خطاب صدام حسين في ذكرى حرب الخليج : عندما يتلفع المهزوم بثوب الماضي
قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك
&
ألقى الرئيس العراقي صدام حسين يوم الجمعة، السابع عشر من يناير / كانون الثاني الجاري، خطابا بمناسبة ذكرى حرب الخليج الثانية. أراد صدام، أو كاتب خطابه، ان يتحدث هذه المرة بلغة الشعر. فضمن كلامه إشارات& الى ( الفجر البهي ) و(شعاع الشمس) و(أهداب العيون التي جرحها الدمع الهتون) و ال( الطيور الخضر ) و( سنابك الخيل ) و( هوام الأرض) و( الفراشات ) التي ( تستطيب لقاح الأريج) و( الندى والدمع ) و( السحالي ) و( شوامخ المنائر) و( خيوط الفجر ) و(تماسيح الشر) و( الكتب الباذخة).
&ما يهمنا أولا، هو ( الكتب الباذخة ) التي يتحدث عنها صدام حسين ويقول أنها (ألقيت في دجلة عام 1258 للميلاد) بعد وصول هولاكو الى بغداد.
الكتب الباذخة تلك، كانت موجودة حقا قبل وصول هولاكو الى بغداد. وتلك الكتب الباذخة كانت نتاج لحقبة تاريخية كانت نفسها حقبة ( باذخة)، في السياسة كما في الفتوحات العسكرية، في الاجتهاد الديني كما في الاجتهاد العقلي، في الفنون النثرية كما في الفنون الشعرية ...
فهل سيجد (& مغول العصر)، كما اسماهم صدام في خطابه، إذا وصلوا الى بغداد عام 2..3 للميلاد كتب& بغدادية أو عراقية باذخة ؟
وهل كانت الحقبة ( الصدامية / البعثية ) خلال الثلث الأخير من القرن الماضي، من تاريخ العراق، حقبة باذخة ؟
بالتأكيد لا. والسبب هو، ان حكم البعث العراقي بقيادة صدام حسين عمد، عندما رفع شعار ( إعادة كتابة التاريخ )، على الطعن في مصداقية كتب العراق القديمة( الباذخة )،& وسد الطريق، في آن الوقت، أمام ظهور كتب عراقية معاصرة باذخة. واصبح مصدر المعرفة الرئيسي و الأكبر للنخب العراقية، خصوصا في ميادين العلوم الإنسانية ، بما في ذلك الجامعات ومراكز البحوث العلمية هي، كتيبات خطها ميشيل عفلق قبل نصف قرن، وكراسات كتبها صدام نفسه. وطبقا لهذه الطريقة ( الجديدة) التي تم اعتمادها في العراق لتشكيل الوعي الفردي والجماعي، لم يعد هناك مفكر ( حر ) في العراق بإمكانه ان ينتج كتب ( باذخة ) على غرار ما عرفته المكتبات العراقية في فترة ما بعد تشكيل الدولة العراقية الحديثة وحتى عام 1968، حتى لا نقول في فترة ما قبل سقوط بغداد على يد المغول.
&
يقول صدام في خطابه المذكور، وهو يتحدث عن ( ولادة) العراق الجديد : ( أعادت الولادة الجديدة " على يدي صدام، بالطبع " روح بغداد من جديد، ومع الولادة ولد موقف، وسيف، وقلم، وراية .. فبارك نداء ( الله اكبر) الموقف والراية والسيف والقلم، وصارت الولادة، التي نسجتها خيوط الفجر، وباركها الآذان فيه، ولادة عصية على كل غدار وطامع شرير) .
فهل (الموقف والسيف والراية والقلم) التي ولدت في عهد صدام حسين، تمثل امتدادا أو قطيعة مع مثيلاتها اللواتي ولدن قبل غزو هولاكو لبغداد ؟
هنا تكون المقارنة التفصيلية ضرورية، حتى نجيب على السؤال. لكن، المشكلة، فيما يخص هذه السطور هي، ان التوسع في دراسة هذه المقارنة يحتاج، بالضرورة، الى أرقام ووثائق وأدلة لا تتسع لها هذه العجالة. مع ذلك، فبالإمكان القول ان ( الموقف) الصدامي هو موقف( انتقائي )، أي انه خلاصة لمواقف اكثر القادة عتوا ومخاتلة ومكرا في تاريخ بغداد أو العراق في حقبة ما قبل هولاكو، وليس امتدادا لمواقف ( جميع ) القادة.ومنذ وصوله للحكم قبل اكثر من ثلاثين عاما، فان صدام حسين لون موقفه بأكثر من لون : علماني ثم قوموي عروبي ثم اقليموي ثم اسلاموي ثم حداثوي& ثم محافظ ثم سيادوي لا يفاوض على ذرة من تراب العراق ( شن الحرب على إيران بدعوى استعادة أشبار عراقية) ثم ذرائعي، يفرط بمفهوم السيادة الوطنية بجرة قلم ...
أما( السيف ) الذي شهره صدام حسين طوال فترة خلافته، فهو لا يمت بأي صلة الى السيوف التي شهرت قبل دخول هولاكو لبغداد. سيوف تلك الحقبة وصلت الى الأندلس والصين. فإلى أي حد وصل سيف صدام حسين ؟ الى الكويت.
وقبل الكويت، وصل السيف الصدامي الى شمال العراق فأجهز، مرتين، على ضعاف الناس من بين مواطنيه الأكراد العراقيين، الأولى بأسلحة كيمائية، والثانية عندما نفذ ما بات يعرف بحملة ( الأنفال).
سورة ( الأنفال ) القرآنية شرحها صدام حسين وفقا ل( موقفه ) الجديد الخاص به، وليس وفقا لشرح الأسلاف، الذين يقول صدام انه حفيدهم و امتداد لهم.
و( الراية) ؟
&على امتداد حقبة ما قبل سقوط بغداد على أيدي المغول، كانت ( الراية ) خفاقة، لان هناك أيمان عفوي، و ثراء أسطوري جعل أحد حكام العراق آنذاك يخاطب غيمه في السماء بقوله ( أمطري أينما شئتِ فخراجك لي)،& مع قوة عسكرية& ساهمت في رفع تلك الراية في أماكن واسعة.
أما ( راية ) صدام حسين فلا يحق لها، من الناحية العملية، حتى ان تخفق، لان راية أجنبية ( إفرنجية، صليبية ) هي راية مفتشي الأسلحة، من حقها وحدها ان تخفق هذه الأيام داخل العراق. وعلى آية حال، فان صدام حسين وافق على تنكيس هذه الراية، عندما قبل و وقع على شروط وقف إطلاق النار تحت خيمة صفوان عشية انتهاء حرب الخليج الثانية.
يتساءل صدام متشككا، وهو يتحدث عن الولادة الجديدة للعراق على يديه، في خطابه المذكور، فيما إذا كان هناك من ( يتوهم ويقول بان صدام حسين يتحدث عن تمنياته، وليس عن وصف لحال يعيش وسطه، ويعرفه روحيا وعلميا بالشمول والتفاصيل).
هنا، صدام على حق تماما في تساؤله وشكوكه، لأنه يعرف قبل غيره بأنه يتحدث حقا، عن أوهام وتمنيات. وهي أوهام وتمنيات كانت تراود صدام قبل سنوات، وكانت هناك أسس مادية واقعية تشجعه على تبنيها، قبل ان تبدد السنوات الأخيرة للحرب العراقية الإيرانية، تلك التمنيات والأسس التي كانت تعتمد عليها.
فعندما شن صدام الحرب على إيران، في عملية توسعية خارج الحدود تحت غطاء رسمي هو ( استعادة أراضى عراقية مصادرة )، فان الاحتياط المالي للعراق كان يقدر بملايين الدولارات، وكان سعر الدينار العراقي الواحد يتجاوز الثلاثة دولارات.
وقبل شن تلك الحرب بأشهر، كان صدام قد توج نفسه قائدا وحيدا للعراق ، بعد طرد رئيس الجمهورية السابق احمد حسن البكر. وإذا كان المثل الاعلى لصدام فيما يخص السياسة الداخلية هو، ستالين، فان بسمارك و نابليون، و طارق بن زياد هم الذين كانوا، على الأرجح، اكثر حضورا في ذهنه، وهو يشن الحرب على ايران.
وليس من الصدفة ان يطلق، آنذاك، صدام على العراق، وصف ( البوابة الشرقية للامة العربية)، كما ليس من الصدفة، ايضا، ان يظل صدام يردد ليلا ونهارا تلك الأيام ، ان ( حرائر ) الخليج العربي كن سيصبحن سبايا ( للفرس ) لو لم يبادر هو ويشن الحرب.
لماذا لم يسم صدام العراق ( الجدار ) أو ( السور ) الشرقي للامة العربية، بدلا من ( البوابة ) ؟
المعنى الحرفي والمجازي لمفردة الجدار أو السور هو، صد ( الآخر ) القادم من ( الخارج ) الى ( الداخل)، بينما تعني ( البوابة )، في آن واحد، ( صد ) الآخر، ولكن ايضا ( الخروج) و( الانزياح) من ( الداخل ) نحو ( الخارج).
كان صدام يعتقد، بل ويؤمن ، آنذاك،& بان معركة ( القادسية ) الجديدة، كما سمى الحرب العراقية الإيرانية، هي فرصته ووسيلته التاريخية لتحقيق مطامحه القومية التوسعية، كجزء أولي أملته ( الولادة الجديدة ) التي ( أعادت ( روح بغداد من جديد).
والدعم المادي والمعنوي الذي كان صدام يتلقاه من الدول العربية الخليجية وغيرها، يغريه بتعزيز اعتقاده أو أيمانه بان ( الولادة الجديدة ) قد حدثت بالفعل.
وعندما توقفت الحرب العراقية الإيرانية، بالطريقة والظروف المعروفة، استيقظ صدام من ( الحلم) الذي كان تمتع به من قبل، وتيقن ان هناك فرقا كبيرا جدا بين الحلم أو الرغبات، وبين الواقع الملموس.
وعملية غزو الكويت التي قام بها صدام بعد فترة قصيرة من توقف الحرب العراقية الإيرانية، مثلت قطيعة لأحلام صدام التوسعية. فغزو الكويت كان بمثابة محاولة من صدام ل( تحريك ) الجو الذي كان يخنقه، ليس إلا. أي انه كان يعرف انه سيخرج آجلا وعاجلا من الكويت، رغم تأكيداته آنذاك بانه لم يفعل سوى استعادة ارض عراقية مغتصبة.
أي ان غزو الكويت تم ضمن مفهوم ( الجدار) أو ( السور)، وليس ضمن مفهوم ( البوابة) المؤدية الى ( الخروج) ، أو الانزياح خارج ( السور).
والملاحظ هو، ان صدام تخلى رسميا عن مشروعه العروبي القوموي، والتجأ الى الأيمان الإسلامي، بعد ان غير شعار ( الراية ) العراقية، فاستبدل ( النسر ) ( العربي ) بشعار ( الله أكبر )، الاممي، الشمولي، الدال على وجود حاجة الى جهة ( أكبر) يلوذ بها صدام أمام ( خطر) الواقع القاسي، كما اصبح يراه.
&لقد تأكد صدام تماما، هذه المرة، انه ليس بحاجة الى ( أجنحة نسر ) يحلق بها بعيدا عن حدوده الجغرافية، وإنما هو بحاجة الى ( ملاذ ) آمن يحتمي به هو، ( الله أكبر).
بمعنى آخر، ان صدام حسين تخلى نهائيا عن مفهوم ( البوابة ) التوسعي، وتبنى مفهوم ( السور ) الواقي للنفس، كما للأرض التي يحكم عليها.
يقول صدام في خطابه الذي نحن بصدده، وهو يتحدث عن بغداد الأن : ( سيخسأ كل من يحاول تسور سورها، معتديا، متجاسرا، لئيما غاشما، وغادرا).
&إذا ترجمنا هذا الكلام الى اللغة الدبلوماسية والسياسية، فانه يعني استعدادا صداميا على عدم التدخل في الشؤون الداخلية، خارج العراق، بما في ذلك القضية الفلسطينية، مثلما يعني التزاما صداميا، أمام الجميع، وأولهم الولايات المتحدة، بالبقاء وراء ( السور)، وعدم فتح ( البوابة ) بعد الأن، للخروج منها الى أي مكان اخر.
وكان طارق عزيز قد قال مرة، بعد انتهاء حرب الخليج الثانية، عندما سئل عن المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية، بان العراق لا يتدخل في قضايا كهذه، والفلسطينيون وحدهم أدرى بما يطالبون به.
لكن مفردات مثل (لئيما وغادرا) التي وردت في خطاب صدام، وهي بالطبع أوصاف للولايات المتحدة، دون غيرها، ليست بدون دلالة.أنها مفردات تريد ان تقول للولايات المتحدة بأنها (لئيمة) لأنها نست ما قدمه لها صدام من خدمات، اقله في حربه ضد إيران، أثناء ما كان التنسيق بين مخابرات البلدين على اشده، و كذلك استئصاله لنفوذ الشيوعيين العراقيين، أبان الحرب الباردة. والولايات المتحدة (غادرة) في رأي صدام، لأنها تخلت الأن عن تعهداتها السابقة بدعمه وتسليحه.
لكن المفارقة الكبرى التي تحول خطاب صدام الى لغو وهذر هي، ان صدام حسين وهو يقول ( سيخسأ) من يحاول تسور بغداد، يتناسى، ولا ينسى، ان بغداد الان لم يعد لها سورا يحميها، بعد ان (تسور) مفتشو الأسلحة (سور) القصر الجمهوري نفسه، الذي يمارس من داخله صدام مهمته الرسمية وإصدار أوامره للقوات المسلحة بمنع من يريد ان ( يتسور) السور العراقي.
وبدلا من ان يواجه صدام (عري الواقع)، عريه الشخصي وعري البلاد، فأنه يلجأ الى عباءة (الماضي) ليتلفع بها، صاما أذنيه عن أصوات رعاياه العراقيين الذين يرددون ألان، سرا وعلانية، بان (الإمبراطور عار) تماما.
التعليقات
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف