الصدمة الحضارية
قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك
&
سنة الحياة التدرج، فكل شيء يحدث واقعة اثر واقعة، ودرجة بعد درجة، يقع الأمر أو يحدث الشيء، فيقتضي قانون الحياة أن يتمكن ويستقر وأن يتمثل الناس الواقعة أو الحادثة حتى يستطيعوا تقبل ما يجيء بعدها وما يقع إثرها، في حال طبيعي ووضع لا تترتب عليه مضاعفات سيئة.. فالطعام على الطعام الذي لم يهضم يحدث تخمة والشراب على الشراب الذي لم يمتص يوجد ربكة (أي ارتباكاً في المعدة).
سنة الحياة في التدرج، لا بد من التأكيد عليها لفهم موقف العرب من الحضارة العالمية الحالية، والتي وإن كانت قد ابتدأت في الغرب فإنها انتشرت في كل أنحاء العالم حتى صارت عالمية.. هذا فضلاً عن أنها قامت أساساً واستمرت بعد ذلك على عناصر من حضارات مختلفة، أهمها الحضارة الإسلامية التي ازدهرت في العالم الإسلامي- المتمركز في البلاد العربية- خلال القرون من الثالث إلى الخامس الهجري (أي من التاسع حتى الحادي عشر الميلادي)، فمن الحضارة الإسلامية ابتدأ العقل الغربي عامة بأسلوب ابن رشد (أبوالوليد محمد بن أحمد1126-1198م) في تقدير العقل الإنساني، وارتكز على المنهج التجريبي الذي نقله فرنسيس بيكون (1561-1626) عن علم أصول الفقه الإسلامي ومن هاتين الوسيلتين، ذات الأصل الإسلامي، ابتدأت الحضارة الغربية (والتي صارت عالمية) بالنهج العقلي والأسلوب التجريبي، فحققت نجاحات مؤكدة، فتحت أمام البشرية دروباً جديدة، لم تكن تخطر على بال، فغيرت نظم الاتصالات وكثرت كمية المعلومات، حتى بات العالم كله قرية الكترونية، أو شاشة تليفزيونية.
وعلى سبيل المثال فإن الغناء في الغرب.. كان مثل الغناء في الشرق يبنى على الصوت الواحد سواء صدر من شخص أم عن آلة، وهو ما يسمى مونوفينيك Monophovici، وعن الإنشاد الديني الذي كان يصدر عن مجموعات، فيها الرجال وفيها النساء وفيها الأطفال، بدأ الاتجاه إلى إعطاء كل مجموعة دوراً معيناً في الأداء، ثم عمل الجهد على أن يكون أداء المجموعة متناسقاً متوافقاً، فظهر بذلك أسلوب الغناء المتعدد الأصوات المسمى بالبولي فونيك Poly phonic وعمل هذا الأسلوب على تطوير الغناء الفردي إلى الأوبرا، وهي قصة غنائية درامية، يقوم بكل دور فيها صوت له طبيعة خاصة، وعند تداخل الأصوات وتوافقها يظهر العمل الفني.. وكانت تعزف مقدمة موسيقية لكل أوبرا، استقلت مع الوقت ثم صارت تقدم في أربع حركات، وبذلك ظهر القالب الموسيقي المعروف السيمفونية، وهكذا ولدت الإبداعات على مهل وفي هدوء حتى تقبلها المجتمع وتهيأ لها فلم تفجؤه.
كذلك فقد اخترع الكهرباء توماس أديسون (1847-1931) وبدأ استخدامها في إنارة الشوارع، التي كانت تنار بالغاز، أو لا تنار إطلاقاً، ثم انتقل استخدام الكهرباء إلى إنارة البيوت وترتب على استخدام الكهرباء اختراع المصاعد الكهربائية التي كانت السبب الرئيسي في ارتفاع الأبنية، حتى ظهرت ناطحات السحاب كذلك فقد نتج عن شيوع استخدام الكهرباء اختراع المذياع والحاكي (الفونوغراف المعروفة الآن بالمسجل) ثم التلفاز، الذي بدأ انتشاره الواسع في الولايات المتحدة بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية عام 1945.
تعقب المخترعات وآثارها، تجد أنها بدأت بجهود حثيثة فظهرت بصور متواضعة، وكان تأثيرها في المجتمعات يحدث بهدوء وفي رفق، فترة بعد فترة، حتى العصر الحالي الذي شاع فيه استعمال الطائرات والسيارات والحافلات والمذياع والتلفاز، والقنوات التليفزيونية الأرضية والفضائية، والتليفون الثابت والمحمول (النقال)، والاتصالات الإلكترونية، هذا فضلاً عن الأدوات المنزلية من ثلاجات (مبردات) وأفران كهربائية، وغسالات وغيرها في حين انتشرت هذه الاختراعات، من نواتج الحضارة وفواعل التقنية، واحدة بعد أخرى، فتهيأت لها المجتمعات الغربية وحدث فيها تغيير وتعديل متتال وتكيف بشري إعادة التنظيم الإداري والاجتماعي، فإن الحال بالنسبة لأغلب البلاد العربية لم يكن كذلك، وإنما حدث في بعض البلاد أن انفجرت فيها الحضارة كبركان يقذف الاختراعات ويسير في أساليب التعامل ونظم الإدارة وروابط المعاملات.. وفوجىء بعض الناس بذلك فوقع لهم ما يسمى الصدمة الحضارية.. من اكتناز المعادن النفيسة كالذهب والفضة في مخابىء داخل البيوت غير التعامل بالنقد، أو بالكروت البلاستيكية، أو بالشيكات المصرفية، أو التحويلات المالية وعلى هذا، يقاس كل شيء في التعامل والتصرف الشخصي والعائلي والاجتماعي والوطني والدولي.
فضلاً عن الصدمة بحد ذاتها، فإن البعض أسرف في اقتناء المنتوجات الحالية، مثل السيارات وأجهزة الفيديو والتليفون المحمول النقال أو الجوال ، فزاد بذلك من ضخامة الصدمة وعمق من آثارها.
وقد يقال في ذلك إن الولايات المتحدة هي أكبر الدول الاستهلاكية لكن يرد على ذلك بأن المجتمع فيها تهيأ وتكيف مع كل اختراع جديد، وأن الناس في الولايات المتحدة لا بد أن تستهلك بكثرة لأنها تستهلك ما تنتجه، أو ما تساهم بأموالها في إنتاجه إن كان الإنتاج في بلاد أخرى، وما لم تستهلك بوفرة فإن عجلة الاقتصاد سوف تتوقف، وقد تغلق بعض المصانع ومحال التوزيع أبوابها، فيتعطل عدد كبير من الأميركيين فالاستهلاك هنا ضروري لانتعاش الاقتصاد وتقليل نسبة البطالة ولا بأس على العرب في الاستهلاك إن استهلكوا ما ينتجونه في بلادهم أو ما يسهم الشعب بأمواله في إنتاجه إن حدث الإنتاج في غير بلادهم، لأن استهلاكهم على الحالين، يكون مفيداً لاقتصادهم القومي.
إن تحديد الداء نصف الطريق إلى الشفاء ومما سلف يخلص بوضوح أن بعض العرب يعانون من صدمة حضارية أثرت عليهم تأثيراً بعيداً، فزلزل عقولهم وخلخل تصرفاتهم، وبذلك اغتربوا حتى عن أنفسهم، ولم يعد من الممكن أن يصادقوا أنفسهم أو يصادقوا الغير فصاروا في صراع دائم لا ينتهي أبداً ولا يستقر على رأي قط وان هذه المسألة من أهم المسائل التي تعوق تفاهم بعض العرب مع الغير، سواء كان هذا الغير على مستوى العائلة أم على مستوى الوطن أم على المستوى العربي والعالمي وإذا صح العزم، فعلى الجميع، وقد تحددت لهم المسألة، أن يعملوا في جد ووعي وعلم على إعادة تأهيل النفوس وتهيئة المجتمعات للتعامل السليم مع منتجات الحضارة، ومع الحضارة ذاتها، حتى يتوافق كل مع نفسه، ويتوافق مع الجماعة، ويتعانق مع الإنسانية.
كاتب مصري
التعليقات
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف