قال لي ابن الرئيس :وقائع مخفية لعدي صدام حسين:يرويها: د. هاشم حسن ( الحلقة الثالثة)
قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك
- أوصي باعتماد التلميح بدلاً من التصريح والتعلم من الطريقة العشائرية الجنوبية (الحسجة)
- عدي: دعوا التلفزيون يعرض ما يشاء من أفلام لأن العراقي يشعر بالإرهاق بعد حربين داميتين
قد تحيد بعض كتب نقل الوقائع والأحداث عن المسار الموضوعي ويطلق الكاتب الحرية لمشاعره علي حساب الموضوعية،
إلا ان الدكتور الصحفي هاشم حسن في هذه الاستذكارات الواقعية الخطيرة يتحرك بموضوعية الصحفي الذي لا يقول (أنا فعلت)،
بل بكل تواضع يقول سمعت وشاهدت..
وما يرويه هاشم حسن في هذا الكتاب (قال لي ابن الرئيس) شهادة مروعة عن بلد سحق فيه القانون بأحذية مسؤوليه
لينقاد ويقاد إلي الكارثة المهولةالحالية والمنتظرة. وفي تفاصيل سلوكيات عدي صدام حسين يقربنا هاشم حسن من الحقيقة بموضوعية منضبطة لنتعرف علي شذوذ (شخص) يعتقد أن جميع أبناء بلاد النهرين خدم لديه، وتلك وحدها تجعله مصاباً بمرض
خارج حدود التصنيف الطبي والاجتماعي.
في هذا الكتاب رحلة مروعة عاشها الكاتب ونقلها بحاسة صحفية ماهرة، تجعلنا في أقرب صورة لما أصاب شعب بلاد النهرين.
شهادة للتاريخ
ونسأل: هل تمتعنا نحن أو غيرنا من الكتاب في بابل بحصانة خاصة، وفرها لنا عدي، فانطلقنا ندبج المقالات ونجتاز الخطوط الممنوعة بثقة ومن دون خوف أو تردد سواء كانت الدولة راضية أم غير راضية عما نكتب علي حد قول صدام حسين؟ لأمانة التاريخ، فان عدي ما تعهد يوما لأي منا أو لغيرنا من الصحفيين والكتاب بالحماية أو تقديم الضمانات لممارسة حرية التعبير بل العكس هو الصحيح، فكنا نخشي بطشه وغدره، فليس هنالك من قدرة تحدد من صلاحيات أبن رئيس الجمهورية، إلا مزاجه وقناعاته الشخصية.. كان عدي يحذرنا دائما من خطورة التصدي المباشر لأجهزة الدولة وكان يوصي لإتباع الطريق غير المباشرة في التصدي لظواهر الفساد، واعتماد التلميح بدلاً من التصريح والتعلم من الطريقة العشائرية الجنوبية التي يطلق عليها (الحسجة) وقال لي ذات مرة (أنصحك بتجنب المواجهة الصريحة مع السلطة، وعليك ان تستذكر قصيدة الرصافي الذكية حين هاجم البلاط الملكي.. وكيف استخدم البلاغة وأسلوب التورية لكي لا يقع في مطب المساءلة القانونية.. أنا أتذكر دائما حادثة(البلاط والملاط..!) وأردف قائلاً (ما زلت استذكر كلمة مأثورة لها دلالات عميقة أطلقها عمي إبراهيمي الزكلاب والد.. برزان.. وهو فلاح بسيط عاش في قري تكريت كان هذا الرجل يردد باستمرار أمام أولاده.. افعلوا كل شيء.. وإياكم ان تقفوا بوجه الحكومة، فالحكومة مثل الخنزير الهائج فهو لا يلتفت إلي الوراء،ولا تساعده رقبته القصيرة، بالنظر إلي اليسار أو اليمين، إنما يهرول مذعورا إلي الأمام ويكتسح كل من يقف في طريقه!
أدرك عدي بعد فترة قصيرة أننا تمادينا في هجماتنا النقدية لأجهزة الدولة، فخاطبنا في أحد الاجتماعات (عليكم..ان لا تنسوا حقائق الوضع عندنا، وتذكروا بأنكم مهما كبرتم أو بلغتم قدرة في التعبير، أو ارتقيتم في سلم الشهرة والمكانة الصحفية والاجتماعية، فأنه بإمكان شرطي بسيط، ولا أقول رجل أمن، ان يجلدكم بالسياط من رئيس التحرير حتي (الفراش) وحينها لن تجدوا من يتبرع للدفاع عنكم.. ولذا يجب ان يعرف كل واحد وهو يكتب قدر نفسه وخصوصيات مجتمعنا وعمل الأجهزة فيه.. وتصورا بعد ذلك ماذا يستطيع ان يفعله الضابط في الأجهزة الخاصة، لا سيما إذا ما صدرت له الأوامر من جهة عليا تعرفونها، فحينذاك، فان يوم القيامة سيكون أهون وألين عليكم من جحيم يوم واحد تحت رحمة ضابط تحقيق شعر ان عمه زعلان عليكم!!).
وللتاريخ أيضا نشير إلي ان عدي صدام حسين لم يتدخل مطلقا في خصوصيات الكتاب الخارجين غير المحسوبين علي حاشيته، فلكل جماعة أسلوب في التعامل، فلم يمل علينا الرجل أفكار مقالاتنا مطلقا، وترك لنا حرية اختيار الفكرة وأسلوب معالجتها، لقد مارسنا فعلا حرية التعبير، لقد أتاح لنا هامشا واسعا للحرية مارسنا من خلاله حقنا الكامل في نقد كل أوجه الفساد ومظاهره وهذه حرية لم نلمسها الآن في العديد من وسائل إعلام المعارضة العراقية نفسها، والتي تمنح حرية بمواصفات خاصة وهي مقننة بأطر الأيديولوجيات والتحزبيات والمزاجيات وانتقلت إليها فايروسات من أمراض أعلام السلطة ذاته أصابت جسدها بتصلب الشرايين وهي مهددة بالسكتة القلبية!!
الحقائق تكذب الشائعات، والاعتقاد السائد الذي يفسر بالخطأ هذه الحرية الصحفية التي عشنا فصولها المثيرة علي أنها لعبة من النظام يهدف من ورائها الي التنفيس عن كاهل الشعب والإيحاء باتباع نهج ديمقراطي.. وهذا اعتقاد غير صحيح لأن السلطة لم ترق لهذا المستوي من التفكير والأداء النفسي، وهذا التحليل يغمط حق الكتاب الذين تصدوا للظواهر السلبية واجتهدوا قدر المستطاع في فتح كوة في جدار الصمت المليء بألغام الممنوعات ونجحوا إلي حد ما بدفع عدي لتبني بعض القناعات الصحيحة.. فهو القائل ذات مرة ومعبرا عن رؤية نقدية لأداء وسائل الإعلام وعلاقتها بالسلطة قال عدي في اجتماع لمجلس نقابة الصحفيين عام 1997 (ان السلطان الحكيم، عليه ان يوفر للصحافة والإعلام الحرية المحروسة بالقانون ويبقي هو جالسا في كرسيه العالي يراقب ما يجري، ويري من فوق المجتمع بكامله عبر هذه القنوات الإعلامية فهي مرآة تعكس حقيقة ما يجري في المجتمع.. وتنقل الحقائق كما هي وتتفوق أحيانا علي أجهزة الأمن والمخابرات).. وقال أيضاً (لندع التلفزيون يعرض ما يشاء من أفلام وبرامج لأن الإنسان العراقي يشعر الآن بالإرهاق بعد كل الذي جري وكان في حربين داميتين.. وعلينا ان ندرك أنه بحاجة إلي ترفيه وترويح وان لا نقيد حريته اكثر من اللازم لانه سيختنق وينقلب ضدنا.. ومن يريد ان يغادر العراق لنفتح له الأبواب والحدود ونقول له مع ألف سلامة.. أبوابنا تعبر جمل.. فالذي لا يريدنا لا نريده ولا نتوقع خيراً من بقائه بيننا).
مقالات انتقادية
شهدت صحيفة (بابل)، بعد ستة أشهر من شروعنا في كتابة المقالات الافتتاحية الانتقادية علي صدر صفحتها الأولي انتقالة نوعية في مسارها الإعلامي، فلأول مرة بعد غلق مجلة المصور العربي تبادر صحيفة عراقية يومية لمهاجمة نهج الحكومة والحزب ومظاهر الفساد عبر مقالات افتتاحية جريئة لم تترك صغيرة أو كبيرة إلا وتناولتها بأسلوب ساخر غير مألوف منذ استلام البعث للسلطة في العراق عام 1968!
بعد هذا النجاح الجماهيري الذي رافقه ردود فعل حكومية وحزبية عنيفة جداً، شعر عدي صدام حسين إزاءها بنشوة النصر، فأراد ان يمسك بزمام المبادرة ويطور الهجوم الإعلامي إلي مداه الأقصي، ضاربا عرض الحائط كل التحفظات والمخاوف وردود فعل أعضاء القيادة أو مجلس الوزراء، وتجاهل حتي غضب عشيرته وأقرب المقربين إليه من أبناء العمومة وحتي أشقاء أبيه (وطبان وسبعاوي وبرزان) وأولادهم الذين لم يستثنيهم النقد، بل العكس هو الصحيح.. وكنا نحن الكتاب لنا أهداف محددة، وهي ممارسة حرية التعبير بكاملها، وتسليط الضوء علي اخطر القضايا التي تهم الرأي العام وعامة الناس، أما هدف عدي من كل ذلك، فهذا الأمر يخضع لاجتهادات وتفسيرات ليس من السهولة البت فيها والاتفاق عليها!
استدعاني عدي إلي قصر العابد فجأة ــ كالعادة ــ وفي ساعة متأخرة من الليل.. وبعد وقت غير قصير من الانتظار أدخلونا علي (الأستاذ) وبصحبتي بعض العاملين في بابل.. ظهر لنا عدي في غاية الارتياح وبدأ حديثه معنا بترحاب كبير، ومداعبات وملاطفات، وبعد سؤاله عن أحوال الصحافة والصحفيين، وصف رد فعل بعض المسؤولين بكلمات ساخرة واستهزأ بهم وبغضبهم وقال (دعهم يشتكون، ودعهم يبكون.. لكي يعرفوا، ان المسؤولية شيء غير بسيط أو هين، والذي يريد ان يصبح وزيراً أو محافظاً ومديراً عاماً، لا بد له ان يتحمل بمقدار امتياز درجته الوظيفية، والمسألة ليست لهواً أو لعباً.. وعليكم ان لا تخشون هذه المفرقات والجعجعات)!!
وقال أيضاً (أنا أرسلت في طلبكم لترشيح مجموعة أخري من الكتاب الذين يتميزون بالجرأة والشجاعة ولا يترددون في مهاجمة كائن من يكون في القيادة أو من الأقرباء أو المقربين منا.. وليس هنالك استثناء من هذا النقد إلا الله والوطن والقائد!
وأكرر أيضاً، ليكون هذا الأمر واضحا للجميع، ان من ينتقد هو الذي يتحمل تبعات انتقاداته،.. ولهذا سنضع عبارة بهذا المعني في إحدي زوايا صحيفة بابل)!
قلت لعدي (أستاذ وبصراحة، ان الناس وبضمنهم الكتاب يخشون بطش وسطوة الحكومة وأجهزتها الأمنية، فليس هنالك قانون يحمي حرية التعبير في الصحافة أو في المجالات الأخري.. وهذا ما يفسر ان أغلب كتاب الأعمدة الصحفية أو كتاب الدراما وغيرهم، يسبحون علي رمال الشاطئ، وليس فيهم من يجرؤ بالتوغل إلي أعماق الشاطئ والغوص في ظلمات البحر علي أمل ان يظهر للناس ما تخفيه تلك الأعماق، فهذا الاكتشاف قد لا يسر القيادة نفسها وأشخاصاً لهم نفوذهم وقدرتهم علي أحداث الأذي.. أنا وداود.. نسبح ضد التيار ويهددنا هذا التوجه بنتائج قد لا تحمد عقباها! وليس سرا أو نميمة الإشارة إلي ان عدداً غير قليل من الصحفيين وعامة الناس ينظرون إلي هذه الكتابات بعين من الريبة والتأويلات غير الصحيحة والغالبية تفضل الانتظار فوق قمة التل ومراقبة الطوفان والنزول إلي الوادي بعد انحسار اليم!)
تحفز عدي وقاطعني قبل ان أكمل حديثي فقال (أخ.. هاشم.. (عله كيفك ويانه) نحن لا نريد محاضرة بالفلسفة، ويبدو أنك أصبحت علي غير ما عهدناك عليه.. هل بدأت تخاف!؟).
قلت ((عفواً.. أستاذ.. لا.. لكنها الحقيقة، والخوف أيضاً حالة إنسانية مشروعة، ومن يدري ما الذي يخبئه القدر لنا غداً.. وأنا عندي تجربة سابقة عام 1993 مع وزارة الداخلية التي اختطفتني وقادتني إلي مكان مجهول لأيام عدة.. ورأيت هناك ما رأيت.. ولولا.. مشيئة الله.. وتدخلكم الشخصي.. لكنت في خبر كان!)).
وزر المواقف
أنزعج عدي من هذا الحديث وقال ((لنترك هذا الحديث، وان لا نعود إليه مرة أخري، فهو يسيء لنا ويهبط من معنوياتكم.. وعلي الرجل ان يتوقع دائماً مواقف صعبة، خاصة الذي يعمل في مجال الصحافة الجماهيرية.. أصحاب المواقف عليهم ان يتحملوا وزر مواقفهم.. وإذا عجزوا، عليهم إخلاء الساحة لغيرهم.. المهم الآن ترشيح من ترونه مناسباً لهذا الواجب واعتقد ان العاملين في حقل شكاوي المواطنين هم الأنسب لهذه المهمة)).
قلت (أستاذ.. هذا اختيار صحيح ويمكن أن نرشح الزملاء حسن العاني فهو يكتب مقالات انتقادية موضوعية في ألف باء، وعز الدين المانع تخصص في معالجة شكاوي المواطنين في صحيفة الثورة منذ وقت طويل، وكذلك حاتم حسن.. فهو كاتب جيد وجريء وموضوعي.. و..!))
وقبل نهاية الاجتماع وبعد ان استعرض الحضور أسماء أخري.. أمر عدي أحد مرافقيه بالاتصال بعز الدين المانع وحسن العاني ليكتب كلا منهما مقالة أسبوعية تتسم بالنقد اللاذع.. وفعلا ظهرت مقالات قليلة.. لكن أصحابها انسحبوا بعد أسابيع قليلة لشعورهما بعدم الارتياح والخوف من العواقب الوخيمة عند ولوج قضايا حساسة.. وقبل عدي الاعتذار فوراً لأنه وبصراحة لم يجد في مقالاتهما ما يثير الرأي العام ويتخطي المألوف من الكتابات المعهودة في الصحف الرسمية اليومية!.. وأقتصر الأمر في النهاية علي مقالاتي ومقالات الفرحان.. ولأسباب عديدة أفرزت التجربة وأقولها بدون خجل أو نرجسية ــ تفوقي علي داود الفرحان رغم شعبيته الواسعة فقد كان يجيد الترويج لنفسه، بينما كنت أفضل الابتعاد عن الأضواء، ولأنه سبقني بسنوات طويلة في هذه المهنة التي لم نحصد منها إلا المتاعب والمصائب..، وفي هذه التجربة بالذات كنت أكثر مخاطرة ومغامرة أتسمت مقالاتي بالتصريح، بينما اعتمد الفرحان أسلوب التلميح وأعترف الفرحان نفسه بذلك ووصفني بالفدائي.. وحتي عدي اكتشف هذا الفارق في الأسلوبين وقال في مجال المقارنة بيننا (المصائب الكبيرة تأتي كلها من طريقة هاشم حسن في الكتابة، فهو يصرح ولا يلمح، ونبهناه لخطورة هذه الطريقة ولم ينفع، وذنبه علي جنبه، أما داود فهو يلمح لمبتغاه ويصل إلي ما يريده بعد ان يدس أفكاره بين السطور.. والفرق ان هاشم يستخدم توثية ــ هراوة قوية ــ وينقض ليهشم فيها رأس المسؤول وأمام أنظار الناس والحكومة ويسيل الدم في وضح النهار فتثار الضجة وتكون ردود الفعل اكثر عنفاً وقسوة.. أما داود فيصطحب ضحاياه إلي غرفة العمليات ويفتح (كروشهم) وبطريقة تجعلهم يضحكون ولا يشعرون بأثر الضربة إلا بعد حين!
وقال عدي أيضاً في الجلسة ذاتها ((أكرر نصيحتي بأن الوضع لا يحتمل المعالجة القاسية، وعليكم ان تدركوا أننا وصلنا إلي حالة يعبر عنها المثل العراقي بدقة متناهية عندما يصف الحال " الفتك جبير والركعة زغيره " وأضيف إليه وليس عندنا خياط ماهر ((أخو أخيته))..!
ولعل وراء هذا الكلام دلالات ومعاني أترك استقراءها لذكاء القارئ.. ولا أريد ان أفتي بقدر حرصي علي النقل التزاما بالأمانة التاريخية في توثيق هذه المرحلة من عمر صحافتنا العراقية!!
التعليقات
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف