجول البلاد مطرودا وحيدا؟ .
لكنّ هناك محنة لا تقل قسوة، هي محنة البطل الفرد في الداخل بين سلطة الاستبداد من فوقه وسلطة الخنوع من حوله.. وهذه المحنة ترسمها قصّة (سيّد الشمس) علي مستوي واحد بالغ الشفافية، يجلد بسوط النقمة وجوه الشعوب قبل وجوه الطغاة، لأنّ الشعوب هي صانعة طغاتها، فهي في تقاعسها عن طلب حقوقها، يسوقها طول الزّمن إلي إدمان هؤلاء الطغاة وتحويلهم إلي معادل للوطن، إلي حدّ انها لا تتورّع عن الانحياز إليهم في مواجهة البطل المنذور لتحريرها!
وتحضر في ذهني هنا صور لمثل هذه الظاهرة الغريبة، من قصص الإيطالي (إيتالوكالفينو)، وخاصة تلك التي كتبها في مطلع شبابه، كالقصة التي يروي فيها حكاية مدينة كان كلّ شيء فيها ممنوعا، واهلها راضون بدنياهم، لكنهم ثاروا بصورة عاتية عندما ابيحت لهم جميع الممنوعات، إذ بدا ذلك تعكيرا فظّا لرتابة حياتهم التي اعتادوها!
أو قصّته الأخري عن مدينة جميع سكّانها لصوص، يسرق بعضهم بعضا، في تكافل رائع، لكنّ نظام حياتهم الرتيب هذا يضطرب فجأة، عندما يحلّ بينهم لأول مرّة: رجل شريف.. غير أنّ هذا الاضطراب يسكن في نهاية القصة، ويعود النظام إلي استقامته، حين يموت ذلك الرجل من الجوع!
إنّ (طوطم) نورة محمد فرج، بداية ملفتة، وستحظي كما اظن، بكثير من الثناء الذي تستحقه، ولهذا فإنني اعتقد انّ الكاتبة ستكون علي حذر من غواية اللحظة التي هي فيها، وعلي وعي تام بأنّها، الآن بالذّات، أحوج ما تكون إلي نفسها، ممّآ يحملها علي التراجع خطوة عن واجهة المشهد، لكي تستوعب ضغط الشعور بالمسؤولية مهما كان مرهقا.
ولا بأس، إنّه علي كلّ حال شعور صحّي سيؤهلها إلي عزلة مناسبة تعدّ خلالها كلّ ما فيه عافية لفنّها.. وحسبها مما انجزت أنها قد منحتنا سببا جديدا للوثوق من انّ زماننا الذي أدركته حرفة الموت، مازال يحمل أكثر من أمل بالميلاد. (عن الراية)
&

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف