جريدة الجرائد

د. بشير موسي نافع :الاصلاح لا معني له بدون اعادة النظر بالنهج الاستراتيجي الفلسطيني

قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك
&
اختار الرئيس الفلسطيني خلال العامين الماضيين نهجا سياسيا جديدا فيما يتعلق بجوهر المسألة الوطنية، بعملية السلام وسبل التعامل مع الخصم الاسرائيلي. بعد سبع سنوات من التنازلات الفلسطينية في مفاوضات اوسلو وما تلاها من اتفاقات، وقف عرفات امام قضايا ما يسمي بالاتفاق النهائي وقال لا للاسرائيليين والامريكيين علي السواء.
ولكن تصور عرفات ومساعديه، بل ومجمل القيادة الفلسطينية، لمستقبل الصراع يبدو وكأنه ظل علي ما هو، اي الاعتقاد بامكانية التوصل الي اتفاق نهائي، ومن ثم العمل من اجل ذلك الهدف وتكريس كل الاوراق والوسائل له. ما تغير هو النهج، فبينما اعتمد الرئيس عرفات خلال المرحلة الفاصلة بين توقيع اتفاق اوسلو وانهيار مباحثات كامب ديفيد علي حسن النوايا الامريكية وعلي الدعم العربي الدبلوماسي الجزئي (خاصة من القاهرة)، وعلي محاولة النفاذ بين الثنايا الضيقة للتباينات السياسية الاسرائيلية الداخلية، تحرك في مرحلة ما بعد كامب ديفيد من اجل تفعيل ارادة النضال الشعبي الفلسطيني. سواء كان ابو عمار صاحب قرار انطلاق الانتفاضة في نهاية ايلول (سبتمبر) 2000، او انه تعامل معها بايجابية بعد اندلاعها، فقد عمل بمهارة سياسية بالغة من اجل تصعيد أوارها واستمرارها، مؤملا ان تكون انتفاضة الاستقلال الوطني والطريق نحو انجاز اتفاق نهائي يحقق المطالب الفلسطينية الرئيسية التي لم تستطع مباحثات كامب ديفيد تحقيقها.
الذين وجهوا للرئيس الفلسطيني الانتقادات اللاذعة والاتهامات خلال العامين الماضيين في كل مرة بدا وكأنه استدار ضد الانتفاضة لم يروا ان عرفات كان مضطرا (ومازال) لتقديم التنازلات الجزئية بين وقت واخر مستهدفا علي الدوام استمرار الانتفاضة وتصعيد الضغط علي الدولة العبرية وقيادتها ورأيها العام. تناولت موجات الاعتقالات التي شنتها السلطة ضد قوي المقاومة الوطنية والاسلامية، (تحت وطأة الضغوط الامريكية) عناصر غير فاعلة في اغلبها، ولم تكن موجات الاعتقال تلك ذات طابع منهجي ولا استمرت طويلا. وفي الان نفسه، كان الرئيس الفلسطيني يطلق العنان لحركة فتح والعديد من قوي الامن الوطني لتساهم مساهمة فعالة ومباشرة وواسعة النطاق في المقاومة الفلسطينية بكل وجوهها. لقد انتهي الامر خلال الشهور الثلاثة الاولي من هذا العام بأن وقع الرئيس الفلسطيني في تقدير خاطيء للموقف وذلك عندما سمح بأن تتصاعد الهجمات الفلسطينية داخل الدولة العبرية الي المستوي الذي قدم مسوغا لهجوم شارون الشامل ضد الشعب الفلسطيني وقواه في الضفة الغربية. في سياق نضال تحرري وطني، عندما تكون قوي المقاومة اضعف بكثير من خصمها ولا تملك وسائل العنف التي يملكها، فعلي المقاومة ان تحافظ علي وتيرة النضال الوطني ضمن سقف محدد لا يسمح بتحويل المواجهة الي حرب شاملة. ليس هذا علي اية حال هو الوقت المناسب للتوسع في هذا الامر، ولكن تصاعد الدعوة للاصلاح والتغيير الفلسطيني الداخلي لابد ان يطرح سؤالا هاما حول ما ان كان النهج الذي كرسه عرفات خلال العامين الماضيين يشير الي انعطاف فلسطيني استراتيجي ام انه كان مجرد خيار مرحلي فرضته حسابات قصيرة.
سيكون من الصعب علي اكثر المراقبين خبرة ودراية ان يدرك في هذه المرحلة المبكرة ما ان كان التحرك الحالي للرئيس عرفات نحو الاصلاح واعادة البناء الداخلي قد جاء استجابة للضغوط الخارجية او للمطالب الفلسطينية الشعبية، او لكليهما. المهم، ان هذا التحرك يأتي في منعطف بالغ الخطورة والحساسية، منعطف ما بعد الغزو وانهيار عملية السلام وانفتاح المنطقة علي مستقبل غامض تتقاذفه الاقتراحات المختلفة والنوايا المتباينة واصطدام الارادات. اصبح الاصلاح الفلسطيني الداخلي ضرورة، بل كان ضرورة منذ وقت طويل، ولكن هذا الاصلاح سيفقد كل معناه الوطني ان لم تصحبه اعادة نظر جادة في الاستراتيجية الفلسطينية ككل. ثمة اصلاح يريده شارون ويستهدف اساسا تهميش عرفات والاتيان بقيادة فلسطينية عميلة تعمل باوامر من احدي دوائر الاستخبارات العسكرية الاسرائيلية، تماما كما كان عليه وضع جيش لبنان الجنوبي. وثمة اصلاح تريده الولايات المتحدة ويستهدف تحويل جهاز السلطة الفلسطينية الي مجرد اداة امنية تفرض حالة من التحكم الصارم بالشعب الفلسطيني وتواجه قواه المقاومة.
بيد ان هناك اصلاحا من نوع اخر، اصلاح يأخذ في الاعتبار حصيلة تجربة السلطة خلال العقد الماضي، الدروس الهامة لمساق اوسلو ونهاياته، والنتائج الحقيقية والصلبة لعامين من الانتفاضة. ان كان لعرفات ان يترك للاجيال الفلسطينية القادمة وللتاريخ ميراثا لا يقل اهمية عن تحقيق الاستقلال الوطني الفلسطيني، فلربما بات من الضروري ان يضع العربة الاستراتيجية للنضال الوطني علي طريق جديد. ولكن هذا لن يتأتي بدون ان تؤخذ في الحسبان الاعتبارات التالية:
ينبغي اولا التحرر من الاوهام التي ترسبت في كامب ديفيد وطابا فيما يتعلق بمستقبل عملية السلام. مهما كانت الدرجة التي اقترب بها الطرفان من التوصل الي اتفاق، فان الحقيقة الواضحة ان الاتفاق لم ينجز وان مواجهة الانتفاضة بقوة السلاح والعنف قد بدأت منذ عهد باراك وان الطرف الاسرائيلي استمر في تصعيد العنف ودلالاته السياسية حتي اطاح هو باتفاق اوسلو ومساق التفاوض المتولد عنه. ان كان لنا ان نأخذ الالتزام الفلسطيني والعربي الرسمي بعملية السلام، فلربما كان التوجه الذي لا بد ان تكرسه القيادة الفلسطينية الان هو التفاوض وكأن الاتفاق سيتم التوصل له غدا والاستعداد للصمود والمواجهة وكأن الصراع مستمر الي الابد. لقد بنيت السلطة واقيمت مؤسساتها ونمت اجهزتها وتوسعت طوال السنوات القليلة الماضية علي اساس فرضية السلام العاجل، وعندما اشتدت حدة المواجهة عجزت اجهزة السلطة عن الدفاع عن نفسها وعن شعبها ولو بالحد الادني. آن الاوان الان لاعادة البناء علي اساس فرضية المواجهة طويلة المدي والعمل بكل الطاقات الممكنة لان يكون الشعب الفلسطيني وتكون قواه ومؤسساته الرسمية وغير الرسمية علي استعداد لايقاع خسائر مؤلمة في صفوف الخصم كلما خطر لشارون او خلفائه خاطر تكرار عملية الغزو.
ليس هناك من شك بان الضغوط العربية والدولية لعبت دورا ما في ايقاف مشروع الغزو الاسرائيلي لقطاع غزة، ولكن هذه الضغوط ما كان لها ان توقف شارون وقيادة جيشه لولا حسابات الخسارة التي وضعتها القيادة العسكرية الاسرائيلية لاحتمالات وقوع مواجهات اخري من طراز معركة مخيم جنين في انحاء مختلفة من القطاع. في مواجهة غزو واسع النطاق لن يتأتي للفلسطينيين مهما اوتوا من امكانيات الانتصار علي الجيش الاسرائيلي، ولكن من الممكن ان يصل الاستعداد الفلسطيني الي مستوي يجعل كل محاولة اختراق عسكري اسرائيلي معركة مكلفة. مثل هذا الهدف لا يمكن تحقيقه بدون اعادة بناء فلسطيني شامل، حكومي ومدني وامني.
القاعدة الثانية للتحول الاستراتيجي الفلسطيني لا بد ان تكون مواجهة الاستيطان اليهودي بكل الوسائل الممكنة، تفاوضا ان امكن وتصعيدا للمقاومة عند الضرورة. لقد كان تجاهل مسألة الاستيطان اكبر خطايا مجموعة اوسلو، بل ان المفاوضين الاسرائيليين انفسهم اصيبوا بالذهول عندما وافق الجانب الفلسطيني علي صيغة اتفاق اوسلو الاخيرة بدون الاصرار علي وضع حد للتوسع الاستيطاني اليهودي في الضفة الغربية وقطاع غزة. اليوم هناك ما يزيد علي 42 في المئة من اراضي الضفة الغربية تحت السيطرة الاسرائيلية الاستيطانية المباشرة، سواء باعتبارها ارضا للمستوطنات المقامة او لاخري علي وشك البناء، او باعتبارها مجالا حيويا للمستوطنات. ان كانت حركة التفاوض تسير باتجاه اتفاق جزئي ومرحلي جديد، فلا بد ان تكون مسألة الاستيطان (وليس سيادة مؤسسة الدولة) هي اولوية اولويات للمفاوض الفلسطيني. وان كان الموقف العربي والفلسطيني يتجه نحو وضع حد للعمليات داخل الخط الاخضر، فلا بد ان تتحول المستوطنات الي هدف اساسي للمقاومة الفلسطينية. مقاومة الاحتلال بكل صوره واشكاله هو حق تكفله كل الشرائع الدولية، والاستيطان اليهــــودي هو في الحقيقة اكبر تهديد لوجود الشعب الفلسطيني في وطنه.
القاعدة الثالثة تتعلق باعادة الارتباط بين المسألة الفلسطينية والنظام العربي.
لقد كانت حقبة التسعينات هي حقبة انفراط العقد العربي حول فلسطين، في حين ادارت القوي السائدة في القيادة الوطنية الفلسطينية ظهرها للوضع العربي. الذين تصوروا اوسلو نهاية الطريق غفلوا بقصر نظر واضح عن اهمية الارتباط التاريخي بين فلسطين والوضع العربي ككل. وكما قلبت الانتفاضة كل الحسابات وفتحت الباب لاعادة النظر فيها، اعادت فلسطين الي حضنها العربي، رسميا وشعبيا. لربما يقول كثيرون ان الدور الذي تقوم به الانظمة العربية اليوم هو دور الضغط علي الفلسطينيين وتثبيط عزم المقاومة. بعض هذا الرأي صحيح، ولكن الحقيقة ايضا ان الثقل العربي الشعبي والرسمي كان دائما، ومنذ نهاية الثلاثينات، الرصيد الاستراتيجي للنضال الفلسطيني. وفي كثير من اللحظات الحرجة في مسيرة الانتفاضة، لعب البعد العربي لفلسطين دورا حاسما في تخفيف الضغط الامريكي ـ الاسرائيلي علي فلسطين، وليس هناك من شك ان الاستفراد بالشعب الفلسطيني هو الهدف الرئيسي للقيادة الاسرائيلية. لقد عاد البعد العربي لفلسطين خلال الاشهر القليلة الماضية كما كان في افضل لحظاته خلال القرن العشرين، فلتعمل القيادات والقوي الفلسطينية علي ابقائه كذلك، وعلي تحويل الالتزام العربي الرسمي والشعبي الي التزام دائم لا ينفصم.
الانشغال الامريكي بالاصلاح الفلسطيني لا يستهدف اقامة نظام ديمقراطي عادل، لان الادارة الامريكية تدرك ان الهم الرئيسي للاكثرية الفلسطينية الساحقة هو دحر الاحتلال. ما يريده الامريكيون هو سلطة فلسطينية طائعة للخارج، قاهرة للداخل. الاغلبية الساحقة من حلفاء امريكا في المنطقة لا علاقة لهم بالديمقراطية وحكم القانون، وقد رأينا كيف تصرفت واشنطن وحلفاؤها تجاه ابسط قواعد القانون الدولي في ما يتعلق بمعركة مخيم جنين. الاصلاح الفلسطيني الاستراتيجي اولا، وكل اصلاح آخر لا بد ان يكون في خدمة الاهداف الاستراتيجية للنضال الفلسطيني، لا في معزل عنها.(القدس العربي اللندنية)

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف