أخبار

الامطار السوداء.. الحزب الاميركي الواحد.. دكتاتورية ينعشها التحرير

قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
امير الدراجي
&
&
حقا ان الشعب العراقي لم يدخر أي حيلة او قوة لتبديل تلك البقعة السوداء التي خيمت على حياته، بحيث بولغ في تقديم التضحيات وبولغ ايضا في رسم هذه البلاد كجمهورية للموت ومدينة التعذيب الفاضلة. هذا الوضع العجيب الذي اضيف الى تاريخ الالم والتشوه كرقم جديد وربما قياسي في التوحش والجريمة، ادى بالعراقيين الى استنفاد كل الحيل والتذخير اللازم لاجراء تغييرات في حياتهم، وقد دفع باعداد غفيرة الى ترك امرها للخارج بطريقة تبين فقدان الثقة بالامل الذاتي او الاجتهاد الوطني، ولعل التفاحة هنا هي التي سقطت ولم يقطفها احد، على ما يردده الزعيم السوفياتي الراحل نكيتا خروتشوف. الترنح والارتباك وتدمير الحماية الوجدانية لاختيار الموقف، قد افقد الطير الذبيح هذا امكان التفريق بين الاسود والكحلي، وفي الغالب انعدم التفريق بين الاسود والابيض، فبدت كل الالوان رمادية، قاتمة تدخل الابيض لتخفيف الظلام المقابل وتداخل الاسود لتخفيف الاعماء الابيض المقابل!!كلاهما اعمى وكلاهما يستمد عذره من الام مبرحة فقدت كل طاقة ذاتية لانهاء الوضع الوطني الشاذ، ولعلنا نقف امام عملية انتحار جماعية مريعة تمارسها السلطة ويمارسها الفريق المعادي لها، الكل يقدم على عملية انتحار جافة تيبست منها عروق النور فدهمت الاعماءات بمسرة الباحث عن موت تخلصا من الم الحياة. بهذا الصدد التحقت جموع غفيرة الى معسكرات بلغاريا لكي تقوم بتحرير بلدها مقابل اجر قدره-1500 - دولارا للمحارب وعلاوات اكثر للخبير والمختص، حيث اسعار البشر تتسلع طبقا لحجم الخدمة، والطريف ان اميركا تدفع للعراقين كي يعشقوا حريتهم وتحرير بلادهم!!انها غرابة مفزعة ان تدفع دولة عرفت ببخلها الى شعب غريب مقابل ان يحب حريته، كما لو انه مصاب بمرض محبة العبودية والقمع، وبالتالي فان الاغراء كبير كي يحب المرء حريته، وهنا السؤال ما حاجة اميركا لهذا الكرم المبالغ فيه كي تعلم شعوبا بعيدة على حب حريتها، وفوق ذلك تقدم لها الاموال؟ حسنا انها اعمال خيرية جبارة وعرفانية مذهلة قد تسجل لاميركا رسولية تعليم الشعوب على الحرية. لنفترض ذلك ونقيم حجة النوايا المغفلة! ولكن ما الثمن؟ ما هي الضمانات العراقية الشعبية في مجتمع ظالم النقد ومفطور على كراهية السلطة أي سلطة وان جاءت بخطاب الحرية، اذ عرف عن هذا الشعب تصوراته الجائرة عن المثال وسخريته وتعييبه كل مستقوي بقانون وسلطة، ما ان تزول غيمة المطر الاسود في حياته، وتستتب الاوضاع. . لعلها مغامرة خطرة للاميركان بعد ان يصار الى نقلة الحرب من مواجهة عسكرية الى مواجهات اجتماعية، تختفي فيها مبررات التحرير وتخفت جذوة الرومانسية والحنين الوطني، ولا نرتكب هنا هفوة الاعتقاد بان اميركا لا تعرف ذلك، وانها تحسب فقط للمشهد الاول من الصورة، وتكتفي باشارات حماسة التخلص من النظام، فاذا لم تتصرف اميركا مع واقع ما بعد النظام ، مع اننا نجهل السيناريوهات، فانها تكون قد غامرت مغامرة غير سارة، وقد تستنقعها استنقاعا يخشى ان يجعلها وقد استسلمت للتحديات القادمة، وبالتالي لا تنفع معها يوتوبيا الغذاء والدواء والاعمار كما اورده بوش مؤخرا، وهو قادم على مجتمع دمر الجوع والحرمان والالم والخوف كل منظوماته العاطفية والنفسية، وهذا محسوب بدقة تعاضد على انجازه النظام الحاكم والمجتمع الدولي والاميركي خاصة، وهو التيئيس الكامل من اجل قبول أي نتيجه، الغرق في بحر بلا شواطئ لتقبل أي منقذ او سفينة!!
لعبة ما ، مورست مع الفلسطينيين ومسرحة الموت والبطولة والهزائم، مسرحة الياس والالم، وادخلت في صلب الاختبارات عناصر ذكية لا يعقلها المنطق، لكنها خلقت الامر الواقع ومعه جهزت كل طاقة الابتزاز والصفقة. . . العراقيون خائرو القوى، والطبقة السياسية تبحث عن مواقع لها بين هذه الاوركسترا النارية، الكل يقدم خدماته، والكل يعرض خبرته في تقاطع المصالح لضمان مكان ما. انه الواقع الداعر بصرامة تشكيلاته واحداثه، ولا مفر من التصرف معه ككتلة صماء، لكن من غير المعقول ان يقود الاعمى مبصرا ولا ان يخاطب الاخرس كليما.
&في هذه الاونة كثرة نداءات معارضة لمعاداة اميركا، ومعها تتصاعد حدة البيانات والتصريحات والتكتلات ملوحة بمقاومتها، فيما السلك الذي ربط خلاصه بالاميركان، يتعامل مع هذه الاصوات كما تعامل النظام باستخفاف وتسفيه مع معارضيه، وراح هؤلاء يطلقون الكلمات التسفيهية ، كما لو انهم بقدرة قادر، يمثلون الصوت العراقي الجماعي، ويشكلون كلية العراق. . انها ايديولوجيا الغزو الجديد، وحسبها انها ستكون الحزب المطلق في العراق، مثله مثل قيادة قطر العراق للبيت الابيض. انه حقا لبائس ومرير ان تكون حفنة من اليائسين والمعذبين وقد انتهوا الى المكب التاريخي مثلهم مثل جلادي الحزب الحاكم او وكلاء الدول الاجنبية او أدلاء للاستعمار الجديد، حيث سيكتب التاريخ اسماءهم بلا رحمة في هذا السجل المحزن، مما يثير مشاعرا لا تقل خسارة عند نجباء العراق، وقد فقدوا اخوة الياس والعذاب والقمع في اسفار الكفاح الوطنية. قد تكون المقارنة واقعية ونحن نقيمها بينهم وبين جماعات الحكم الملكي السابق، ممن اسس العراق الحديث، وكانوا بحق رجالات سياسة محنكين ، لا تخلو ارواحهم ومسلكياتهم من بعض النزاهة والوطنية، وقد فاقوا بحرفتهم ودهاءهم واختصاصهم كل الحكام اللاحقين الذين جاؤوا بعد الملكية. ومع ما تمتع به هؤلاء من رحمة ودستورية وحنكة لم يسلموا من السنت العراقيين ومعايبهم ومصطلحاتهم القاطعة والمتعالية بتسميتهم عملاء الانكليز، مع ان معطيات ذلك الاستعمار كانت مختلفة جدا، حيث لم يات الانكليز الا في لحظة غيبوبة (كوما) طويلة للعراق، وضد حكومة اجنبية ممثلة بالعثمانيين، فيما الحكومة الوطنية غير موجودة، ولا المجتمع العراقي قد تنفس ذاته وحاورها كما هي الحال عليه الان. كان العراق اشتات خربة ورميما من المجتمع الضامر والحياة المتيبسة، وقد استطاع هؤلاء ممن نسميهم برجالات العهد البائد ان يفعلوا شيئا للعراق، ولكن شاهد العراقيون كيف آلت احوالهم، وكيف شنعوا بهم، حتى ان الدول التي تستعمر دولة ما ، تحاول خلق الامر الواقع بتشجيع قوى انقلابية سرا للتخلص من عبء حكمها وسلطانها وتتصرف كالمهزوم كما حدث في مواقع عدة من هذا العالم، وكانت الهزيمة للمستعمر كمثل التخلص من عبء وتكليف لا ضرورة له. اما الذين يراهنون على التصاق اميركا ، كما العقل القرصاني، بالنفط فتلك خرافة وخيال نفطاوي ليس له أي مصداقية، لان الحصول على النفط لا يحتاج لجيوش، وبائع النفط هو الذي يلهث وراء السوق، لانه ليس في الامر خطبة فتاة يعرضها اهلها لمجموعة من العرسان ، انما هذا بزنس وتجارة وسوق، غير قابل للعنس والتستير والتخزين العبثي، ثم ان الشركات العالمية المتعاقدة مضمونة بعقود دولية وليس بجنود وسلاح نووي، فمن شان فلاح ان يقدم شكوى على شركة استخدمت حقله ويربحها. . انها ليس معارك رومانية ولا مكابشة بحارة على موانئ الخمر والعربدة. ومعروف من هي الشركات المتعاقدة بحيث ان نصر الجنود لا يغير بالمعادلات النفطية، الا ما يمكن ان يصبح سمسرة وكمشن من بعض الفاسدين واللصوص، وهذا سيكون ، وامام مجموعة السن كالشفرات، فضائحه بالاعلام والتشهير لاسيما ونحن امام عالم اعطى لكل خمسة عراقيين وسيلة اعلام غير مكلفة على الانترنيت!!!اذا كان ادلاء الغزو ومنظريهم قد تجاهلوا كمية الاصوات الهائلة من الشعب العراقي سواء منه الرافض لاميركا والدكتاتورية، او المطالب بعلاقة كريمة مع اميركا، تقوم على التوازن والمصلحة المشتركة، او من اولئك الراديكاليين الرافضين لها على طريقة اللاءات الحادة، فان الفريق الاميركي من العراقيين يتعامل مع اميركا كعشيق لا يقبل الازدواج، وهذا قد يورط اميركا في مشاكل داخلية عويصة، تبرز على السطح، وهي ابنت المنافسة الداخلية فيما دافع الثمن هي اميركا اسوة بتلك الخلافات، واسوة بانحيازها لطرف دون اخر، وهي بذلك تكرر قديمها الخاطئ وتكرر سلوك الايديولوجيين السوفييت، المشهورة بانحيازها لحزب واحد تشفع كل اخطائه وفساده ومظالمه بعد ان اثبت قوة ولائه. ولعل العزلة التي سيواجهها فريق التحرير لم تكن مقاومة بالمعنى العسكري، بل ستكون عزلة ادبية تنبري لها الالسن الساخرة والعائبة على العملاء كما جرت عادة العراقيين القاسية، الى ترويج النكات والطرائف، الى التطور اللاحق للمقاومة الاجتماعية السلمية، وبالتالي لا يخلو الامر من بعض مجانين ومتطرفين او غاضبين ما!!
&المخارج الكريمة لكل الاطراف هو الابتعاد عن الاحتفالية العسكرية هذه ، لانها اقنعة مغرية في حفلات تنكر الانتصارات الحديدية الحاسمة، وعليه لابد من ان يقوم الاميركان بخطوة استباقية، ترضي كل الاطراف وتراعي مصالح شركائها الدوليين تقاطعا مع مصالح الافرقاء العراقيين، وهذا بعدم تجاهل طرف كبير في اوساط المعارضة العراقية وهو اقدم الاطراف معارضة، لم يستل معظمه من ماكنة النظام، وقد كانت اقدميته في المنافي والتشرد قد لعبت دورا في عزل النظام وترويج جرائمه وقسوته، فيما كان الابن المدلل لاميركا. . هذا الطرف الوسطي الكبير الذي يرفض وطنية التحرير الاميركية، لابد على أي عقلانية سياسية اخذه في الاعتبار وبالتالي عدم وجوده في أي تطور لاحق هو عزلة جديدة ، بل واحراج كبير للموقف الاميركي، ان لم يكن، ومن دون ان يفعل أي شيء، تدهورا لمستقبل اميركا وقد جلبت اطقمة قمعها الجدد أي قيادة قطرها الجديدة، بما يجعل المشكلة مفتوحة على مجهول مفزع. ولكي تتضح هذه الصورة اكثر، فان ثمة الاعتماد على حزب الوكالة الاميركية لا ينم الا على حقيقة ان الديمقراطية مؤجلة، وان العراق سينتقل الى دكتاتورية جديدة تقودها بدل اجهزة امن النظام، تلك المليشيات الشعبية، ممن اصيب بانهارات ادبية هائلة مقبوضة الاجر، تدفعه الى التصرف بعقل انتقامي اخر، أي اضافة دفعة جديدة من ارث الالم والتعذيب والخيبات. . وهو انتحار اخر للسياسة الاميركية في مجتمع صعب المراس ومزعج لمعارضة، امام مجموعة هي حتما ستصاب بالشعور بالاثم السياسي والاخلاقي، وما يترتب على ذلك من فعل انتقامي قمعي.

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف