قال لي ابن الرئيس :وقائع مخفية لعدي صدام حسين : يرويها: هاشم حسن ( الحلقة الثانية)
قراؤنا من مستخدمي تويتر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك
- أخطر مقال انتقادي هجومي في زمن صدام حسين يشنه عبدئيل
- عدي استرشد بوصية والد برزان التكريتي عن الخنازير والتسلط وطبقها علي الصحافة
قد تحيد بعض كتب نقل الوقائع والأحداث عن المسار الموضوعي ويطلق الكاتب الحرية لمشاعره علي حساب الموضوعية،
إلا ان الدكتور الصحفي هاشم حسنفي هذه الاستذكارات الواقعية الخطيرة يتحرك بموضوعية الصحفي الذي لا يقول (أنا فعلت)،
بل بكل تواضع يقول سمعت وشاهدت..
وما يرويه هاشم حسن في هذا الكتاب (قال لي ابن الرئيس) شهادة مروعة عن بلد سحق فيه القانون بأحذية مسؤوليه
لينقاد ويقاد إلي الكارثة المهولةالحالية والمنتظرة. وفي تفاصيل سلوكيات عدي صدام حسين يقربنا هاشم حسن من الحقيقة بموضوعية منضبطة لنتعرف علي شذوذ (شخص) يعتقد أن جميعأبناء بلاد النهرين خدم لديه، وتلك وحدها تجعله مصاباً بمرض
خارج حدود التصنيف الطبي والاجتماعي.
في هذا الكتاب رحلة مروعة عاشها الكاتب ونقلها بحاسة صحفية ماهرة، تجعلنا في أقرب صورة لما أصاب شعب بلاد النهرين.
خرجنا من هذا الاجتماع ــ الورطة ــ ونحن في أشد حالات الحيرة والقلق، وكنا في حالة لا نحسد عليها.. ولم يكن أمامنا إلا المباشرة فوراً بكتابة المقالات المثيرة لاهتمام الجمهور، والمستفزة لمشاعر كبار المسؤولين خاصة الحرس القديم الذي يحيط بالرئيس والرئاسة ويكفرون كل تجديد مهما كان نوعه أو مصدره لأن فكرة المؤامرة ما زالت تقلقهم وتثير مخاوفهم وكأنهم استولوا علي السلطة قبل ساعات قليلة وليس منذ أكثر من ثلث قرن، فهم لا يريدون ان يسمعوا إلا صدي صوتهم فقط!.. لا مجال للرفض أو الاعتذار وأبلغنا بمواعيد المقالات الأسبوعية، خصص لي يوم السبت ولداود الفرحان الأربعاء.. وعلمنا من مصادر مقربة من عدي، أن أحد الدوافع المهمة لهذا الإجراء المفاجئ، محاولة لإنقاذ صحيفة بابل من الرتابة والترهل الذي أصابها وأدي إلي تراجعها وانخفاض مستويات توزيعها وتقليص نسب أرباحها من المبيعات والإعلانات..!
باشرنا الكتابة في فترة زمنية وصفت بأنها الأكثر عتمة في تاريخ وزارة الإعلام العراقية، حيث تولي منصب الوزير عبد الغني عبد الغفور عضو قيادة قطر العراق واكثر المسؤولين حفظاً للشعارات الثورية ذات النكهة العنترية وبلغ فيه التطرف والجمود انه يتفاخر بامتناعه عن سماع إذاعة (بي. بي.سي)البريطانية، وصوت أمريكا، ومونت كارلو، وإذاعات الخونة لأنها تبث السموم الشيطانية!
إعلان الحرب علي الصحافة
ولم تمر أسابيع قليلة علي توليه منصبه الميمون حتي أعلن الحرب علي النزر القليل من نسمات الحرية الصحفية وسعي جاهدا بتحريض الرئاسة والأجهزة الأمنية وأعضاء القيادة وحتي صدام حسين شخصيا علي كتاب الأعمدة الانتقادية واصفا إياهم بمحرضي الشعب والمرتدين، وأغلق المصور العربي بصورة تعسفية وتلتها مجلة السينما والمسرح.. ولم نكن نعلم بعد سلسلة من المقالات الانتقادية اللاذعة في (بابل) والتي كنا نلمس صداها الطيب عند القراء وزملاء المهنة، ونتلقي في الوقت ذاته ما يؤكد امتعاض وغضب حاشية الرئيس وحراس البوابات! أننا تمادينا وأسرفنا في النقد وتجاوزنا كل الخطوط الحمر، وأن الرئاسة والرئيس وأجهزته الضاربة القامعة نصبت لنا الفخاخ ــ بدفع مباشر من وزير الإعلام ووكيله الأمين القومي المستبعث وشلة رؤساء تحرير مقابر الصحف اليومية! الذين لم يرق لهم ميلاد صحافة حرة تعري وتكشف للناس مقدار تخلفهم الذي ستره عورته الاستبداد والشعارات العقائدية السقيمة!
وبدأ العد التنازلي للقبض علينا والقصاص منا لنكون كبشي الفداء والعبرة التي يعتبر بها كل من تسول له نفسه ان يحلم بالحرية، لان هذا الحلم من كبائر الذنوب التي تسقط هيبة الدولة وتغري الناس علي كسر عصي الطاعة علي الراعي الأمين وولي الأمر المعظم!.. ووقع ما كنا نخافه ونخشاه ، ففي ذروة الرفض العراقي لمذكرة التفاهم التي وصفها كبار القادة العراقيين بأنها مشروع استعماري لاحتلال العراق وانتهاك صارخ لحريته وكرامة أبنائه، ورددت ذلك وراءهم جوقة الإعلام الرسمي.. ثم حدثت المفاجأة الكبري بين ليلة وضحاها ومن دون مقدمات أعلنت القيادة الحكيمة موافقتها غير المشروطة علي مذكرة التفاهم واستدار الخطاب السياسي والإعلامي العراقي إلي الوراء 360 درجة فأصبحت المذكرة نصراً دبلوماسياً لامعا حققته الخارجية العراقية بتوجيه ورعاية كريمة من لدن الرئيس القائد صدام حسين حفظه الله ورعاه وأدام ظله ليرفض كل القرارات، بعدها يوافق عليها جملة وتفصيلاً!
دفعني هذا التناقض الصارخ واللعب غير المسؤول بمشاعر الناس لكتابة مقال افتتاحي شديد اللهجة، استلهمت بعضا من عنوانه من قصيدة تراجيدية لشاعر عراقي من أهالي الحلة اسمه موفق محمد استخدم تسمية (عبدئيل) رمزا للمواطن العراقي البسيط ونشر المقال عقب توقيع العراق مذكرة التفاهم مباشرة تحت عنوان (مذكرة تفاهم مع عبدئيل) ولأهمية المقال نعيد نشره ضمن هذه الحلقة.. وأثار المقال نمطا كبيرا في الشارع العراقي وفي أعلي المستويات القيادية حتي ان وسائل الإعلام العالمية المرابطة في بغداد وصفته بأنه أخطر مقال انتقادي يسخر من القيادة العراقية منذ عام 1968.. ولم يتوقعه كتاب الأعمدة الساخرة أنفسهم فزميلنا داود الفرحان الذي اعتاد علي كتابة المقالات الساخرة قال لي (إنني لو كنت رئيسا للتحرير لرفضت نشره، والله الستار)!
استنفار عدي
وانهالت علي عدي ــ الذي لم يطلع علي المقال قبل نشره ــ ومنذ الصباح الباكر سيلا من المكالمات الهاتفية علي هاتفه المحوري ــ الخاص بالمكالمات الرسمية ــ وكانت من رئاسة الجمهورية وأعضاء في مجلس قيادة الثورة والوزراء والأقارب والأصدقاء المقربين، جميعهم قدموا له النصيحة بطريقة أو بأخري بضرورة التخلص من زمرة الكتاب المشاكسين، وإيقاف هذا النوع من الكتابات المسمومة لأنها تحرض الناس ضد القيادة، وتوفر مادة إعلامية خصبة للأعداء المتربصين كقطيع ذئاب جائع خلف الحدود يترقبون الفرصة السانحة للانقضاض علي القيادة التاريخية الأبدية للثورة العراقية الظافرة..!
قفز عدي من مقعده متوترا بعد تلقي مكالمة مهمة لم نتبين مصدرها لعله صدام نفسه وصرخ أين البريد.. أريد (بابل) فورا وأحضروا لي هاشم حسن.. و..! لكي أعرف من هذا (عبدئيل) الذي هز أركان الدولة!تقدم أحد المرافقين، وقدم لعدي صحيفة (بابل) المطلوبة.. تفحصها وقرأ قليلاً من المقال.. وقذف الصحيفة بوجه (..) وقال له أقرأ المقال لا بارك الله فيك.. وبدأ القراءة وخيم صمت كبير علي المكان وحبس الجميع أنفاسهم بانتظار ردود فعل الأستاذ.. وما ان انتهت القراءة الأولي حتي صرخ عدي اعد القراءة ثانية وبهدوء وبطء.. وما ان انتهت القراءة الثانية حتي صرخ عدي وهو يضرب الأرض برجليه (عفيه.. زين يسوي بيهم عبدئيل.. مسح الأرض بهذوله..) بعدها أطلق ضحكة عالية هزت قصر العابد.. وقال (أبلغوا هاشم حسن السلام وأنصحوه بالهرب خارج بغداد والاختفاء عن الأنظار حتي يأذن الله بالفرج.. لأن الدنيا مكلوبه عليه ) وقع هذا التبليغ علي رأسي مثل الطابور.. فأين أهرب. وما الذي ينتظرني من قدر؟ وهل يعجز عدي عن حمايتي.. أسئلة كثيرة كانت تتناسل في رأسي في كل ثانية، وضعت لها نهاية حاسمة حين وصلت بعد أقل من ساعتين إلي قرية بعيدة في إحدي قصبات مدينة مندلي عند الحدود الإيرانية، وأمضيت هناك أسبوعين مع رعاة الأغنام.. وحين هدأت العاصفة ظاهريا.. عدت إلي بغداد.. وعرفت أن إجراءات قسرية اتخذت ضدي سراً وفي مقدمتها وضعي تحت المراقبة المشددة وصدور أمر رئاسي بمنع مغادرتي العراق مهما كانت الأسباب وجاء ذلك في كتاب سري للغاية صادر من جهاز المخابرات وموجه إلي مديرية الأمن العام الجوازات ووزارة الإعلام.
اجتماع طارئ
واضطر وزير الإعلام عبد الغني عبد الغفور إلي استدعاء مجلس نقابة الصحفيين ــ وكنت عضوا فيه ــ إلي اجتماع طارئ وعلي وجه السرعة..برغم انه كان يمانع ويعتذر من عقد مثل هذا الاجتماع لتحفظه واعتراضه علي وجود عناصر مستقلة سياسيا في مجلس النقابة، ولكنه اضطر لعقد هذا الاجتماع، لكي يوجه تحذيرا نهائيا لي بالدرجة الأولي ولداود الفرحان وصباح اللامي وأمام بقية أعضاء المجلس لاعتقاده أننا نثير فتنة كبيرة عبر طروحاتنا ومقالاتنا ولم يرغب الوزير باستدعائنا شخصيا حتي لا يفسر الأمر أمام عدي والرأي العام الصحفي علي أنه رد فعل وتحقيق، ولكي لا يضفي أهمية علي ما كنا نفعله عبر مجلس النقابة من محاولات تبشير الصحفيين وتحريضهم علي انتزاع حريتهم والشروع بمرحلة جديدة في تاريخنا الصحفي.. وجري نقاش ساخن.. كنت أنا ومعي الزميل صباح اللامي نمسك بالطرف الأول من الحوار.. وكان الوزير يشد من الطرف الآخر.. والتزم أغلب أعضاء المجلس للأسف الشديد الصمت، واكتفوا بموقف المتفرج وكأن الأمر لا يعنيهم من قريب أو بعيد وبينهم من خدع جمهرة الصحفيين عن مواقفه الوهمية في الدفاع عن الحريات وحقوق الصحفيين!!
وتصاعد الموقف في الليلة ذاتها وبلغ حد الخطورة المثيرة للقلق، وحضر في ساعة متأخرة بعد منتصف الليل من يطرق باب داري ويطلبني لاجتماع طارئ مع عدي صدام حسين لأمر لم أبلغ فيه حتي وصلت إلي المكان المحدد الذي غادره عدي تواً.. لكنه ترك لي وصية يقول فيها أقرأ وقائع هذا المحضر عن لقاء وزير الإعلام مع مجلس نقابة الصحفيين وهل هذا النقاش حدث فعلاً و.. و..!
ووجدت أمامي النص الحرفي لوقائع الاجتماع الساخن مع الوزير مهيأ للنشر، تفحصته جيدا وبدا لي انه مفرغ عن شريط مسجل فلا يعقل ان تحتفظ الذاكرة البشرية بدقة الحوار الذي امتد اكثر من ساعتين.. لكننا نحن ومكتب الوزير لم نقم بتسجيل وقائع الاجتماع.. واعتقدت ان هذا العمل قام به (..) وهو موظف في وزارة الإعلام ومن المقربين من مكتب الوزير ومكتب عدي في الوقت ذاته ويتولي عملية تجسس مزدوجة بين الوزير وعدي، فينقل كل ما يحدث في الوزارة إلي أذان عدي مباشرة، وينقل للوزير تفاصيل عن انطباعات عدي ورغباته وقناعاته بأداء الوزارة والمسؤولين فيها!
.. كتبت علي هامش محضر الاجتماع بعد حذف فقرات صغيرة لم أكن متأكداً من دقتها.. وقلت ان النص ينقل بدقة متناهية ما جري فعلا مع السيد الوزير.. لكنني أري من المناسب عدم نشره، فذلك سيثير غضب الوزير ويدفعه إلي مقاطعة النقابة، وهذا الأمر يضر بمصالح الصحفيين لا سيما وان أغلبهم يعملون في مؤسسات رسمية ترتبط بوزارة الإعلام.. فوجئت في اليوم التالي بنشر نص المحضر في بابل بتاريخ 30 أيار (مايو) 1996 تحت عنوان (ماذا جري في اجتماع وزير الإعلام مع مجلس نقابة الصحفيين؟) وبدورنا نعيد نشر هذا المحضر لأنه يسلط الضوء علي حقائق دامغة تكشف عن طريقة تفكير العنصر القيادي في السلطة العراقية!
وكما توقعت فقد تفجر غضب الوزير واعتقد خطأً بأنني أنا الذي سربت محضر الاجتماع إلي عدي فكاد لي كيدا خبيثا في رئاسة الجمهورية والأجهزة الأمنية وعند وزير الداخلية محمد زمام، وعرض الأمر في مجلس الوزراء فرد عليه صدام حسين (طبقوا علي عدي ومن يعمل معه كل سياقات الدولة) وأبلغ الفريق عبد حمود السكرتير الأكثر خطورة في تاريخ الرئاسة العراقية منذ عهدها الجمهوري الأول (بأن جيّكو هاشم حسن ومن علي شاكلته حتي يرتاح أبو عادل ويقصد وزير الإعلام!).
التعليقات
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف