عبد الله بن علي العليان :التقييم الموضوعي للعولمة بين التجرد والرفض
قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك
يتحدث الكثيرون بتوجس وريبة عن العولمة باعتبارها مشروعا للهيمنة والسيطرة على العالم من خلال وسائل الاتصال وليبرالية السوق الاقتصادية وان الآلة التكنولوجية سوف تحل بدل الإنسان ومن ثم سوف تحدث المشاكل الاجتماعية العديدة كالفقر والبطالة وغيرها من المشكلات. لكن العولمة بكل إفرازاتها السلبية والإيجابية، ظاهرة إنسانية جديدة جديرة بالتقييم المحايد بعيداً عن الأحكام المسبقة، وفي ضوء معاييرها ووسائلها التطبيقية.
والعولمة كظاهرة إنسانية كما قلنا ليست حتمية جديدة كالحتميات التي قال عنها أصحابها ذلك وسقطت كما تتساقط أوراق الخريف، لكنها تملك من وسائل التأثير الشيء الكثير الذي يدعو إلى التوجس والحذر، إذا ما تم فرضها بتلك المفاهيم غير المتسامحة والقوانين المادية الصارمة دون مراعاة للمشاعر والظروف والاتجاهات، ستكون كمن يحمل معه أسباب فشله وعجزه، وهذه سمات الأيديولوجيات وطريقتها. وهذا ما اعترف به أناتولي حفيد أندري جروميكو وزير خارجية الاتحاد السوفييتي الأسبق عندما قال ان: "روسيا وصلت إلى حافة التفكك والانحلال نتيجة تغييب خصوصيات الشعوب والأعراق المختلفة، وكذا العمل على سيادة نوع معين من الثقافة والفكر".
فالثقافات كما نعرف بناء متكامل في أبعاد الزمن وفي استمرارها وهي متساوية في مواقعها الأفقية، وفي أبعادها المكانية ، ولا تفاضل رأسياً بينها، وهي كذلك لا تقبل المقارنة لخصوصيتها. ومن هنا يرى البعض كطرح على ظاهرة العولمة في جانبها الثقافي المعلوماتي، إن الإشكالية ليست في توجهاتها الإيجابية من حيث كونها تعميماً للمكتبات العلمية التي تخدم مستقبل الإنسان في شتى بقاع الأرض، وإنما التوجس والحذر في سعيها إلى سلبنا خصوصيتنا الوطنية والقومية. ذلك أن ثقافة العولمة لا تحملها الشعوب إلى بعضها بعضاً. بل هي من صنع شركات احتكارية رأسمالية خلعت عنها ثوب الانتماء، ولا تلتفت كثيراً إلى الخصوصيات والهويات، وهذا مكمن الخطر.
لكن ما هي هذه الثقافة التي نخشى عليها من سطوة العولمة؟ إنها بكل ببساطة تلك المادة التي يتكون منها الولاء ، ليس الولاء لأصنام منحطة، بل لكيان نحرص عليه، ولأهمية تميزنا عن الآخر دون استعلاء أو دونية، الثقافة إذاً قيم وتقاليد وممارسات وهي أيضاً نظام متكامل لا يقبل التحلل، ولا يعرف إلا التماسك التصاعدي.
لكنهم في ظل العولمة يريدوننا أن نلبس كما يراد لنا أن نلبس، ونأكل مايراد لنا أن نأكل، والأخطر من هذا وذلك أنهم يريدون لنا أن نفكر لا كما يفكرون هم، بل كما يريدون لنا أن نفكر وفقاً لمنهجيات وضعوها هم، وهي وإن كانت صالحة لمجتمعاتهم في جزء كبير منها، لكنها ليست بالضرورة صالحة للمجتمعات الأخرى، لأنها وبكل بساطة ولدت من رحم تطورها الطبيعي، فهم قد أنجزوا ثورتهم الصناعية منذ النصف الأول من القرن التاسع عشر، واستمروا في تطويرها بينما نحن ما زلنا في بداية الطريق، وبطريقة بطيئة متواضعة.
شيء جميل أن نتمثل الثورة المعلوماتية المذهلة، وأن نسخرها لمصالحنا، لكن أليس من الضروري أولاً أن نعد البنية التحتية لمثل هذا الإنجاز العجيب، والأهم من هذا أن نتهيأ ذهنياً لتقبل مثل تلك المكتسبات ؟.
لكن البعض لا يرى في العولمة إلا اتجاهاً متزايداً نحو تقسيم العمل وانتشار التكنولوجيا الحديثة من مراكزها في العالم المتقدم اقتصادياً، إلى أقصى أطراف الأرض ومن ثم زيادة الإنتاج أضعافاً مضاعفة. وهو في سبيل ذلك مستعد لأن يغفر للعولمة أي تأثير سلبي يمكن أن ينتج عنها على الهوية الثقافية. بل هو مستعد للقول إن هذا الأثر السلبي على الهوية تافه أو بسيط، بل يذهب إلى حد القول إن الهوية الثقافية سوف تفيد من العولمة بدلاً من أن تضر.
أيضاً هناك المفتونون بالحضارة الغربية بوجه عام، في الإنتاج المادي، بل وفي نقل المعلومات وتخزينها وتوفيرها لمن يريد الانتفاع بها ، وبما حققه الغرب في مضمار التنظيم السياسي والاجتماعي والإنتاج الثقافي، وفق الفكرة القائلة أن من يملك قدرة التأثير بسبب امتلاكه القوة يمكنه أن يحدد مسار التعامل ، والعولمة ما هي إلا استثمار مكثف لكل أشكال التفوق الغربي، وهذا الاستثمار مجرد من أي معنى إنساني حيث يتم تنميط العالم من تدمير التنوع الثقافي العالمي بنية تسهيل هيمنة الشركات الكبرى على توجهات الناس وسلوكياتهم.
كانت الشعوب الضعيفة في الماضي تحمي ثقافاتها من بطش الثقافة الغالبة بالعزلة والتقوقع، أما اليوم فإن هذا أضحى غير ممكن، فثورة الاتصالات وضعت الناس فيما يشبه الخلاطة الكبيرة، وجعلت الكل يراقب الجميع. لكننا نعتقد أن كل أزمة تمنح فرصة ، وليست هناك وضعية يمكن أن نعدها شراً خالصاً. العيش على هامش العصر لا يختلف في السوء عن الاندماج في ثقافة أجنبية منحرفة ، فكلاهما مصدر التحلل الذاتي.
ولذلك فإنه في ظل العالم المتغير، وما فيه من أطروحات ونظريات ومفاهيم تبشر بملامح قرن قادم، فإن أهم تحد نواجهه هو التحدي الثقافي.. من خلال الدعوة والإشارة إلى أن تخلف العرب وفقرهم يعودان إلى تمسكهم بالعقلية التقليدية، وما تتصف به من قيم وعادات وهذا يهدف إلى محاولة إحداث الخلل في الأسس الفكرية والنفسية لتهيئة الأجواء لإرساء مبادئ وقيم ثقافة العولمة الجديدة.
ويطرح الدكتور حاتم بن عثمان في كتابه العولمة والثقافة" إن المساعي الرامية إلى جعل الفكر الآلي وتركيبته العلمية والتكنولوجية المجردة، هو مستقبل العقل البشري، وأداة خلاصه، سوف يقود البشرية إلى نفق مظلم لا نهاية له. إذ أن أفضل طريق لقيادة الشعوب إلى المأزق هو تحويل المجتمعات إلى مصانع للعقول المجردة، المفتقرة إلى الحد الأدنى من المرجعية الفكرية والثقافية، الفاقدة لأدوات التحليل ومناهج التفكيك والبناء ، ومن ضمنها المنهج العلمي الآلي، ولكن لا بمفرده، إذ من العبث التصور ان الشعوب تحيى بدون إنسانيات.
ولا يمكن للساسة وعلماء الاقتصاد وبراء السوق، أن يتعاملوا مع الشعوب بمعزل عن إنسانيات، وكأن هذه الشعوب قطعان من الغنم، تساق وتغذى أو أبقار وإبل تعمل وتستهلك وانتهى.
ومن ذلك فإن دعاة العولمة يشعرون بالقلق في مشروعهم هذا، لأن هناك ردوداً أولية لظاهرة العولمة تتم عن عدم الرضا بهذا الجديد في الجانب الثقافي في العالم العربي، ذلك ان الإجماع على إيجابياتها من خلال صيغها المعلوماتية وفضائها الكوني وقيمها العالمية، مسألة نسبية وقضية تحتاج إلى وقت لصحة تطبيقاتها ونجاحها في حياة الناس.
والمشكلة الثانية التي تواجه العولمة في الجانب الثقافي أنها لو طبقت قسرا، لأن التطبيقات القسرية في تاريخ الإنسانية الطويل أخفقت في النجاح المأمول. ولعل سقوط الأيديولوجيات الشمولية في هذا القرن لأكبر دليل على فشل الحتميات القهرية بتجاهلها الطبيعة النفسية والوجدانية والثقافية للبشر التي لا تتفق واتجاهاتهم وميولهم ومشاعرهم.
فإذا اعترف العالم المتقدم بتعديات الثقافة والصيغ الحضارية، وتسامح معها في إطار التفاعل والأخذ والعطاء، فإن هذه الظاهرة العولمة" ربما تكون الظاهرة الإنسانية الوحيدة التي تقود العالم في القرن المقبل إلى تعددية حضارية غير جامدة. أما إذا لم تأبه هذه النماذج والتعديات الثقافية والحضارية، فإن العولمة لن تتعدى مصيرها الحتميات القسرية التي انهارت وفشلت تطبيقاتها على الشعوب، ويصبح مكانها الطبيعي متحف التاريخ للعظة والعبرة.
(عمان العمانية)
التعليقات
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف