أخبار

ممدوح الشيخرسالة مفتوحة لوزير الإعلام المصري: الغضب الصهيوني تحت الحذاء... ولكن

قراؤنا من مستخدمي تويتر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك
ممدوح الشيخ
&
تابعت منذ فترة تلك الضجة، التي بدأت إعلامية وانتهت سياسية، حول المسلسل المأخوذ عن حياة حافظ نجيب ، والمسمى "فارس بلا جواد " المزمع عرضه على شاشة التلفزيون المصري . وقد كنت مدفوعا في ذلك بأسباب عدة ، من بينها أنني اكتشفت رواية "اعترافات حافظ نجيب" وقمت بنشرها ، وفيها دون بنفسه جانبا كبيرا من قصة حياته يمتد بين عامي 1855 و 1909، وهي المصدر الرئيس لسيرة حافظ نجيب . وقد بقيت هذه الرواية منسية منذ نشرها للمرة الأولى عام 1946، حتى قمت بنشرها كاملة عام 1996 بوصفها نصا أدبيا نادر المثال في تاريخ الأدب العربي لا بوصفها سيرة مناضل، في الذكرى الخمسين لوفاة حافظ نجيب ( 1946 ) . وقد تتبعت ما ينشر عن المسلسل من بعض من شاركوا فيه ودهشت لما يروج عنه ، وأود أن أحيطكم علما بحقائق أكاد أجزم بأنكم لا تعلمون عنها شيئا رغم أهميتها :
أولا : لا يرد في المذكرات التي دونها حافظ نجيب بنفسه أي شيء عن نضال ضد الصهاينة ، ولم يرد فيها أنه عمل صحفيا على الإطلاق ، بل تنقل حافظ نجيب بين حياة الجندية والعمل التجاري وأعمال أخرى سيأتي ذكرها .
ثانيا : لم يتعلم حافظ نجيب التنكر والتخفي من الزعيم الوطني عبد الله النديم ، بل من عمله في المخابرات الفرنسية التي التحق بها وتلقى تدريبها فيها وتجسس لحسابها في ألمانيا .
ثالثا : من العسير جدا فهم البعد الوطني الذي تقوم عليه فكرة المسلسل في حياة شخص قَبِل أن يلتحق بالجيش الفرنسي في قمة الهجمة الاستعمارية الغربية على العالم العربي ، بل إنه كان أحد ضباط الجيش الفرنسي المحتل في الجزائر . وما يرد في مذكراته عن هذا الشأن شديد الغموض يتحدث فيه عن جمعية سرية كلفته بدخول الدير - وهو مسلم - ليسعى للوصول لمنصب أسقف مصر في الحبشة ، كمحاولة لتغيير توازنات القوى في المنطقة في مواجهة النفوذ البريطاني وكان ذلك قبل عام 1909 ، وبالتالي ليس له صلة بوعد بلفور ولا المشروع الصهيوني .
رابعا : دخل حافظ نجيب السجن مرتين محكوما عليه في قضايا احتيال ، كما أن الشطر الأكبر من حياته قضاه مجرما هاربا من العدالة محكوما عليه بالعديد من الأحكام الغيابية في قضايا احتيال عديدة صنعت شهرته ، بوصفه " أشهر محتال في مصر" آنذاك .
خامسا : لم يكن لحافظ نجيب موقف محدد من اليهود أو الديانة اليهودية ، بدليل أنه هو نفسه يصرح في مذكراته بأن أقام علاقة " خاصة جدا " دامت لسنوات مع يهودية غير مصرية ساعدته على الهرب من السجن والاختفاء من البوليس . وأنه عندما قرر أن يدخل الدير في مصر راهبا - وهو مسلم - صرح بأن مما شجعه على ذلك أن قضية الدين - الدين عموما وأي دين - في حياته كانت غامض باهتة ، فلم يجد غضاضة في أن يعيش داخل الدير حياة الرهبان وهو في الحقيقة مسلم .
فإذا تجاوزنا المذكرات التي ينتهي سياقها عند عام 1909 فإننا نصبح أمام معلومات متناثرة عن هارب من العدالة ألف وهو هارب كتابين في الفلسفة ونشرهما باسم مستعار . فما الصلة بين شخص هذه حياته وبين بطل "شعبي" حارب الصهيونية ؟ . ولا شك في أن من حق أي مبدع - بلا مواربة - أن يستلهم الشخصية ليبني أحداثا مفترضة تخوضها ، لكنها عندئذ تظل " أحداثا خيالية أو مفترضة " لا نضالا حقيقيا حدث بالفعل .
أما قضية البحث وراء البروتوكولات فتتجاوز قضية مطابقة الأحداث للتاريخ الحقيقي أو مخالفتها إياه ، فهي ، أولا وأخيرا ، قضية فكرية وأخلاقية تتصل بالمحتوى الذي يحمله العمل والآثار التي يتركها في عقل المشاهد ووجدانه . والعداء المبدئي للمشروع الصهيوني والروح العدوانية اليهودية يستمد رصيده الحقيقي من عقيدة أبناء الأمة مسلمين ومسيحيين ، ومن التزام وطني وأخلاقي بضرورة مواجهة المشروع الصهيوني حتى تعود فلسطين لأهلها " من النهر إلى البحر " . أما الترويج لفكر البرتوكولات& فيعد خداعا للشعوب العربية عن حقيقة أن المشروع الصهيوني لم ينتصر بالبروتوكولات ، بل انتصر بسبب " خيبة عربية شاملة مزمنة " يتحمل المسئولية عنها في المقام الأول الأنظمة العربية الحاكمة ، وقطاعات واسعة من النخب الثقافية العربية& .
إن الخطأ لا يبرر الخطأ ، والغاية لا تبرر الوسيلة ، ونبل الغاية يقتضي بالضرورة نبل الوسيلة ، والجريمة الصهيونية على أرض فلسطين هي جريمة الصهاينة - يهودا كانوا أو غير يهود ، بل إن دور الصهاينة المسيحيين فيها كان أخطر بكثير من دور الصهاينة اليهود - وهي لا تبرر ترويج مثل هذه الخرافات القاتلة . ولا تقتصر الآثار السلبية لترويج مثل هذه الأفكار على ذلك بل تمتد لتعني - ولو ضمنا - تبرئة القوى الاستعمارية التي رعت الغزوة الصهيونية الغاشمة وما زالت ، فإذا كان اليهود يملكون نفوذا أسطوريا خارقا ساحقا ماحقا ، فإن الدول الغربية التي رعت المشروع تصبح وفق هذا المنهج التآمري البروتوكولي ضحايا تماما مثلهم مثل الفلسطينيين !!
وإذا كان التلفزيون المصري راغبا في إنتاج أو عرض عمل درامي يناصر الحقوق الفلسطينية - وهو أمر تكذبه شواهد أكثر من أن تحصى - فلماذا حافظ نجيب المحتال الذي قبل أن يحارب إخوانه الجزائريين في صفوف الجيش الفرنسي المحتل؟ وعمل جاسوسا للمخابرات الفرنسية ؟ ولماذا برتوكولات حكماء صهيون البائسة ؟ لماذا لا ينتج التلفزيون مثلا سيرة : الشهيد المصري مصطفى حافظ ؟ ، أو الشهيد المصري مصطفى الوكيل ؟ أو الشهيد الليبي صالح مسعود أبو يصير؟ أو الشهيد الفلسطيني عز الدين القسام ؟ وغيرهم كثيرون جدا ، في حياتهم من الأبعاد الإنسانية والنضالية ما يكفل صنع دراما شديدة النجاح ، أم ترى تفضلون سير المحتالين على سير الشهداء؟ .
وإذا كنت أنت شخصيا جادا فعلا في القيام بعمل لمناصرة الحقوق الفلسطينية غير عابئ بالغضب الصهيوني، لماذا لا تطلب من زميلك في مجلس الوزراء الوزير أحمد ماهر أن تتوقف وزارة الخارجية المصرية عن إدانة العمليات الاستشهادية الفلسطينية المجيدة ووصفها بأنها انتحارية، وهي طعنة في الظهر لجهاد الشعب الفلسطيني لا يكفر عنها أن تعرضوا ألف مسلسل يلعن "خاش أبو اليهود" ؟ . وإن فعلت، فمن المؤكد أنك تكون قد قدمت خدمة عظيمة للحقوق الفلسطينية هي أجلّ بكثير من اللعب بمشاعر الناس وتأجيج حماسهم وتوجيهه في طريق خاطئ، بينما عندما يخرجون بمشاعر صادقة في مظاهرات لمناصرة الحقوق الفلسطينية يواجههم الرصاص؟
ومع تقديري التام للنوايا الطيبة لأسرة المسلسل جميعا ولجهدهم المشكور الذي لاشك في أنه رصيد وطني لهم، ومع تقديري لحقهم في عرض عملهم رغم الملاحظات السالفة ، فإنني أطالبك بإعادة النظر في هذا المنحى برمته فهذا المنهج السطحي التآمري في معالجة قضايانا يغيب وعي المشاهد، وخرافات مثل :& "بروتوكولات حكماء صهيون"، و "النفوذ اليهودي العالمي " ، و"اللوبي الصهيوني " الذي لا يقهر يروجها من يريدون ألا ترى الشعوب العربية " لوبي العجز العربي " الذي يستبد بأمتنا ويتحمل المسئولية الأولى عن هزائمنا . والغضب الذي يبديه الصهاينة أو غيرهم من المسلسل ليس مبررا كافيا لاعتباره معركة سياسية كبيرة، فينبغي أن يتم تقييم الأمر على نحو أكثر روية وتبصرا، تقييما يتجاوز غضب الغاضبين وانتفاع المنتفعين .&&
كاتب وسياسي مصري

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف