الشاعر الألماني يواخيم سارتوريوس:الشعراء الحديثون في ألمانيا تخلصوا من التّصوّر الهيدغيري للكلمة الشعريّة
قراؤنا من مستخدمي تويتر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك
في تونس أصغيت لأوّل مرّة إلى نشيد العالم
الكلمات هي وسيلتي الوحيدة لأن أجعل المعنى ينبثق من وسط
في الشعر الحقيقي ثمّة دائما تبادل بين العالم واللغة
&
مورناو (جنوب ألمانيا) من خالد النجار
وأسأل نفسي هل هذا الشاعر تحقّق سرّي لقولة هلدرلين من أن "الشعراء مثل كهنة باخوس المقدّسين الذين يتجوّلون في الليل الأقدس من بلد إلى بلد"!؟ فهو خدين هؤلاء الكهنة، ولكنّه يجول في ليل الكلمة. فشعره هرمتيّ، غامض بقصد، أو غامض بوضوح كما يقول الشاعر الإيطالي جوزيبه أونغرتّي.. شعره تحديد للحظات هي في الآن إمتلاء، وعدم؛ لديه يتجلّى العالم، وتتجلى التّفاصيل، والجزئيّات اليوميّــة في بعدها الميتافيزيقي. يجهد داخل مجتمع وثقافة، منظّمة ومعقلنة، تسودها التّقنية، حتّـى يجترح القول الشّعري؛ الذي هو سكن الوجود ونشيده. و يواخيم سارتوريوس إضافة إلى تجذّره
إلتقينا ذات ليل قرب بحيرة& شتافلزي، بظاهر مدينة مورناو، في جنوب ألمانيا لأسأله عن تجربته، وذلك لمناسبة صدور ترجمة فرنسيّة لمختارات من أعماله الشعريّة أنجزها الشاعر الفرنسي الكبير برنار نويل ولأسأله أيضا عن اللحظة الشعريّة الألمانيّة.
سألته أوّل اللقاء عن ينابيعه الشّعريّـة والسّريّـة القصيّة، هناك حيث تبزغ القصيدة فـي حيّز ما، في الحياة، وفي اللغة؛ سألته عن طفولته في تونس على بحر قرطاجة أمام، خليج القردة؛ عن سنوات التّكوين، والقراءات الأولى؟
أعتقد أن هناك شئ هام جدّا في حياتي، وهو بحر المتوسّط. المتوسط الذي هو ضوء، وفضاء، أكثر منه شئ آخر. بعدها بزمن، إذ شرعت في قراءة كتّاب لاتينيّين منسيّين، مثل هوراس، و كاتول؛ أو كتّابا عربا مثل كاتب ياسين، وعبد الكبير الخطيبي؛ أو أعمالا سينمائيّة، مثل أفلام يوسف شاهين؛ ظللت دائما مشدودا إلى طفولتي على البحر في المرسى (ضاحية لمدينة قرطاج) بتونس، التي تقع في مركز تجاربي؛ هذا عن الينابيع القصيّة في واقع الحياة. أمّا نشيد العالم، فقد أصغيت إليه ولأوّل مرّة، في تونس. و أمّا الأصول البعيدة في الأدب، فأعتقد أنّ هناك في البدء ثلاثة أسماء حاسمة في حياتي هي: هلدرلين بطبيعة الحال، وراينر ماريا ريلكه، و شاعر فرنسيّ لا يتمتّع بشهرة كبيرة، هو& بيير جون جوف، وهو شاعر كاثوليكي جدّا، ولأنّه كاثوليكي فثمّة لديه، وعلى جميع الأصعدة، إحساس حادّ بالخطيئة.
القراءات هي أيضا اكتشاف للأنا في نصّ الآخر، أنت ماذا وجدت لدى بييرجون جوف؟
أعتقد أنّ جوف يجسّد التّمزّق، وأن القصيدة لديـه هي مثل انخطاف البـرق، لا بـدّ للعالم من أن يشتعل في القصيد إذا كان القصيد حقا قصيدا؛ من هذه النّاحية فإنّ جوف قريب من رامبو؛ وأعتقد أنّ القصيد الجيّد هو نوع من التّجلّي Epiphanie هو بارقة، والشاعر، يصير منصعقا ومأخوذا، إذ يرى تفاصيل العالم، وحركته متمظهرة في القصيدة. وفي رأيي إذا ماجسّدت القصيدة هذا الإحتراق، وهذه الإضاءة، وهذا الإفراط؛ حينئذ تصل القصيدة وبشكل ما إلى إيقاف هذه السّاعة الميكانيك الكبرى التي هي العالم؛ على اعتبار أن العالم شبيه بساعة عملاقة، بآلة للزّمن.
يجب القول بأنّي كنت وباستمرار قارئا نهما، ولكن أعتقد أنّي تجنّبت باستمرار، وإلى اليوم أن يطغى لديّ واقع الكلمات، أو الواقع اللّغوي على الواقع الفيزيقي، أي ألاّ تتحوّل الكلمة لديّ بديلا للحياة .. ولكن كان دخولي عالم الشعر، بالمعنى الدّقيق، والموضوعي بمناسبة حادثة موت فرانك أوهارا بنيويورك. كان أوهارا شاعرا من جماعة البيتنيك، وهو صديق جاك كورواك، ولورونس فيلان، وصديقا لغاتي. لدى موت أوهارا نظّم أصدقاؤه قراءة شعريّة ضخمة في كنيسة القدّيس ماكس في غرينويتش بنيويورك، استمرّت هذه القراءة عشرين ساعة؛ كل الشعراء ذوي الشهرة الكبيرة في الولايات المتّحدة قرأوا تلك الليلة أشعارهم في هذه الكنيسة؛ كانت حدثا هزّني من الأعماق؛ كنت متأثّرا شديد التّأثر. في تلك الليلة؛ و في تلك الليلة أيضا عشت بعمق قوّة الكلمة، كان عمري تسعة عشرة سنة.
والكتابة، كيف دخلت هذا اللّيل الهيراقليطسي (نسبة للفيلسوف اليوناني الماقبل سقراطي: هيراقليطس ) ألا وهو ليل الكتـــابة!!؟
كنت أكتب باستمرار؛ كتبت روايات، كتبت& قصائد رديئة عندما كنت في السّابعة عشرة. و لكن بعد تجربة تلك الليلة في نيويورك؛ و بعد ذاك اللقاء مع ذاك العدد المهول من الشّعراء الأميركان، بــدأت أترجم وأكتب بشكل جدّي.
لماذا الشعر ...؟
لديّ جواب شديد البساطة، أعتقد أنّنا نقول أشياء من خلال الشعر لا نقولها في وضعيّات أخرى؛ وأعتقد أنّ التعبير الشّعري، هو التّعبير الأكثر حميميّة، والأكثر ذاتيّة بالنّسبة للكائن البشري. كنت ذكرت لك سابقا أنّه ثمّة علاقات قليلة جدّ حميميّة: علاقة الأزواج، العلاقــة الثنائيّة الثانية هي علاقة المعماريّ بالبيت الذي يبنيه، والثالثة هي تلك العلاقة التي تنشأ بين الشاعر ومترجمه؛ في الحقيقة، كنت دائما أحبّ التّرجمة؛ ويبدو لي أنّها الوسيلة الأكثر تمكينا للإنسان من النظر في لغته الأصليّة. هناك تلك الآبدة التي قالها الشاعر الأميركي روبرت فروست وهي أنّ: الشّعر هو ذاك الجزء الذي يضيع أثناء التّرجمة.
ترجمت أعمال مالكولوم لوري صاحب رواية "تحت البركان"، ماذا تبغي من وراء نقل النّصوص؟
إنّ ما استهواني في عمل التّرجمة هو تّمنّع القصيدة و مقاومتها للنقل، أ ومصارعة ذلك الجزء الذي يضيع أثناء التّرجمة، والذي ذكره روبرت فروست؟
هذه التّرجمات هي أيضا أبعادك الذّاتيّة؟
إنّها اكتشاف للذّات عبر الآخر، وفي الآن نفسه هي اكتشاف لأبعاد أخرى في حدّ ذاتها، ولعلّ الإكتشاف الأهمّ هو أنّنا كلّنا ننتمي إلى نهر شعريّ واحد، يعني إن كانت سافو، أو سان جون بيرس، أو طاغور& أو أحمد شامل، فإنّه دائما نفس الصّوت. وأنا أعتقد أنّه وفي مواجهة تجربة العدم الوجوديّة، وتجربة العبث اللذين يعيشهما الإنسان، ويكتنفان كيانه من كلّ جانب؛ فإنّ الحسّ بهذه الإستمراريّة الشعريّة يشكّل لدينا نعمة كبيرة
أتمثل قصيدتك إلتقاطا للحظات من تفاصيل الحياة اليوميّة، هي في الآن إمتلاء وعدم ؟
أعتقد أنّ هناك لديّ جهد للإنطلاق من الواقع المادّي، من ملاحظات الواقــع الماثل؛ لأنّ في القصيد الحقيقي ثمّة دائما تبادل بين العالم و بين اللغة، إذن فإنّ التّفكيرالشعري Poétologique& هو أيضا، تفكير حول طرق تأثير الكلمة في العالم. لذا فأنا أريده أن يكون هذا الجهد لتسمية الأشياء صارما جدّا، ودقيقا جدّا؛ وهو يقودنا في أحسن الحالات إلى نوع من الإمتلاء. إذن مشكليّتي هي أنّي مأخوذ بتلك الهشاشة التي في العالم؛ بطبيعته الفانية، بهذا التحلّل، والخبوّ، والتلاشي الذي نمضي وتمضي إليه كلّ الأشياء ، كلّ المشاعر؛ إذن أن تكتب قصيدة هو جهد للتّآمر على هذه الظواهر.
يصمت للحظة ثم يستدرك، وكأنّه يريد أن يضيف تعريفا آخر للفعل الشعري في عالمنا المعاصر: الذاكرة هي كل ما يبقّى لنا من النّسيان، والكتابة هي كل ما يتبقّى لنا من الذّاكرة.
ماذا تبقّى للشاعر في عالم اليوم الذي استولت فيه الإديولوجيات، والتقنية والإعلام على الكلمة؟
بواسطة الكلمات أتصارع مع المعنى، يجب القول أنّ الكلمات هي أدواتي الوحيدة التي أمتلكها لأجعل المعنى ينبثق وســط هذا العدم الذي يحيط بنا، إنّني أحاول بشكل ما أن أغالب الواقع ليبزغ معنى له. بالنّسبة لي فإنّه في غاية التّعقيد الإيمان بما تقوله عن محاولة تغيير الكلام، أنا أرى أنّنا نعيش في عالم ملوّث بالكامل، فإنّ لغات الثقافة الصّناعيّة، وشعارات الإعلانات، والحوارات على الإنترنيت، كلّ هذا يحاصر ويخنق اللغة ، يخنق القول الشّعريّ. وقد كان في سنوات الخمسينات والسّتينات أن وضــع بعض الفلاسفة الألمان مثل مارتن هيدغير، وأودرنو فاصلا كبيرا بين الصّناعة الثقافيّة، و بين مشروع الحداثة كما حدّدت في العالم الغربي.
واليوم كيف تتحدّد لديك اشكاليّة اللغة الشّعريّة بعد قول هيدغير، وقول آدرنو الذي مضى عليه نصف قرن تقريبا ؟
لأنّنا عندما نتكلم عن حداثة الشعر، فإنّنا نعني باستمرار استيفان مالارمي، ورامبو، وعيزرا باوند، وتوماس اسبندرز إليوتK وذلك بغية التّأكيد على استقلاليّة اللغة الشّعريّة في حين أنّ الشعراء الألمان الأكثر شبابا نجدهم اليوم لا يريدون أن يتركون أنفسهم منحسرين في ذاك الصّراع بين لغة الصّناعة الثقافية؛ وبين مشروع اللغة الشعريّة المستقلة تلك التي نادى بها هيدغير، وآدرنو . فالشعراء الشباب اليوم في ألمانيا نجدهم لا يتورّعون عن استعمال شعارات الإعلانات في قصائدهم، وكما يقولون إنّهم يلوكون لغة الصّناعة الثقافية؛ فهناك ما يصمد في الشعر، والباقي يلفظونه..
أين تموضع نفسك داخل الخارطة الشعريّة الألمانيّة اليوم؟
وماذا تقول عن موت الشعر تلك النبوءة التي أطلقها أندريه جيد في الثلاثينات، وأمّا هنري ميللر فيتنبّأ من بعده بموت الأدب عامّة؟
أعتقد أن الشعر لا يموت أبدا، يجب ألا نقيس حياة الشعر بعدد قرّائه؛ من جهة أخرى فإنّ هناك مناطق في العالم مثل أميركا اللا تينيّة أو العالم العربي حيث للشّعراء جمهور. وهذا حلم بالنّسبة لشعراء أوروبّا الغربيّة. أجل أعتقد أنّ الشعر لا يموت، لأنّه يستجيب لضرورة جوهريّة لدى الإنسان وهذه الضّرورة الجوهريّة هي مزيج من إيقاع، وموسيقى، وإصغاء للأ شياء الأولى والأخيرة المتأصّلة في البشريّ، والتي تظل في الغالب غير معبّر عنها.
كيف هو اليوم الشعر الألماني، فنحن في العالم العربي لا نكاد نعرف شيئا عن هـــذا الشعر بعد الأسماء الكبرى في هذا القرن: جورج تراكل، ريلكه، غوتفريد بن، باول تسيلان؟
يبدو لي أن الشعر الألماني، قد عرف بين 1970 و 1990 مرحلة عسيرة إلى حدّ ما، مرحلة طغت فيها قصائد سياسيّة، بلا موسيقى شعريّة، وبدون ارتباط حقيقي بالعالم، ولكن يوجد اليوم جيل من الشعراء الشباب الجيّدين جدّا؛ و هم على اطلاع كامل على تاريخ الشعر، ويتحكمون في كل أشكال الكتابة الشعريّة، كالسوناتة والشعر الموزون. بمجرّد أن تصدر وبسرعة، تعرف كتبهم طبعاتها الثالثة والرّابعة؛ وتنشرالصّحف الألمانيّة قصائدهم يوميّا، و ثمّة نقد كثير ينشر حول الإصدارات الشّعريّة؛ كما أنّ التحاور مستمرّ حول نصوص هيدغير، وريلكة، وغوتفريـد بن، وهذه الأصوات ماتزال شديدة الحضور لدينا اليوم.
&
التعليقات
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف