عامان على رحيل العلامة السعودي حمد الجاسرأُعفي من القضاء الشرعي فأبدع في الحفريات، ونال شهرةً فاقت مَنْ أعفاه!!
قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
والعلامة البحاثة حمد الجاسر المولود في قرية البرود في وسط أقليم نجد، في عام 1909م أُصيب في طفولته بأمراض بدنية مزمنة، وحُفر له القبرُ مراتٍ ثلاث، ولكنه ووري الثرى في القبر الرابع، بعد أن عاش تسعين عاماً، وكان الضعفُ البدني الذي أصابه في طفولته، فألَ خيرٍ له، إذ كان سبباً له في أن يتجه إلى التحصيل العلمي، وأن يشذَّ عن أقرانه في قريته وممارساتهم للفلاحة والرعي ! فاتجه صوب الرياض في شبابه المبكر، ثم غادرها إلى الحجاز، ليدرس في المعهد السعودي في مكة المكرمة، ثم يبدأ في رحلته العلمية مدرساً في عام 1929م متخصصاً بعلوم الشريعة الإسلامية، ثم عُين قاضياً في مدية ضباء، على ساحل البحر الأحمر، إلا أن ممارساته لأعمال القضاء لم تدم طويلاً، إذ سرعان ما اصطدم بالمؤسسة الدينية في نجد، فعزل عن القضاء !! ليتولى إدارة كلية الشريعة بالرياض في عام 1941هـ، وكان إعفائه من القضاء، المنعطف الأهم في حياته، إذ انتقل بفكره وعلمه من تخصصه في علوم الشريعة، إلى حقل الدراسات التاريخية والأثارية، ليكون رائداً من رواد هذا المجال، بما أودعه في المكتبة العربية من مؤلفات عدة سدّت فراغاً كبيراً في حقولٍ عديدة.
برز الشيخ حمد الجاسر واشتهر وبزّ أقرانه في مجالات عديدة، أهمها العمل الصحافي، إذ يُعدُ الجاسر رائد الصحافة بالمنطقة الوسطى (نجد) إذ أسّس أول صحيفة فيها، وذلك في عام 1952م وهي مجلة اليمامة، التي لاتزال تصدر إلى اليوم هذا، كما جَلَب أول مطبعة إلى البلاد النجدية، وذلك في عام 1955م، ورأس تحرير صحيفة الرياض، في عام 1964م ثم أصدر مجلته الشهيرة "العرب" المعنية بتاريخ العرب وآدابهم وتراثهم الفكري، وهي مجلة علمية، معتمداً فيها على جهده الذاتي، ولعل من أهم الكتب التي أصدرها الشيخ الجاسر في بداية الستينات كتاب" بلاد العرب" للحسن الأصبهاني، المتوفي عام 310هـ، كما حقق عدداً من الكتب التي تناولت الدروب والمسالك في الجزيرة العربية وطرق الحج، ومن الروافد التراثية التي أولاها الشيخ اهتمامه وعنايته كتب الرحلات القديمة، التي تُعدُ مصدراً مهماً من مصادر تاريخ الجزيرة العربية، كما حقق عدداً من الكتب التي تناولت التاريخ المحلي، كما كان له السبق في نشر عددٍ من النصوص الشعرية، لعددٍ من الشعراء القدماء، كعبدالله بن همام السلولي والصمة القشيري، المتوفى عام 95هـ، والشاعر جحدر العكلي، ويزيد بن الطثرية، المتوفى عام 126هـ، وغيرهم، كما كان له القدح المعلّى في مجال نقد كتب التراث، اتكاءً على غزارة علمٍ لديه، وإحاطة تامة بمصادر تراث الأمة العربية، وقد فجرت مراجعاته تلك عدداً من المعارك الأدبية، التي خاضها مع عددٍ من العلماء والمفكرين السعوديين، إضافةً إلى ذلك قام الجاسر برحلات كثيرة إلى عددٍ من الدول العربية وأوربا، بحثاً عن المخطوطات والنوادر، ومشاهدة الأماكن وتحديد مواقعها، وتطبيق ذلك على ما ورد في الأشعار والنصوص القديمة .
والجاسر الذي لقب بهمداني الجزيرة العربية، كرّم من قبل قادة دول مجلس التعاون الخليجي،في عام 1990م، ونال جائزة الدولة التقديرية في الأدب، ومنحته جامعة الملك سعود الدكتوراة الفخرية، وفاز بجائزة الملك فيصل العالمية لعام 1996م في مجال "أدب الرحلات في التراث العربي" .
ولم يكن الطريق العلمي الذي سلكه الجاسر سهلاً، بل فجرت تحقيقاته واستدراكاته عدداً من المعارك الأدبية، بدأها مع عبدالقدوس الأنصاري، مؤسس مجلة المنهل، حول حرف الجيم في كلمة مدينة جدة، هل هي بالضم أم الفتح؟!! ثم توالت معاركه الأدبية التي اتسمت بالحدَّة من قبله، كما في حواره مع أبي عبدالرحمن بن عقيل الظاهري، وأخيراً مع صديقه ورفيق دربه الشيخ عبدالكريم الجهيمان، في عام 1998م حول كتاب "رسائل لها تاريخ" والذي رأى الجاسر فيه أن الجهيمان بكتابه هذا قد فوَّت الفرصة عليه، وأحرق ورقةً مهمةً، كان بإمكانه أن يتناولها، في إصدارٍ خاصٍ به، لاسيما وأن الجاسر يملك الكثير من الرسائل بينه وبين عدد من الملوك والأمراء والأعيان، التي لابد أن تكشف تاريخاً مهماً، لذلك تناول الجاسر كتاب الجهيمان بالنقد الحاد، في حلقات ثمان، عبر صحيفة "الرياض" إلا أن الجهيمان ردّ الصاعَ صاعين !! من خلال رده الأكثر حدّة، في حلقات توقف فيها الجهيمان عند الحلقة الخامسة على إثر تدخل شخصية اجتماعية مرموقة، وعلمت "إيلاف" أن الجهيمان يعتزم حالياً& إصدار ذلك الحوار في كتابٍ مستقل، يصدر خلال الأيام القادمة .
وكانت أولى المقالات التي جَلَبت الصداع للشيح الجاسر وأحرجته كما يقول، تلك المقالة التي كتبها الشيخ عبدالله الطريقي في مجلة اليمامة، بعنوان "إلى أين نحنُ مسوقون" وذلك في عام 1953م وهي كلمة موجهة لخريجي الجامعات والمعاهد، وكان الطريقي آنذاك يشغل منصب المدير العام لشؤون البترول والمعادن، قبل أن يكون وزيراً للبترول، ولم تخلْ مسيرة الجاسر من مشاكسة مع المؤسسة الدينية، إذ كتب في مجلته اليمامة مقالةً بعنوان " هؤلاء هم المضللون" فسّرها البعض أنها موجهةً لخطباء المساجد ورجال الدين، مما أثار سخطهم عليه، أما مقالته الشهيرة " مرحباً برسول السلام" التي كتبها على إثر زيارة الرئيس نهرو للرياض، فقد أغضبت بحق المؤسسة الدينية، مما جعل البعض من العلماء يُطالب بسجنه، وقد سُجن بالفعل، وكانت حجتهم أنه لايوجد رسول آخر غير الرسول محمد عليه الصلاة والسلام!! وعندما أعلن الشيخ حمد الجاسر عن رغبته في تحقيق طريق الفيل، بدعمٍ وتمويل من بنك الرياض، قوبل المشروع بالرفض من قبل بعض علماء الدين، بحجة أن ذاك الطريق أثر من آثار الجاهلية، فحوّل مشروعه إلى تحقيق طريق الهجرة، ما بين مكة والمدينة، فقوبل المشروع بالرفض !!.
والشيخ حمد الجاسر متزوج من السيدة هيلة العنقري، وقد رزق بولدين وثلاث بنات، أكبرهم محمد، الذي لقي مصرعه وهو في الخامسة والعشرين من عمره، في حادث تفجير طائرة الشرق الأوسط، قبالة العاصمة اللبنانية، إبان الحرب الأهلية في لبنان، وكان عائداً من أمريكا، وبيده شهادة الليسانس في التجارة، وكانت وفاته حينما أتخذ الجاسر من بيروت منفى اختيارياً له، تلك العاصمة التي تجرّع الجاسر فيها الحرمان مرتين، فإضافةً إلى مصرع ابنه محمد، فقد احترقت فيها مكتبته الثمينة، بما حوته من ذخائر ونفائس ومخطوطات، ظل سنوات طويلة يجمعها، فتحولت جميعها إلى رماد، فبكاها الجاسر طويلاً، ومات وفي نفسه شيء من مكتبته !! .
التعليقات
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف